أشرف القيمي يكتب: الفصل الأول من الحياة


 المحور الأول : البحث عن السعادة الغاية الأعظم .
نظرة تأملية في بعض مواقع الحياة اليومية نحاول جاهدين استبصار الطريق الأصواب للوصول سالمين غانمين إلى بغيتنا الأعظم في حياتنا الدنيا وكذلك الآخرة ألا وهي السعادة  السعادة  ، نعم أقصد السعادة ولما العجب إذن ؟ أليس كل ما يهمنا في حياتنا هو مصلحتنا الخاصة بكل واحد منا والتي تقودنا حتما إلى تحصيل السعادة ، حتى ولو كان تحصيلها بغير طريق شرعي عند بعضنا ، حينما ينسد أمامه الطريق الصحيح ..؟!  إن ما تعانيه البشرية منذ خلقها الله تعالى إلى الآن ثم إلى يوم الكاشفة ، هو ذلك السبب سالف البيان ، يهم الفرد ويشغل به نفسه من يوم أن يعي على الدنيا إلى أن يموت ، يهم الجماعة من الناس عربا كانوا أو عجما من بني الإنسان ، يهم الدول قديما منذ أن عرفت الجماعة البشرية نظام الدولة وتوزيع السلطات والإختصاصات وتشريع القوانين وما إلى ذلك ، وكذلك يهم الدول الحديثة المعاصرة ، الكل : الفرد والجماعة البشرية و الدولة ، يسعى إلى غاية والغاية طريقها أو صورتها العامة هي المصلحة والمصلحة وسيلة ليس إلا ، أو قل وسيلة موصلة إلى حقيقة الغاية والوجه الباطن لها ألا وهي السعادة التي كلنا يبتغيها ، الشريف يبتغيها ، واللص السارق يبتغيها ، والقاتل يبتغيها ، والزاني يبتغيها ، والمخلص لدينه ووطنه يبتغيها ، والجاسوس الخائن لدينه ووطنه يبتغيها ، المستقيم المحق له الحق الخالص في التمسك بها والسعي إليها ، لكن العجب كل العجب أن يسعى إليها ويتمسك بها من ليس له حظ من حقها ، وقد عجز عن القيام على تحقيقها ، وإذا به يتبدل الحال بقلب الباطل حقا  ليسوغ لنفسه أن ما فعله هو حقه الخالص ، وليس لأحد الأعتراض عليه أو إقامة الحجة على أنه خالف الصواب واعتدى على حدود الله والناس .
ثمة قضية فلم يكن يحدث ذلك بين يوم وليلة في مجتمع الناس لا قديما ولا حديثا ، إلا بانهدام بعض الأمور التي يقررها علم النفس الحديث فيما أتذكر  ، ألا وهي : إنعدام القيم والمعايير ، إنعدام القدوة والقضية .
و في خضم مجرايات الأحداث اليومية قصة وعبرة من بني الإنسان لمجتمع الناس ، حيث يترآءى له بعض الأمور التي لم تكن جلية له بشكل يجعله يستفيد منها ويفيد غيره ، مما تعلم وفقه إليه وعمل به ، ففي حياة كل واحد منا الكثير والكثير من الأمور التي قد تخفى على بعضنا ويفقهها البعض الأخر ، كل بحسب مدى تجاربنا اليومية والمواقف التي نمر بها من قلة وكثرة وقوة وضعف وصعوبة ويسر ، لكلا العنصرين « الإنسان ، والمؤثر : المواقف ، التجارب ، الأفكار ، الإعتقدادت ===» وهو تصور معين لشيء معين أيا كان هذا الأمر .. إجتماعي – سياسي – ثقافي – علمي – معرفي – إقتصادي – ديني …. إلخ !
وإذ تتشكل الصورة الكلية لأحدنا من محصلة ما سبق ذكره ، وبناءا عليه نتخذ الوجهة التي نرتاح إليها ونطمئن لها ، ونأمل مستقبلا زاهرا من جراء خلق هدفا لنا في حياتنا كي نصل به إلى غاياتنا الكبرى « السعادة المنشودة »  ألا وهي المصلحة التي هي في حقيقتها السعادة الدنيوية المؤقتة الدوام والشعور .
لكن هكذا خلق الإنسان وكان عجولا ، وكذلك جبل على هكذا طبائع وشعور وتصرفات وسلوك وأخلاق  « وقيم : إجتماعية – سياسية – إقتصادية – دينية –  ثقافية – معرفية – تقاليد وعادات وأعراف : أي موروثات حضارية …إلخ ..!  حيث لا يمكنه التخلي عن هذا الجنوح الحيواتي الإنساني ، والكيس من الناس من يوظف هذا الجنوح الإنساني : التجارب والمواقف والخبرات والطبائع والعلم والمعرفة وطبيعة الأشياء ] . في جعل حياته أفضل  ، ومن افضل إلى أفضل   . والجاهل الغافل الغبي من لا يفقه شيئا من هذا ولا يحاول أن يجهد عقله وذهنه للحظة في التفكير في حاله ومجتمعه ، أو على الأقل حياته وأسرته .
ويصر إصرارا بالغا في نحو هذا المنحى من الحياة البالية التافهة التي لا يكترث لشيء إلا لحاجاته الحيواتية الضرورية كالطعام والشراب والإخراج والنوم والراحة والترفيه طول الوقت …إلخ !
~ المحور الثاني : في طريق الحياة قضايا ملحة : –
ما يعنينا هنا هو أن نسلط الضوء على قضية ذات أهمية لكثير منا ، نحاول من خلالها مناقشتها سويا حسب الوسع والطاقة ، أو أن نصل إلى إقتراح بعض الحلول لها في نهاية النقاش أو لا نصل .
~ قضية التربية الإجتماعية والتعليمية : –
إن المتمعن في الأمر الناظر إليه بعين الفاحص الحاذق الناقد المدقق ، يجد أن هاتين المسألتان هما أصلا كل أصل في حياتنا الدنيا ..!
كيف ذلك ..؟ وما السبيل للإضطلاع بهذه المهمة الأصيلة الخطيرة ..؟!
بعون الله تعالى نبين ذلك على مهل حسب فهمنا الزهيد وعلمنا الضئيل ومعرفتنا المحدودة ، علنا نوفي الموضوع بعض حقه من المناقشة وإستظهار الجوانب الخفية فيه .
بداية بادئ ذي بدء سنتحدث عن قضية التربية وما مدى صلتها بالتعليم وأثر ذلك على الفرد والمجتمع ..!
ففي بداية الخلق كان الإنسان وحيدا لا يعلم من أمر نفسه شيئا مطلقا ، وإذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام – وهو الإنسان الأول وأبو البشر جميعا – بيديه ثم نفخ فيه من روحه ثم علمه كل شيء يلزمه في حياته حيث علمه أسماء كل شيء ، ثم أمره بأشياء ونهاه عن أشياء ألا يفعلها ، ثم أمر سبحانه الملائكة بالسجود لأدم تعظيما لقدرة الله الخالق أن خلق هذا الشيء الجديد ألا وهو « الإنسان » الضعيف مهما بلغت قوته إذا ما قورن بباقي المخلوقات الإلهية من الجن والملائكة والشياطين ، وعوالم الأحياء والحيوانات والتي نعلمها والأخرى التي لانعلمها .
ثم كانت بعد ذلك قصة الخلود في الجنة إلا أن عصى آدم ربه واستمع لصوت الشيطان فغوى ، ثم تاب آدم وأناب ، وقد تاب الله عليه وهداه ، ثم تبدل الحال من القوة والخلود الأبدي في الجنة إلى الضعف والحياة المؤقتة الزائلة يوما ما بكل مخلوقاتها وعلى إختلافها وتنوعها  .
و لا يمكننا  أن ننسى قصة خلق زوج آدم عليه السلام آلا وهي – أمنا حواء – أول إمرأة خلقت من جنس الإنسان . فهي شريك له في لحظة المعصية وكذلك الهبوط من الجنة إلى الأرض ، وليس مهما أن نقف على الحقيقة من كنه الجنة ، هل كانت في السماء أم كانت على الأرض حيث ذهب المفسرون فيها مذاهب عدة .
ثم تأتي المرحلة التالية – الأولى – من خلود الإنسان إلى الأرض ليعمر فيها ليزع زاد الدنيا فيحصد غدا زاد الآخرة ، وتتجلى في هذه النفحة الربانية من سيرة الأولين عظمة الله تعالى الخالق البارىء المصور وقدرته على الخلق والتصوير . خلق الإنسان فأحسن صورته ، ورباه وعلمه فأحسن تربيته وتعليم الإنسان ما لم يكن يعلم .
ثمة بعض  مقتطفات   من الدروس والعبر : –
(١) أن حسن إختيار المنهج والوسيلة هي أحد أركان نجاح التجربة التربوية والتي تتناسب وحالة النشأ الجديد .
(٢) طاعة المعلم المؤدب في كل ما أمر به وكل ما نهى عنه سبيل فلاح المتأدب .
(٣) بفلاح المتأدب الأول ينشأ جيل جديد على الصلاح والتقوى وحسن الأدب من خلال توريث ما تعلم إلى زوجه وأبنائه ومنهم إلى أبنائهم ، ثم منهم إلى كل من اختلطوا به وتعاملوا معه سواء كان ذلك التأثير والتأثر عمليا أم نظريا .
(٤) تبدل الحال من الضعف إلى القوة – القوة في كل شيء وليس قوة البدن وحدها – أو العكس ، حيث تنتج عنه الكثير من تبدل وانكشاف الصور الحياتية وثراءها بالكثير من المعاني والقيم والدلالات التربوية والعلمية والمعرفية .. إلخ ..!
(٥) أن حياة الإنسان على الأرض ليست عبثية ، بل خلق لوظيفة أرادها الله تعالى منه ؛ من طاعة وعبادة فضلا عن إعمار الأرض بالخير ومحاربة الشر . حيث يجب أن تكون حياته منظمة مرتبة على جلب النفع لنفسه وبني جنسه والأقربون منه ، ومنع الشر قدر المستطاع عنهم .
(٦) إعلم أن في معصية المؤدب  خسران الهدف وبطلان العمل وضياع البوصلة .
= ثمة قصة ابني آدم ففيها دروس وعبر حيث قتل قابيل أخيه هابيل من أجل أن يظفر بالمرأة الجميلة التي أحبها ، مخالفا بذلك تعليمات المؤدب  الأول – الله – وأباه آدم . معتقدا أن ذلك من حقه لما رفض قربانه ؛ وهو غير صحيح ، طمعا في الحصول على السعادة .
ومع مرور الزمان وكثرة الأحداث وتساقط الأولوليات تناثرت القيم التربوية الإلهية في الفضاء وتشتت شمل القضية ؛ إلا ما كان في فترة قوة من بعث رسول أو إنزال كتاب سماوي أو بعث مصلح يعلم الناس الخير ويؤدبهم إلى المحامد ويمنعهم عن المقابح ، إذ يكون قدرا مقدورا على رأس كل مائة عام مصلح .
وإذا بالناس يبتعدون شيئا فشيئا عن الغاية من الخلق ويلهثون طائعين أو مكرهين إلى الإنشغال بحطام الدنيا دون تفكر في طاعة الله وتنفيذ أوامره وتجنب ما نهى عنه .
ترى الوالد يشغل إهتمامه الأكبر  بجمع المال لتأمين حياة صحية لآبنائه ، حيث يتخلف عن ذلك أن الأبناء يتركون دون تربية .
يتركون إلى الشارع ليربيهم وليغرس فيهم ما تسرب إليه من اعوجاج سلوك وانحراف أخلاق ؛ يموت الوالد ويتزوج الأبناء ويفعلون مثل فعلة أبيهم مقلدينه شبرا بشبر وذراعا بذراع .
على أن تأتي المرحلة التالية عندما يكبر الأبناء من هذا الجيل حيث يلحقوا بالتعليم أو بالمدارس التعليمية ، حتى يتسنى لهم الحصول على وظيفة يقتاتون منها في حياتهم ، إن هم أفلحوا في دراستهم أصلا ، فإن كانت العكس تلك إذن الطآمة الكبرى .
يتصارع في هذا الإتجاه طرفي – المعلم والتلميذ – المنجلة أيهما يمسك بحقه أولا  ” حتى ولو كان الحق مغتصبا ” كعدم الإخلاص والصدق ، والضغط على أولياء الأمور ليدفعهم إلى الدروس الخصوصية ، أما من جانب التلميذ فإنه يرتب نفسه على عدم المذاكرة والغش . لأن المنظومة التعليمية ..كيت ..و كيت ..!
كان ذلك على الجانب السلبي .
أما على الجانب الإيجابي فإن المعلم يريد أن يعلم التلاميذ ويكسبهم خبراته العلمية والمعرفية  ومن جانب آخر فالتلاميذ لا ينتبهون لذلك و لا يفقهون لما في نفس المعلم المخلص المربي المؤدب من هموم وقضايا تسكن فؤاده ، و لا تكاد تفارق خياله حتى في منامه .
يجهد المعلم نفسه كي يخرج جيلا من المتعلمين الصالحين المتقينين لفنون العلوم  التي يحتاجها المجتمع .
لكن في وسط ذلك يتخلف البعض عن الانقياد للمعلم والطاعة له ، تنكشف تلك السلوكيات المعوجة والإنحرافات الخلقية الذميمة في تطاول المتعلم على معلمه بالسب أو السخرية أو الإعتداء المادي .
ثم نتسأل بعد ذلك كله ..؟! من المسؤل عن تردي هذا الوضع في المجتمع ومجتمع المعلم والمتعلم ..؟
ولماذا دولنا متخلفة عن الحضارة والتقدم العلمي والتقني ..؟
ولماذا يوجد الظلم والقهر والإضطهاد في عالمنا العربي ..؟
ولماذا ..   ولماذا ؟ نعم توجد عوامل كثيرة ومتشعبة عبر حقب تاريخية مديدة تخلالها الإستعمار الأجنبي ومرورا بزمننا هذا . ساعدت تلك العوامل في استنبات بذورها قديما ، ثم لاحقا أدت إلى تفاقم المشكلة لكي يصل المجتمع العربي إلى ما وصل إليه المجتمع في الغرب . من تفكك الأسرة ، وتحلل الأخلاق …وما شبه ذلك .
فقد يقول قائل ربما الإعلام هو السبب ، ولما لا  فقد فعل كيت وكيت ..؟ ويقول ثان ربما السياسة فقد فعلت كذا وكذا ؟ ويقول ثالث ربما الإقتصاد هو السبب فقد فعل كذا وكذا ..! ولما لا .. ؟ ويقول رابع ربما كيت وكيت ..! ولما لا ..؟ إعلم أن ما نراه اليوم ليس وليد الصدفة ولا وليد موقف فردي أو حالة متعلم فقد القدوة والمربي – الأب – الأول له .
نعم بل لقد اتسع الرقع وأصبحت المسألة ظاهرة إجتماعية تخفت حينا ، وتجلو حينا أخر بحسب المؤثرات والعوامل .
على أن في قصة موسى عليه السلام عبرة ودرس حينما اغتر بعلمه وادعى أنه أعلم الناس في زمانه لما سئل من قبل رجل . أراد الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم ، وما لم يكن يتنبه إليه ، ولك أن ترجع إلى القصة بكاملها في كتب التفسير المعتبرة .
أمره الله تعالى أن يسلك طريقا في البحر إلى رجل صالح ..! هذا الرجل كان بمثابة المؤدب المعلم ، لمن ..؟ أ لنبي مرسل من أنبيائه ..!؟ نعم هو كذلك . من قبل من ..!؟ رجل صالح يقال له الخضر – ويقال أنه نبي أو رسول – ثمة معاني ودلالات تحملها فترة مصاحبة موسى للخضر عليهما السلام ، من تعليم وتعلم ومنهج ، واعتراض في أدب عما جهل الحكمة من فعله ، وكذلك رد الخضر عليه . يفقهها من يعييها وتغيب عن من تغيب .
أعلم أن في قصة موسى (عليه السلام ) تلك وما ذكرناه عن قصة آدم أوجه اتفاق واختلاف نذكر بعضنا منها عل القارئ يستفيد منها أو يعلمنا ما عجزنا عن إدراك واستخلاصه .
* الأول ” آدم ” تربى على يدي الله وعينيه حيث خلقه سبحانه فأحسن صورته .
* الثاني ” موسى ” تربى على عين الله من خلال الوحي والإلهام وكذلك ما كان من مصاحبة الخضر له .
موسى نبي وعبد صالح وآدم نبي وعبد صالح .
آدم أول البشر وأبوهم وهو الذي صار فيما بعد همزة الوصل بين الله تعالى وأبنائه وكذلك المتعلم والمعلم الأول من البشر لبني البشر .
موسى عليه السلام ابن من ابنائه يتربى في بيت عدوه ” فرعون ” بعدما أنجاه الله تعالى من الغرق في اليم إذ كان طفلا رضيعا ، حيث رآده الله إلى أمه ترضعه كي تقر عينها ولا تحزن .
على أن يتربى ويعلم بالوحي والإلهام والكتاب السماوي ، ليعلم قومه وأمته ويرشدهم إلى طريق الحق والهداية وإعمار الأرض بالخيرات والعمل الصالح .
آدم عصى ربه في أن أكل من الشجرة المنهي عن الأكل منها ، وهو بذلك قد استن سنة لنفسه ولمن جاء بعده من البشر حين يعصى يتوب إلى الله تعالى ويستغفر لذنبه .
موسى تعجل لقاء  ربه لما ترك قومه خلفه يلحقوا به على مهل ومعهم أخاه هارون نبيا ، وذهب إلى لقاء الله ، لينزل عليه الله التوراة التي في نسختها هدى ونور ، وكذلك  لما خاف من عصيان قومه له .
حيث قال تعالى ( و ما اعجلك عن قومك يا موسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى )
ولما رجع موسى إلى قومه وجدهم يعبدون العجل إلها مع الله ، ألقى الألواح التي فيها التوراة وفي نسختها هدى ونور . فرفعت عقابا على ذلك بعض آيات التوراة.
آدم عليه السلام كانت ذريته أو قومه قليلون طائعون إلا ما كان من قتل قابيل هابيل .
موسى عليه السلام كان قومه كثيرون – حيث تقدر الأمة في ذلك الزمان بألف أو ألفين أو قليلا من ذلك – العدد عنيدون متمردون دائما يصعب انقيادهم ، ينفذون الأمر بصعوبة بالغة وبعد مجادلة وبرهان – نفعل كذا لكن بعد أن تأتينا بكذا – وطلبات من الله كإنزال المائدة من السماء … إلخ .
هذا ولننظر في حالنا ولنتدبر أحوالنا ولنحاول جاهدين إصلاح ما أفسدناه بأنفسنا أو أفسده علينا غيرنا إما بتقصيرنا أو جهلنا .
و لا يفوتنا أن نتكلم عن بعض المقتطفات من سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) .
على أن هذه الأية الكريمة تؤم الكلام اللاحق بها ، ولا نريد أن نخوض في تفسيرها أو ما شبه فليس هذا موضوعنا ، ولسنا أهلا له .
تربى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، يتيما الأب في البداية ، ثم لحقت بأبيه أمه ، فصارت كفالة تربيته في كنف جده عبد المطلب زعيم قبيلة قريش  ؛ أحسن الجد التربية وقام على وجهها أحسن قيام ، وكان يوصي أعمامه به خاصة الثلاثة الذين من أم أبيه وجده ، كان عمه أبو طالب أقرب إلى الحبيب عليه الصلاة والسلام ، محبة وتربية  وتعليمه التجارة .
 واصل النبي السير في مهنته – التجارة – قبل البعثة ، حيث حسنت سيرته وسطع نجمه حتى اشتهر بالصدق والأمانة والبركة في المال الذي كان يتاجر للناس فيه ، و كفاية الخبرة في التجارة .
كان من بين الذين يتاجر لهم في أموالهم السيدة خديجة رضى الله عنها ، وإذ أعجبت بشخصه الكريم وخبرته في التجارة وحسن سيرته وطيب منبته ونسبه ، أرسلت إليه تطلب الزواج منه .
خطبها إليه عماه أبو طالب وجعفر ، تزوجا فكانت خير سند لأحسن زوج عرفته البشرية .
ويتقدم العمر بالنبي ويبلغ أربعين عاما ، فيأتيه الوحي الأمين في الغار ليبلغه رسالة ربه ، ليؤدبه ويعلمه حتى يؤدب أمته ويعلمها نور الحق وطريق الهداية .
يفزع النبي  عليه الصلاة والسلام إلى زوجته خديجة يرتعد من هول ما رأى وأحس  ، قائلا : زملوني   زملوني ، وفي رواية أخرى دثروني   دثروني ، حتى نزل عليه سورتان مطلعهما ( يا أيها المزمل …) ، و ( يا ايها المدثر ….) .
نزل في باديء الأمر ( إقرأ .. إقرأ .. ما أنا بقاريء .. ما أنا بقاريء .. إقرأ باسم ربك الذي خلق …) .
والقراءة لا تكون إلا لشيء محفوظ في الصدر ، أو مكتوب في صحيفة ، وكذلك لابد وان القارىء المرتل يكون متعلما فاهما المقروء تلاوة ومتمكنا من الكتابة . أما وقد تخطى الأمر الأسباب والمسببات والعلاقة بينهما ، فذلك من قوة الدليل وأحقية قيامه على أن النبي أمي صدقا وعدلا ، وأن الذي ارسله إلى الناس كآفة هو الله العليم الخبير ذو القوة المتين ، لقادر على مخالفة الأسباب لمسبباتها وتحقيق الفعل دونها . و بذلك تكون المعجزة والإعجاز العلمي .
وإذ هو أول ما نزل من القرآن ، يعني هذا أن أول تكليف من السماء للإنسان هو ” تعلم” أو التعلم لكل امر نافع صالح ، إذ أن معنى إقرأ : رتل أو اتل : أي تعلم او إعلم إذا كنت من غير المتعلمين .
وتكون القراءة التي في مضمونها يكمن  معنيان حسب  ظني .. التربية بمعنى التأدب إلى المحامد  والإمتناع عن المقابح ، و التعلم اي أعلم .. تعلم .. علم غيرك ، ليدرك الجميع رحمة الله تعالى ، ويعم الخير الأرض ، ولتصعد الملائكة بذكره إلى السماء ، فيباهي الإله الملائكة بحسن عمل ابن آدم .
قال الرسول عليه الصلاة والسلام : ( مروا أولاكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع …) .
منذ سنوات بعيدة أخذت المؤسسة التعليمية في فنلندا هذا الحديث ودرسته احسن دراسة ، وأتم دراسة ، وقررت أنه لا عقاب للتلاميذ من سبع سنين إلى عشر سنين ، ثم من عشر سنين يكون العقاب لا يتعدى التوبيخ والتأنيب وأن يجلس المعلم مع التلميذ يعلمه ويفهمه حتى يستطيع أن يذاكر وحده دروسه وينتظم في العملية التعليمية مثل زملائه .
وكذلك في تحصيل المعلومة استنبطوا نظرية اسموها التوزيع المتكرر ، بمعنى أنك إذا أردت حفظ جزءا من القرآن فإنك تبدأ بقرأته عدة مرات في جلسة واحدة ، وهذا خطأ أو غير مفيد فالنظرية تقول هذه المرات من التكرار تكون على فترات زمنية متباعدة وبهذا تثبت المعلومة وترسخ في الذهن .
ثمة مسألة وقد انتشرت هذه الدراسة العلمية من فنلندا إلى كآفة العالم المتقدم ، فقط لأنهم أرادوا إصلاحا .
وقد تبعتها دراسات وأبحاث تحاول جاهدة تحسين جودة التعليم وإصلاح المشكل من الأمور في العملية التعليمية ، حيث تتركز أركانها في  : المتعلم ، المعلم ، الكيان ، المنهج ، إذ لا تنتج العملية التعليمية أجيالا صالحة تتسلح بالعلم والعمل به إلا بصلاح هذه الأركان الأربعة .
ولك أن تقارن بين ما نحن فيه ، وما وصل إليه العالم المتقدم من كل شيء .
ولقد حلقنا سويا حول موضوعات وأفكار ومعاني ودلالات محاولة منا في استخلاص العبرة والدرس لنا وللقاريء الكريم .
اعلم أن صلاح العملية التعليمية والتربوية ، لا يتوقف على جهة دون أخرى ، ولا شخص دون أخر ، وإنما هي مسؤلية تقع على عاتق الجميع ، على الأب في أسرته ، على المعلم في مدرسته ، على المتعلم ذاته ، على كل فرد في المجتمع يستطيع أن يقدم شيئا نافعا ، على المجتمع ، على الدولة ، على المؤسسات ، كل بحسبه .
ولقد ضربنا المثل لكل نموذج ، بالمعلم الصالح وعكسه والمتعلم الصالح وعكسه ، والبيئة الصالحة وعكسها ، والقيم السليمة والفاسدة ، والمنهج السليم والفاسد ، والمنتج الصالح والفاسد ، لنقف سويا على حقيقة المسألة فلو استغرق بنا الحديث لخوضنا في أشياء قد تشتت وتلفت عن أصل القضية موضوع النقاش .
وكان من الممكن أن يسير الكلام في سياق جاف مليء بالنظريات والتحليلات من كتب علم النفس التربوي والتعليمي ، وعلم الإجتماع التربوي والتعليمي ، و علم مناهج طرق التدريس التربوية ..  وما إلى ذلك .
لكني أثرت على نفسي أن يكون الحديث من خلال توارد الأفكار عن الخواطر فهي أصدق تعبير عما يجيش في نفسي من هموم وقضايا ، مسترشدا بنور الوحي الأمين ، فهو خير معين ، ومنه يقتبس الغادون والرائحون  شعلة تضيء لهم الطريق سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك .
اعلم وأعلم أن التربية علم ودراية .. خبرة .. والمعرفة علم وخبرة والتعليم جهد وعلم وعمل ، ولا يمكن لأحدهم أن ينفصل عن الآخر أبدا .
لكن يمكن أن يكون ثمة ترتيب  وأولوية في التنفيذ كل بحسب الإحتياج والمرحلة .
إذا فالعملية التربوية تسبق العملية التعليمية وكل منهما مترتبط بالأخر ولا يمكن لأحدهما  الانفصال عمليا عن بعضهما ، بل كل منهما يكمل جانب النقص والحاجة عند الأخر ، وبهذا يستقيم الحال ويثبت المقام وترتفع الهمم ، وتسطع شمس الأمم المجاهدة .
وكنت أود أن أورد بعض الأمثلة من القرآن والسنة أكثر تركيزا مما ذكرت ، وبالأخص عن الصحابة الكرام والدروس المستخلصة من بعض الغزوات التي تدخل في نطاق كلامنا . وكذلك حياة النبي عليه الصلاة والسلام . لكن الله المستعان .
وليعلم الناس أن مهنة المعلم في الحضارة المصرية القديمة كانت مهنة مقدسة ، فهي أول خطوة لطريق الكاهن . يجب أن تكون هنالك دراسة وافية لدور المعلم عبر التاريخ البشري ونماذج لعظماء المتعلمين . حتى تتبلور هذه في صورة منهج يدرس على الدوام من الصغر إلى الجامعة . تكون دراسة مقارنة تحليلية نقدية ينضاف إلى تشكل صفحاتها الأركان الأربعة المعلم والمتعلم والكيان والمنهج ، والقيم الدينية إسلامية بالأساس ، ثم عند أهل الكتاب ومللهم ، وكذلك الأديان الوضعية ، لكن التركيز يكون على القيم الإسلامية ، فهي الهدف في تنشأة أجيال على تحمل المسؤلية والقيام بإعادة المجد والعزة للإمة العربية .
ويكفى ما لتلك الأمم من نهوض وتقدم علمي وتقني كفل لها السيطرة على العالم والعالم الإسلامي بالقوة العسكرية والإقتصادية وما إلى ذلك .
لذا يجب أن نسرع الخطى لنقفز على تلك الهوة السحيقة من الزمن بيننا وبينهم . لن تكون لنا كلمة وقوة إلا بقوة العلم والمعرفة والأجيال الراشدة الواعية .

Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر شماخ يكتب : الأكذوبة

غدًا الثلاثاء (30/6/2020م)، هو اليوم الذى وعدونا أن مصر فيه (هتكون فى حتة تانية خالص)، …