أستاذا من “MIT”: صواريخ حماس يصعب اعتراضها وادعاءات إسرائيل عن القبة الحديدية كاذبة


تتبنَّى سلطات الاحتلال الإسرائيلي ادعاء ثابتا، منذ نحو عشر سنوات، يقول إن القبة الحديدية هي أقوى منظومة صاروخية دفاعية في العالم بقدرة على الصد تبلغ 90% من الصواريخ التي تستقبلها، تتصدر هذه الادعاءات معظم الصحف العالمية، وتصل إلى الوطن العربي بتردد كثيف، لكن حينما حاولنا في “ميدان” تتبُّعها من وجهة نظر تقنية وبحثية، وجدنا أنها تفتقر للدقة، وفي تقرير سابق بعنوان “لأن القبة الحديدية ليست بالقوة التي تصدرها دولة الاحتلال“، عرضنا الحجج المضادة لهذه الادعاءات التي لا تقرأ عنها عادة.

 

في هذا التقرير، ولمزيد من دعم حججنا، لجأ محرر “ميدان” إلى أشهر متخصصي النطاق الخاص بفحص أداء القبة الحديدية، وهو الدكتور ثيودور بوستول، أستاذ الهندسة والتكنولوجيا وسياسة الأمن القومي في برنامج العلوم والتكنولوجيا والمجتمع في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المرموق. قام “بوستول” بعمله الجامعي في الفيزياء، وتخرج متخصصا في الهندسة النووية، ثم بعد تخرجه انضم إلى فريق مختبر أرغون الوطني. عمل بعد ذلك في مكتب الكونغرس لتقييم التكنولوجيا، لدراسة طرق إنشاء قاعدة صواريخ “إل جي إم 118 بيسكيبر” البالستية العابرة للقارات، وعمل لاحقا مستشارا علميا لرئيس العمليات البحرية.

 

بعد مغادرة البنتاغون، ساعد الدكتور بوستول في بناء برنامج في جامعة ستانفورد لتدريب العلماء في منتصف حياتهم المهنية على دراسة التطورات في تكنولوجيا الأسلحة ذات الصلة بسياسة الدفاع والسيطرة على الأسلحة. في عام 1990 حصل الدكتور بوستول على جائزة ليو زيلارد من الجمعية الفيزيائية الأميركية، وفي عام 1995 حصل على جائزة هيليارد رودريك من الجمعية الأميركية لتقدُّم العلوم، وفي عام 2001 حصل على جائزة نوربرت وينر للمسؤولية الاجتماعية والمهنية لكشفه العديد من الادعاءات الخاطئة والمهمّة حول الدفاعات الصاروخية.

الدكتور ثيودور بوستول، أستاذ الهندسة والتكنولوجيا وسياسة الأمن القومي في برنامج العلوم والتكنولوجيا والمجتمع في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

 

  • دكتور بوستول، لنبدأ بالسؤال عن الوضع الحالي للقبة الحديدية، هل تعتقد أنها أصبحت أقوى في 2021 أو تقدَّمت مقارنة بالحال أثناء الحرب على غزة عام 2012؟

فيما يتعلق بأداء القبة الحديدية، يبدو أنه منخفض جدا، وهو يتفق مع ما وجدته أنا وزميلي ديك لويد عامَيْ 2013-2014. ليس هناك أي شيء جديد، والحقيقة أن النظام يتصرَّف تماما كما كان قبل 8 سنوات تقريبا.

هذه مفاجأة بالنسبة لي، لأنني كنت قد خمَّنت عندما حدَّدت لأول مرة مشكلات الأداء مع القبة الحديدية أنه سيكون هناك تحسينات كبيرة في النظام على مدار أكثر من 7 إلى 8 سنوات منذ أن حلَّلت أداء النظام لأول مرة ووجدت أنه معيب.

 

يُشير ذلك بقوة إلى وجود خطأ جوهري في تصميم المنظومة لا يسمح بتطويرها. أعتقد ببساطة أن النظام لم يكن على مستوى الوظيفة منذ اللحظة الأولى، وبسبب ذلك لم تكن هناك حلول تقنية لتحسين أدائه. لسوء الحظ، لا أستطيع أن أُخبرك سبب ضعف أدائها، على الرغم من أنني أستطيع وصف سبب صعوبة تحقيق ما تحاول القيام به. على أي حال، فإن الأدلة تُظهِر بشكل لا لبس فيه أن القبة الحديدية لا تعمل جيدا.

  • قدَّمت من قبل دلائل على ضعف عمل القبة الحديدية، في مقابل ادعاءات السلطات الإسرائيلية بأنها تعمل بقدرة اعتراض تساوي 90%، هل يمكن أن تشرح لنا سبب وصول دقة القبة الحديدية إلى أقل من 10% فقط؟

دعني أولا أُوضِّح أن الأمر لا يتعلق فقط بأن تعترض صاروخا حربيا، بل يجب أن تقابله رأسا برأس، لأنه لكي تتمكَّن من تدمير صاروخ ما، فإنه من الواجب أن تُدمِّر الرأس الحربي المُتفجِّر الخاص بالصاروخ، الذي يوجد في مقدمته، أما إذا ضربته ضربة جانبية فإنك قد تُسقطه لكنه سيظل قابلا للانفجار ما إن يصل للأرض. (عرض بوستول هذا الرأي بدورية “The Bulletin of Atomic Scientists” في شهر يوليو/تموز عام 2014)

 

التفسيرات التي أُقدِّمها اشتُقَّت في الغالب من ملاحظات لمشاهد لحظات التقاء الصواريخ المعترِضة والمعترَضة، وصور الصواريخ التي سقطت على الأرض، مع توضيح أن ذلك بعيد كل البُعد عن كونه الدليل الوحيد على ضعف المنظومة.

 

الغالبية العظمى من صور بقايا الصواريخ الساقطة على الأرض لا تُظهِر أي دليل على مواجهات رأسا برأس مع المُعترِضات الصاروخية الخاصة بالقبة الحديدية. يوجد عدد من بقايا الصواريخ التي بها ثقوب في غلاف محرك الصاروخ الموجود خلف الرأس الحربي. هذا هو بالضبط ما يتوقعه المرء حين تفشل في ضرب الرأس الحربي وتخترق بدلا من ذلك محرك الصاروخ الفارغ خلف الرأس الحربي، في جميع الحالات التي يحدث فيها هذا، سيستمر الصاروخ في السقوط إلى الأرض وينفجر.

في حالات نادرة جدا (ربما رأينا إحداها)، يبدو أن القبة الحديدية الاعتراضية فجَّرت رأسا حربيا لصاروخ مدفعي. نعتقد أن هذا حدث بالتأكيد، لكنه احتمال ضئيل للغاية، حيث اصطدم الصاروخ المُنطلق من القبة الحديدية بالفعل بالواجهة الأمامية للصاروخ المعترَض. من الممكن أن يؤدي هذا إلى انفجار الرأس الحربي، ولكنه أيضا حدث نادر جدا بحيث يمكن اعتباره -عمليا- لم يحدث أساسا!

 

لذا فإن البيانات القادمة من الأرض، والبيانات المأخوذة من السماء، متسقة تماما مع ما أُشير إليه، النظام لديه مُعدَّل اعتراض منخفض جدا، بل وربما قريب من الصفر.

 

في تلك النقطة طلبنا من الدكتور بوستول أن يشرح للقارئ بتفصيل أكثر، فتفضَّل بإرسال مجموعة من الصوّر التي أرفقها في دراسته ويشرح أنها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن القبة الحديدية لا تعمل:

في الحالة المثالية، يجب أن يلتقي الصاروخان رأسا برأس، وما إن يمر الصاروخ المُعترِض إلى جانب الصاروخ المُعترَض حتى يُفعَّل فتيل ليزري (تُمثِّله الخطوط الزرقاء المتقطعة) فينشر الصاروخ المُعترِض شظاياه لتفجير الصاروخ المُعترَض، في هذه الحالة فقط يمكن تفجير الرأس الحربي الخاص بالصاروخ الهجومي، أما دون ذلك فسوف يسقط الصاروخ فعلا، لكنه سوف يظل قابلا للانفجار على الأرض داخل حيز القبة الحديدية.

 

بسبب عدم اليقين الشديد في ضبط السرعة والهندسة لصاروخين فائقي السرعة يعبران بجانب بعضهما بعضا، فإن هناك احتمالا كبيرا لفشل فتيل صاروخ القبة الحديدية في ضرب شظايا قاتلة تجاه رأس الصاروخ الذي يستهدفه. فضلا عن ذلك، ما لم تكن المسافة بين الرأس الحربي للقبة الحديدية والرأس الحربي للصاروخ المُعترَض صغيرة (متر تقريبا أو نحو ذلك)، فستكون هناك فرصة متضائلة إلى حدٍّ كبير لضرب الرأس.

الصواريخ القادمة كما ترى تُصاب بالشظايا الناتجة من الصاروخ المُعترِض في مناطق فارغة بخلفيته، بالتالي يسقط الصاروخ أرضا، داخل نطاق عمل القبة الحديدية، ورأسه الحربي ما زال قابلا للانفجار.

في هذه الصورة تتخذ النفاثات الخارجة من صواريخ القبة الحديدية مسارات لا يمكن فيزيائيا أن تكون مناسبة أبدا لاعتراض الصواريخ القادمة (من غزة)

تظهر هذه الصورة لحظة انطلاق أحد صواريخ القبة الحديدية (أقصى اليسار) بينما يسقط صاروخ ثانٍ من صواريخ القبة الحديدية وينفجر قبل وصوله إلى الأرض (الانفجار في المنتصف)، هذا -مرة أخرى- سيناريو لا ينبغي أن يحدث أبدا، إنه يُشير ببساطة إلى أن المعترِض فقد السيطرة لسبب أو لآخر وبدأ في الغوص نحو الأرض.

 

يمكن رؤية النفاث الخارج من صاروخ آخر يمر من يمين الصورة إلى يسارها، لا توجد طريقة لتحديد إذا ما كان هذا صاروخا معترِضا آخر لم يُوجَّه توجيها صحيحا أم لا، لكن الظواهر من هذا النوع ليست نادرة جدا فيما يتعلق بالسلوك غير المنتظم لصواريخ القبة الحديدية بعد وقت قصير من إطلاقها.

تؤكد هذه الصور أن الصواريخ المُعادية (القادمة من غزة، ويُمثِّلها التصميم بالأخضر) قد تلقَّت الضربات من قِبَل القبة الحديدية في خلفيتها بينما مرَّ الرأس الصاروخي بأمان. هذه ليست حالة حصرية، بل معظم الصور كانت كذلك.

 

  • ما الأسباب الأخرى التي تحد من فاعلية القبة الحديدية؟

أول شيء، يمكن القول إن الهجمات الصاروخية تجعل من الممكن لحماس وحزب الله أن يستمروا في الضغط على إسرائيل، خاصة أن صواريخهم رخيصة نسبيا ومن الصعب للغاية العثور على مواقع الإطلاق وقمعها، ومن الصعب للغاية اعتراض صواريخهم بعد إطلاقها بنجاح.

 

قد تُكلِّف الصواريخ الخاصة بهذه الجهات (يقصد المقاومة الفلسطينية) أقل من بضع مئات من الدولارات، لكن أرخص الصواريخ الاعتراضية قد تُكلِّف أكثر من 70000 دولار، وفي المتوسط تصل تكلفة اثنين من الصواريخ المُعترِضة، أي محاولة اعتراض واحدة، إلى أكثر من 100 ألف دولار.

نتحدَّث هنا عن محاولة اعتراض شبه مثالية، لأنه في هذه الظروف قد يكون احتمال اعتراض الطلقة الواحدة 50%، أو حتّى 75%، يعني ذلك أنك تحتاج إلى صاروخين لاعتراض صاروخ واحد. تدَّعي إسرائيل معدل اعتراض قدره 90%، لكن ليس من الواضح ما الذي يقصده الإسرائيليون بالاعتراض، التعريف الوحيد المنطقي للاعتراض في هذه الظروف هو تدمير رأس الصاروخ الحربي.

 

توضيح إضافي: في تلك النقطة دعنا نُشِر إلى أن بوستول قد أوضح في وثيقة أرسلها إلى محرر “ميدان” أن صواريخ المقاومة الفلسطينية، وإن كانت بدائية، فإنها فعالة ومن الممكن تصنيعها -سواء المواد المكونة لجسم الصاروخ أو المتفجرات- بكميات كبيرة وتحميلها على عربات مدفعية رخيصة وبدائية، كذلك فإنه يمكن حملها ونقلها بسهولة، وهناك درجة كبيرة من التنوع في قدراتها. وبالتالي فإنها -على اختلال كفتَيْ الميزان- تضغط بشدة على الجانب الإسرائيلي.

  • إذا كانت القبة الحديدية لا تعمل جيدا، فلماذا إذن تكون الخسائر الإسرائيلية من الهجمات الصاروخية منخفضة للغاية؟ 

هناك أسباب لذلك لا علاقة لها بالقبة الحديدية، يوجد في إسرائيل نظام كبير من الملاجئ، مُرتَّب بحيث يمكن للمواطنين العثور بسهولة على الحماية في غضون عشرات الثواني أو أقل من التحذير. نظام الإنذار الإسرائيلي من الهجمات الصاروخية متطور، ويُوضِّح الشكل المرفق أوقات التحذير التي نشرها الإسرائيليون لصواريخ مدفعية متفاوتة المدى.

أضف إلى ذلك أن هناك نظام تحذير في الهاتف المحمول للمواطنين يُصدِر تنبيها مسموعا لكل ضربة صاروخية وشيكة. يُطلق على تطبيق الهاتف هذا اسم “تنبيه أحمر” (Red Alert)، وتُشير رسالة التطبيق إلى المنطقة العامة التي يُتوقَّع سقوط صاروخ مدفعي فيها. اعتمادا على موقع الأفراد الذين يتلقّون رسالة التحذير، فإنهم يتلقّون معلومات تُوضِّح لهم ما إذا كانوا سيذهبون إلى مأوى أم لا. أثناء قصف لندن في الحرب العالمية الثانية بصواريخ “V-1″ و”V-2” الألمانية، أدَّت ثوانٍ من الإنذار المبكر إلى انخفاض عدد الضحايا والوفيات بمقدار ضِعْفين أو أكثر.

 

حتى عندما لا يفعل الأشخاص المُعرَّضون للهجوم شيئا أكثر من اتخاذ إجراءات مناسبة مثل السقوط على الأرض قبل اصطدام صاروخ، فإن ذلك يخفض جدا من حجم الخسائر في الأرواح، في تفجيرات الحرب العالمية الثانية في لندن كانت الرؤوس الحربية أكبر بكثير من تلك التي استخدمتها حماس، حيث كانت تحمل نحو 2000 رطل من المتفجرات، مقارنة برقم يتراوح بين 10-20 رطلا لصواريخ حماس (خلال عدوان عام 2012). هذه الأحجام الصغيرة للرؤوس الحربية تجعل الإنذار المبكر والإيواء الوقائي أكثر فعالية، لأن الرؤوس الحربية الأصغر من غير المرجح أن تخترق أو تدمر مأوى.

 

هذان العاملان -صغر حجم الرؤوس الحربية ونظام الإنذار والإيواء- يُفسِّران انخفاض أعداد القتلى انخفاضا جذريا جراء الصواريخ وقذائف الهاون.

 

  • إذا كانت القبة الحديدية غير فعالة لهذه الدرجة، لماذا إذن تُموِّلها الولايات المتحدة الأميركية؟

في ظل عدم وجود بيانات إسرائيلية تدعم مزاعم كفاءة القبة الحديدية (يقصد تحديدا ضرب الرؤوس الحربية)، واستنادا إلى دلائل لا لبس فيها، فإن الاستنتاج يبدو واضحا: الحكومة الإسرائيلية لا تقول الحقيقة حول القبة الحديدية لسكانها، أو للولايات المتحدة، التي زوَّدت الحكومة الإسرائيلية بالجزء الأكبر من التمويل اللازم للتصميم والبناء، وأنا قلق للغاية من أن الولايات المتحدة التي قدَّمت التمويل الكامل لتطوير نظام معقد كهذا لم تطلب أيًّا من بيانات الأداء اللازمة لتقييم المنظومة من قِبَل وكالات أميركية مستقلة. في رأيي، هذا ببساطة تصرُّف غير مسؤول من جانب الوكالات الحكومية الأميركية التي موَّلت المشروع الإسرائيلي.

  • نشكرك دكتور بوستول على وقتك الثمين وهذه المعلومات القيمة المُفصَّلة المُبسَّطة.

العفو، موقفي تجاه الصحافة هو أنه من واجبي أن أجعل أي شيء يُهمِّك مفهوما.

المصدر : الجزيرة


Comments

comments

شاهد أيضاً

د.عصام عبد الشافي : قضايا العلاقات المصرية ـ التركية وأهم تحدياتها ومساراتها المستقبلية

ننشر نص حوار د.عصام عبد الشافي مع وكالة أنباء الأناضول التركية حول  قضايا العلاقات المصرية …