أسباب ازدهار الأمة .. في نظر الشيخ الغزالي

تمر علينا في التاسع من مارس ذكرى وفاة هذا العلم الرائد الذي ارتاد لأمته مواطن الخلل, ومكامن العلل, وأرشدها إلى مكامن الصحو واليقظة, ومواقع التميز والشهود، وصاح فيها من زمن صيحة النذير العريان حتى تتنبه, وما زالت كتبه وآراؤه في حاجة إلى تفعيل وتنزيل؛ حتى تنهض هذه الأمة من كبوتها، وتتجدد الدعوة إلى التأمل في تراثه لظرف الأمة الراهن فقد أصبح ما يخافه الشيخ على أمته واقعا, وهو قد وضع لها سبل النهوض وملامح الازدهار, وحق علينا أن نبلغ فكره ورأيه للأمة ونهمس في أذنها مرة ونصيح فيها أخرى حتى تنهض وتواصل مسيرتها في قيادة البشرية لتصل بها إلى بر الأمان.  وإذا كان الشيخ قد وضع يده على هذه الأسباب فإن ذلك نصف العلاج, والنصف الآخر يكمن في وصف الدواء المناسب لهذه العلل والأمراض, ومن هنا اهتم الرجل بذكر السبل والوسائل التي من خلالها تنهض الأمة بعد كبوتها فهو يذكر ” أن الخسائر التي أصابتنا كانت لها أسباب, والانتصارات التي أحرزناها كانت لها مقدمات, وعلى المسلمين إذا جد جدهم أن يتعرفوا ما هي أسباب الانكسارات التي أصابتنا, وما هي أسباب الانتصارات التي أدركتنا وأنقذتنا، وعندما نعلم أسباب المد والجزر في تاريخنا فإننا نعود صعداً من حيث جئنا ولا حرج علينا ” ويرى أن نصرنا مرهون بالجبهة الداخلية وهي التي تمثل صلتنا بربنا أو صلتنا بإخواننا وصلتنا بالأصدقاء والخصوم على سواء.  ودراسة أسباب النصر وعوامل الازدهار هامة لبعث الأمة لتكون في مصاف الأمم، وكما يقول الشيخ ” كما تدرس في كليات الطب جثث الموتى لتعرف أسباب الوفاة، وينتفع بها في علاج الأحياء كذلك لابد وأن تدرس الأمم المنهزمة، وتعرف ما فيها من علل فإذا اكتشفت هذه العلل وعرفنا جراثيم الداء أمكن الخلاص منه والبعد عنه, أما الأمم التي تتفاقم أمراضها ولا تريد أن تبحثها ولا أن تبتعد عنها فتبقي بعلتها إلى أن تموت بها “.

عوامل الازدهار ومن هنا يضع الشيخ الغزالي عدداً من الأسباب التي يرى أنها عوامل ازدهار للأمة ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:

1- الشهود الحضاري: إذا كان الشيخ رحمه الله قد ذكر من أسباب الانهيار والتخلف في الأمة الغياب الحضاري، فإنه يذكر في أسباب العلاج والعوامل التي يراها عوامل ازدهار [الشهود الحضاري] ويقصد به وجود الأمة فكراً أو علماً وثقافة بكل ما تحتمله هذه المفاهيم من معانٍ في ساح الحياة، فالإسلام كما يقول الشيخ ” لا يستعيد أمجاده الأولى إلا إذا استعادت أمته فقهها في علوم الأرض كما تستعيد فقهها في علوم السماء, وإلا إذا جودت شئون العمران كما تجود التفسير والحديث. إن هذه المعارف الضرورية لبناء الأمم وإقامة الحضارات فرائض مؤكدة، أسبق في حياة المسلم من نوافل الأذكار، والقراءات فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة”     ويناشد الشيخ قادة الصحوة الإسلامية أن يكونوا على حذر من متدينين لا يعون هذه الحقيقة، ويرى أنهم بقية من عصور الانحطاط أو من هزائم الماضي، بل ليسوا أقل خطراً من قادة الغزو الثقافي المصمم على إهانتنا وإضاعتنا  ويستعرض المجالات التي غاب فيها المسلمون حضارياً ومدى ما جره هذا الغياب على الأمة من ويل وثبور وعظائم أمور فيقول ” تصور مثلاً أن المسلمين متخلفون في صناعة الدواء وأنهم في هذا الميدان عالة على غيرهم من الأمم الشيوعية والصليبية, أتظن أنهم بعد هذا التخلف يسدون إلى دينهم أو إلى أنفسهم جميلاً أم أنهم بهذا التخلف يهزمون مبادئهم ومثلهم العليا في أول معركة مع عدوهم؟ تصور أنهم متخلفون في ميدان الطباعة, أتراهم يستطيعون السيطرة على وسائل النشر وإبراز الحقائق وإغراء ألوف القراء بمطالعتها أو الإقبال عليها؟ ” ويقصد من وراء ذلك أن تزدهر هذه المعارف وغيرها في المجتمع الإسلامي، وأن تبلغ براعة المسلمين في هذه الميادين حد التفوق, فإذا قورن بهم غيرهم في النواحي المدنية والعسكرية كانوا أرجح كفة وأهدى سبيلاً, وأماني المسلمين من غير عمل أو زعمهم في هذه المجالات من غير بذل وجدٍ وعطاء وتضحية لا تفيدهم شيئاً لأن سنن الله في كونه لا تغلبها المزاعم والأماني، ولا طريق لمجد الحياتين إلا أن تباشر كل عمل وهي تحس أن الله عليها شهيد وأنها يجب أن تبلغ به مداه وفق ما شرع من وحي سماوي أو وفق ما وضع من قوانين طبيعية. وبذلك يضع الشيخ الغزالي الشهود الحضاري سبباً من أسباب نهوض الأمة

2- فهم الواقع: ويري الشيخ كذلك أن أسباب العودة إلى مصاف الأمم أن يفهم المسلمون الواقع في معالجتهم للقضايا التي يدلون فيها بآرائهم؛ ففي عالمٍ يبحث عن الحرية لا تصور الإسلام دين استبداد، وعالم يحترم التجربة وتتبع البراهين لا تصور الدين غيبيات مستوردة من عالم الجن وتهاويل مبتوتة الصلة بعالم الشهادة، وفي عالمٍ تقارب فيه المتباعدون ليحققوا هدفاً مشتركاً، فلابد وأن ننسى أموراً ليست ذات بال لتجتمع على الأصل الذي ننطلق من خلاله, وبفهم هذا الواقع تستطيع الأمة المسلمة أن تساير الركب وأن تسابق الحياة إذ هي وقتئذ تعرض دينها بالأسلوب المناسب للواقع المناسب، وهذا بلا شك من أبرز عوامل النصر وأسباب الازدهار.

3- الفهم الكلي للإسلام: ومن أسباب ازدهار الأمة التي يدعو إليها الشيخ أن يفهم المسلمون دينهم فهماً كلياً، فلا يقبل فيه عرض القضايا الخاصة مهما كانت مهمة عند أصحابها, يظنها أصحابها ذروة الدين وسنامه وهي شئون فرعية محدودة؛ يعد القتال من أجلها قضاءً على الإسلام وتمزيقاً لأمته, وينادي المسلمين أجمعين والدعاة منهم خاصة أن تكون نظرتهم إلى الإسلام نظرة كلية شاملة فبذلك نستطيع أن نرتفع بالأمة وأن نعيدها إلي مكانها الحقيقي.

4- الوحدة: يري الشيخ أن الوحدة مسبب أسباب النصر، وعامل من العوامل التي تؤهل الأمة للازدهار؛ فينادي الدول الإسلامية الكثيرة أن تتقارب، وأن يكون هدفها الأهم تجميع المسلمين كافة في مكان واحد أو جسد واحد روحه الإسلام ويرى أن هذه الأيام نحن أحوج ما نكون فيها إلي الوحدة والتواد, وأمامنا من المواطن التي نلتقي فيها صفاً واحداً كثيرٌ من الأصول الثابتة، كما أن أمامنا مكر أعداء يودون لنا العنت ولا يألوننا خبالاً, ويرى أن المسلمين وقعوا في هذا التشرذم والتفرق، وانقسموا في أرجاء الأرض على أكثر من خمسين دولة أو دويلة ليست لها في سياسة العالم وزن يذكر ولا في توجيه شئونه رأي يسمع. ويضرب الشيخ أمثلة من صفوف الأعداء لعل المسلمين يعودون إلى رشدهم ويثوبون إلى صوابهم, بأن المسيحيين نسوا الحروب الدينية التي اتقدت نارها بينهم خلال القرون الوسطى وأخرجوا الخلافات الكبيرة التي تباعد بينهم أحياناً في أصول العقيدة وقرروا أن يلقوا الإسلام وأهله صفاً واحداً وقوى مشتركة، ويألم لأن الجامعة التي تلم شمل المسلمين لا تزال حلماً، والضياء الذي ينبغي أن ينير طريقهم لا يزال بعيداً.

5- قيام الدولة بواجبها:  ويري الشيخ الغزالي يرحمه الله أن الأمة إذا أرادت أن تنهض من كبوتها فلابد أن تقوم كل دولة مسلمة بواجبها نحو هذا الهدف؛ فالدولة في الإسلام ليست طبلاً أجوف إنما هي ممثلة لتعاليم هذا الدين عبادة ومعاملة وأخلاقاً وقوانين, وليست تسلم السلطة لبشرٍ مصاب بجنون العظمة أو مدع للألوهية.

الدولة في الإسلام دولة تُشْرف بقواها الخاصة والعامة على قيام المجتمع بأمر الله.

ومن هنا فلابد أن تقوم الدولة تمهيداً لهذا الهدف العظيم بما يلي: أ- تحديد علوم الدين وتبصير طلابه بالحقائق الرئيسة وتجاوز القضايا والخلافات التي خلفها الفراغ والترف في بعض الأزمنة، وبيان ما هو قطعي وما هو ظني وما هو أصلي وما هو فرعي، وتناول المذاهب المختلفة على أنها وجهات نظر ليست معصومة من الخطأ. ب- أن تقوم الدولة بمحو الخصومة القائمة في ميدان العلم بين الفقهاء والصوفية على أساس تجريد التصوف من البدع والخرافات التي التصقت به ورده إلى كتاب الله وسنة رسوله. جـ- تدريب جماهير المسلمين على الشئون المدنية, فهي بحاجة ملحة إلي مهارات كثيرة في ميادين الحياة العملية وتخلفها في هذا المضمار يهزم الإسلام وينال من قدرته علي قيادة الناس. د- غربلة التقاليد: ولابد كما يرى الشيخ الغزالي من غربلة التقاليد الشائعة بيننا غربلة شديدة حتى لا يبقى منها إلا ما كانت له بالشريعة صلة، وعلى قدر قوة هذه الصلة وضعفها يكون استمساكنا بهذه التقاليد أو إهمالنا لها, فبقاء هذه التقاليد كما هي مختلطة بأحكام الإسلام لبس علىي كثير من المسلمين الآن فأصبحوا لا يفرقون بين أحكام الإسلام وتقاليد المسلمين.

6- أسباب متفرقة: ويرى الشيخ أنه لابد لكي تأخذ الأمة مكانها بين الأمم فلابد من الاهتمام بالتعليم والاعتناء به؛ بداية من المرحلة الأساسية إلى نهايته القصوى وإعداد العلماء الربانيين الذين يجابهون الأمة بواقعها دون خوف أو وجل، وإحسان الصلة بالإسلام في صغير الأمر وكبيره، وأن تستفيد من تجارب الماضي فلا تقع في الأخطاء التي أذهبت ريحنا وأطمعت فينا عدونا، وأن تقدم صورة جميلة للإسلام تعجب الرائين وتمحو الشبهات القديمة، وتنصف الوحي الإلهي، كما يرى أنه لابد من هيمنة الإسلام هيمنة صحيحة على القوانين وردها إلى الفقه الإسلامي واحترام لغتنا احتراماً يُسمع ويُرى في العالمين.

أستاذ الدراسات القرآنية المشارك في جامعة الأزهر وكلية الشريعة بجامعة قطر  

شاهد أيضاً

الدكتور يوسف القرضاوي: الاحتفال بمولد النبي والمناسبات الإسلامية

السؤال: ما حكم الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المناسبات الإسلامية …