أنجولا .. مسلمون بلا حقوق ولا شعائر

“انجولا” هي إحدى دول وسط غرب أفريقيا، تحدها من الشمال والشمال الشرقي زائير، وزامبيا من الجنوب الشرقي، وناميبا من الجنوب، والمحيط الأطلنطي من الغرب، وتبلغ مساحتها 1,246,000 كيلو مترا مربعا، والعاصمة بواندا، واللغة الرسمية هي البرتغالية، إلى جانبها لهجات محلية عديدة، والديانات هي: الوثنية، والمسيحية، والإسلام.

وتتشكل جغرافية أنجولا من سهول ساحلية ترتفع نحو الداخل، حيث تصل إلى الهضبة الأنجولية، وتنبع منها أنهار عديدة تتجه إلى زائير، أو نحو المحيط الأطلنطي، أو إلى الداخل، ويتنوع المناخ، ففي الجنوب والغرب شبه صحراوي، وفي الشمال شبه استوائي (مداري رطب) حار رطب أمطاره من نوفمبر إلى أبريل.

ويتكون السكان من عدد كبير من القبائل الأفريقية (بانتو) منها قبيلة أوفيمبوندو وتمثل 37% من السكان، والباكو نحو 13% والكيمبوندو 25% وعدة قبائل أخرى، ويشكل المسلمون حوالي 1% من جملة السكان.

ويتمثل النشاط البشري في الزراعة وأهم الحاصلات الذرة، والكسافا، وقصب السكر، ونخيل الزيت، والسيسال، وتمثل الزراعة 42% من الدخل، ويستخرج من أنجولا البترول، والماس، والذهب، والنحاس، وبها ثروة حيوانية لا بأس بها من الأبقار والأغنام والماعز، وهنالك بعض الصناعات الخفيفة، مثل المنسوجات وبعض الصناعات الغذائية، ورغم هذه الموارد فالدخول متدنية إلى درجة كبيرة.

في الوقت الذي يسعي فيه الغرب مجدداً إلي تقسيم العالم الإسلامي (جغرافيًا وعرقياً وطائفيا)، ويعاني المسلمون ظروفا اقتصادية وإنسانية صعبة، خرجت علينا من وسط إفريقيا صيحة عجيبة في “انجولا” بحظر الدين الإسلامي بين مواطنيها، وأقدمت الحكومة الأنجولية على هدم 60 مسجدا، ومنعت المسلمين من إقامة شعائرهم، تحت دعوى محاربة التطرف الإسلامي، ولم يتردد رئيس انجولا “سانتوس” أن يعلن نهاية النفوذ الإسلامي في بلاده!

هذا الحدث الرهيب يمثل تحولا خطيرا في تاريخ إفريقيا الإسلامي، وقد يقول البعض إن الإسلام ليس في حاجة إلي 90 ألف مسلم يعيشون في انجولا، بينما ينتشر في ربوع الأرض أكثر من مليار ونصف المليار مسلم!

ولكن هذه الآلاف التي فرضت عليها السلطات في “انجولا”، أن تخرج عن دينها وتمنعها من ممارسة شعائره، تمثل حدثا خطيرا في تاريخ المسلمين يعيد إلي الأذهان طردهم من الأندلس، بعد قرون طويلة.

الغموض يحيط بما يجري للمسلمين في “انجولا”، لكنا أمام واقع يفرض نفسه وهو أن المسلمين الأنجوليين في محنة، وعلى أشقاء العقيدة عربا وعجما أن يمدوهم بيد العون حتى تنقشع.

الاستعمار الأوروبي

في مؤتمر العالم للسلام في ستوكهولم (1951) عندما كان يجمع توقيعات من الحضور للتنديد بالاستعمار البرتغالي لبلده ( أنجولا) – وقد كان دعم السلام في أفريقيا يُعد جريمة خاصة في عهد الاستعمار الأوروبي لأفريقيا-  اعتقل (اوجوستينو ) لمدة ثلاثة أشهر وبعد إطلاق سراحه أسس النادي الأفريقي البحري والبيت البرتغالي لأفريقيا وتعرف على عدد كبير من السياسيين الأفارقة أبرزهم المناضل الغيني المشهور أميلكار كابرال، وفي عام 1956 اتحد الحزب الشيوعي الأنجولي وحزب النضال الموحد ليكونا الحركة الشعبية لتحرير أنجولا وأصبح ( اوجوستينو نيتو) رئيساً لها وتم اعتقاله ونفيه إلى جزيرة ساو توميه وبرينسيب ثم إلى جزيرة الرأس الأخضر ومنها إلى البرتغال.

ثم تم تهريبه ومعه أبناؤه من البرتغال إلى الكونغو – برازفيل بواسطة أعضاء من الحركة الشعبية لتحرير أنجولا والتقى هناك  ( إرنستو شي جيفارا) الذي وعد ( أوجوستينو) بمساعدته وتم إرسال ستة مدربين كوبيين لتدريب قوات الحركة الشعبية لتحرير أنجولا, انضموا لاحقاً للمقاتلين الانجوليين.

ثورة القرنفل

بعد ثورة القرنفل وانسحاب البرتغاليين من أنجولا عام 1974، تم الإعلان عن استقلال أنجولا وأصبح ( اوجوستينو نيتو ) رئيساً للبلاد 1975 وارتبطت ( أنجولا) في عهده بعلاقات وثيقة مع الإتحاد السوفيتي وأغلب الدول الشيوعية فسادت البلاد حرب أهليه بين الحركة الشعبية التي يدعمها الاتحاد السوفيتي وكوبا وبين حركة (يونيتا ) التي تدعمها الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا بدأت عام 1975 وانتهت عام 2002 بعد مقتل جوناس سافيمبي؛ زعيم حركة يونيتا.

ومازال حزب الحركة الشعبية (المنتسب للاشتراكية الدولية) يحكم أنجولا حتى يومنا هذا بقيادة خوسيه إدواردو دوس سانتوس.

لا يُعرف تاريخ وصول الإسلام بدقة لأنجولا؛ ذلك لأنها  ظلت مستعمرة برتغالية طيلة 5 قرون، وعزلتها البرتغال عن العالم الخارجي طيلة هذه المدة، وسيطرت الكنيسة الكاثوليكية على مقاليد الأمور الدينية في أنجولا، فكانت لا تسمح بدخول أي دين مخالف، كما أن البطاقات الشخصية أو العائلية لا تمنح إلا لمن يعتنقون المسيحية، وكان من الصعب وصول الدعاة إلى أنجولا، وأول انفتاح تم في عهد الاستقلال، ويعود تاريخ وصول الإسلام إلى أنجولا إلى 40 سنة، عن طريق جارتها؛ زائير، وذلك أثناء ثورة الأنجوليين ضد البرتغال، حيث لجأ فريق من السكان إلى زائير، وهناك اعتنق البعض الإسلام، وعادوا إلى البلاد بعد استقلالها، وتلقى هؤلاء المسلمون مبادئ الإسلام وبعض التعليم الإسلامي في زائير.

جذورهم إسلامية

وتؤكد المخطوطات المحفوظة في المتاحف البرازيلية أن أكثر المنحدرين من الأفارقة الذين جاء بهم المستعمر البرتغالي كعبيد إلى البرازيل هم من “أنجولا” وأن جذورهم إسلامية، وأنهم كانوا يقرؤون القرآن باللغة العربية.

وقد وصلت أفواج الرقيق إلى البرازيل عام 1538م، ولم تمض 40 سنة حتى نقل إليها 14 ألف مسلم، والسكان لا يزيدون آنذاك على 75 ألفًا، وفي السنوات التالية ازدادت تجارة الرقيق، وأخذ البرتغاليون يزيدون من أعدادهم، إذ جلبوا من أنجولا وحدها نحو 600 ألف مسلم زنجي، وجُلُّ هؤلاء السود جييء بهم من غرب إفريقيا، وقد حُملوا في قعر السفن، بعد أن رُبطوا بالسلاسل الحديدية، ومات منهم مئات، وألقي في البحر من أصيب بمرض أو حاول أن يثور.

لقد اُقتلع هؤلاء بالقوة من محيطهم ليكونوا آلات إنتاج في هذه البلاد، وكان هؤلاء العبيد يتمتعون بتفوق فكري وحضاري على السكان المحليين وعلى البرتغاليين والأوروبيين أنفسهم، وخاصةً الذين وصلوا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد كانوا متقنين للكتابة والقراءة، بينما أسيادهم على عكس ذلك يعيشون في جهل مدقع, لذلك لم يكن من السهل قيادة تلك المجموعات المسلمة أو تطويعها وجعلها مجرد أداة حرث توجهها كيفما تريد.

قاوم المسلمون منذ البداية تجار الرقيق ومعتقليهم على ظهر السفن التي نقلتهم، وبعد وصولهم إلى الأراضي البرازيلية وتوزيعهم على أرجاء البرازيل إلا أن غالبيتهم العظمى كانت موجودة في ولاية باهيا وكانوا يشكلون الجالية الكبرى الثانية في مدينة ريو دي جانيرو.

اعتبروهم عبيدًا

يقول أحد المؤرخين- واسمه فريري: “كان هؤلاء المسلمون السود يشكلون عنصرًا نشيطًا مبدعًا، ويمكن أن نقول إنهم من أنبل من دخل البرازيل خُلقًا، اعتبروهم عبيدًا، لم يكونوا حيوانات جر أو عمال زراعة في بداية دخولهم، إنهم مارسوا دورًا حضاريًا بارزًا، كان الساعد الأيمن في تكوين البلاد الزراعي، بينما كان سكان البلاد من الهنود الحمر يميلون إلى الكسل والراحة”.

 ويضيف: “إنَّ البرازيل مدينة لهم في كل شيء؛ في قصب السكر والقهوة التي جلبوها، والقطن والحبوب حتى الأدوات الزراعية الحديدية، كلها إفريقية، حتى التعدين في البرازيل واستخراج الحديد جاء عن طريق هؤلاء المسلمين الإفريقيين، كانت وسائل التقنية عندهم أكثر تقدمًا من وسائل الهنود ومن وسائل البرتغاليين أنفسهم، ويُذكر أنَّ أسيادهم الأميين الذين جلبوهم لاسترقاقهم كانوا يتخاطبون مع الأوربيين من خلال هؤلاء العبيد المتحضرين، يكتب العبيد المتحضرين، يكتب المسلم رسالة السيد إلى زميله السيد الآخر, ويقرأ له الرسالة عبده المسلم المتعلم، وقد جاء مع هؤلاء العبيد شيوخهم الذين يعظونهم ويرشدونهم ويفقهونهم في الدين، وينزلون معهم الأكواخ ويلقنونهم القرآن الكريم ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحة”.

إن دعم المسلمين في أنجولا يعد فرض عين على حكومات ومنظمات وجمعيات العالم الإسلامي، كونهم أقلية ( 90 ألف نسمة)، يعانون من عدم اعتراف الحكومة الأنجولية بالإسلام دينا في البلاد، وما تبع ذلك من هدم المساجد مما أثار استياء المجتمع الدولي رغم نفي الحكومة الأنجولية ذلك.

وتوجد جمعية إسلامية وحيدة في عاصمة أنجولا وهي غير معترف بها من قبل الحكومة، ولقد تأسست هذه الجمعية في سنة 1398هـ – 1978م، وكانت في منزل عبد الله سلفادور، ثم انتقلت إلى منزل كيويا مالك، وهكذا لا مقر لهذه الجمعية، ولا تريد الحكومة الأنجولية الاعتراف بها.

وتواجه الأقلية المسلمة تحديات أبرزها:

1- عزل المسلمين في أنجولا عن العالم الإسلامي.

2- عدم اعتراف الحكومة بالمسلمين والإسلام دينا في البلاد.

3- عدم وجود مدارس إسلامية ولا كتب إسلامية باللغتين الفرنسية أو البرتغالية.

4- عدم اعتراف الحكومة بالجمعية الإسلامية في البلاد.

5-  الفقر وتدهور المستوى الاقتصادي.

ويمكن للدول العربية والإسلامية دعم المسلمين في أنجولا، بإرسال دعاة يتحدثون البرتغالية أو الفرنسية، وابتعاث مبعوثين من أنجولا لدراسة العلوم الإسلامية في الجامعات الإسلامية، وبناء المساجد والمدارس الإسلامية.

كما يمكن لدول الخليج العربي دعم الصندوق الأنجولي، والذي يعرف اختصارا بـ(FSDEA)، في مقابل إعطاء المسلمين الأنجوليين حقوقهم في أداء شعائرهم الدينية وإقامة دور العبادة، وتذكير المسئولين الأنجوليين أن شعار أنجولا هو (Virtus Unita Fortior) وهي جملة لاتينية تعني (الفضيلة أقوى عندما تتحد).

لا يحفظون غير الفاتحة

في أنجولا ينعدم وجود المساجد الجامعة، وكل ما هنالك عبارة عن مساجد متواضعة أقيمت بجهود فردية، وبعضها لا سقف له، وقد تقام الصلاة في بيوت بعض المسلمين، وكذلك لا وجود للمدارس الإسلامية، وحتى “الخلاوي” أو كتاتيب تعليم القرآن الكريم منعدمة، وتعليم القرآن الكريم لا يمارس إلا بصورة فردية، ولا يحفظ معظم المسلمين من القرآن الكريم غير الفاتحة، وقد يحفظ البعض القليل من السور القصيرة.

وغاية ما يتطلع إليه مسلمو انجولا, بذل المساعي من جانب الدول الإسلامية التي لها علاقة بحكومة أنجولا للاعتراف بالمسلمين، والهيئة الإسلامية الوحيدة في أنجولا هي الجمعية الإسلامية الأنجولية, وإرسال دعاة يجيدون اللغتين الفرنسية أو البرتغالية, وبناء بعض المساجد والمدارس الإسلامية, وإرسال بعض المبعوثين لدراسة العلوم الإسلامية في الجامعات الإسلامية, وتوفير    الكتب الإسلامية باللغتين الفرنسية أو البرتغالية, مع  ربط النشاط الإسلامي في أنجولا بالنشاط الإسلامي في زائير وزامبيا جارَتي أنجولا.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …