أنس حسام .. طفل اعتقله العسكر يعيد بطولة أمير الانتقام!

قد تكون الحقيقة أغرب من الخيال، وقد يفوق طعم الظلم مرارة الحنظل، ولربما لم يخطر في بال الكاتب “ألكسندر دوماس”، وهو يخط بقلمه روايته الشهيرة “الكونت دي مونت كريستو”، أن السينما المصرية ستنقل الظلم الذي يعج بين صفحاتها إلى فيلم بعنوان “أمير الإنتقام” يحكي عن حسن الهلالي؛ سجين معتقل المغول، ومن السينما المصرية إلى سينما العسكر ودموية الانقلاب، وتحول معتقل المغول إلى عشرات السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة، ومعها تحول “الهلالي” إلى آلاف المعتقلين، نحو 4000 منهم أطفال لا يمتلكون بطاقات هوية!

وما اشبه الليلة بالبارحة فهناك شعب مظلوم يئن من القمع وكبت الحريات، وقائد انقلاب يكتم وزيره “بدران” أنفاس شعب، كل جريمته أنه أراد الخبز معجوناً بماء الحرية وطحين الكرامة، وكأن الفيلم يتحدث عن وضعنا الآن، هناك سجن المغول في الفيلم وهناك عشرات السجون، مثل طرة وأبو زعبل والقناطر ووادي النطرون.

أنس .. الهلالي!

المفارقة أن حسن الهلالي هذه المرة طفل مصري مضت أكثر من سنة على اختطافه، ويدعى أنس حسام الدين بدوي (12 عاماً)، من مدينة العريش، بمحافظة شمال سيناء، تمكن ذووه أخيراً من لقائه بقسم التحريات داخل سجن العازولي العسكري، غير القانوني، بمعسكر الجلاء بمحافظة الإسماعيلية، شرقي مصر، وما زالت تُهمته حتى اليوم غير معلومة.

فوجئ الطفل بنقله من مقر احتجازه، غير القانوني، لنيابة أمن الدولة العُليا بالتجمع الخامس، بمحافظة القاهرة، دون أن يعرف هو أو ذووه ما الجُرم الذي ارتكبه، ليتم نقله مرة أخرى بعد تجديد حبسه، لمقر قسم أول شرطة الإسماعيلية، وجدد عرضه على ذات النيابة في 29 من الشهر الماضي.

ونقل “المرصد السيناوي”، عن أسرة الطفل، أنهم يقومون بزيارته بمقر احتجازه الحالي بقسم أول الإسماعيلية لمدة لا تتجاوز 5 دقائق، يلاقون فيها صنوف الذُل والهوان، حيث التفتيش الممل والإجراءات التعسفية.

قصة “أنس حسام” هي قصة الآلاف من الأطفال المصريين المعتقلين في سجون الانقلاب، والذين يتعرضون لألوان من التعذيب والقهر تفوق الوصف، حيث أصبحت صورهم وهم مقيدون بالأغلال على أسرّة المرض أو أثناء نقلهم للمحاكمات، دليلا على انتهاكات عصابة تسعى لتدمير آدمية الأجيال الجديدة.

اعتقال منهجي!

وقد أوضح الفريق المعني بالاعتقال التعسفي في الأمم المتحدة أن اعتقال الأطفال في مصر منهجي وواسع الانتشار، وأنهم يتعرضون للتعذيب والضرب الممنهج، وأن التهم التي توجه إليهم غير منطقية، كما أن كثيرا منهم يحاكمون أمام محاكم عسكرية رغم أنهم قُصّر وأعمار بعضهم لا تتجاوز 15عاما.

ويشير كثير من التقارير إلى أن عدد الأطفال المعتقلين في مصر، يزيد على أربعة آلاف طفل معظمهم في المراحل الإعدادية والثانوية، وقد أشار كثير من الحقوقيين إلى أن ما يحدث في مصر هو سابقة في التاريخ القضائي، حيث تتعامل معهم النيابات والمحاكم على أنهم بالغون، كما أن التهم التي توجه لهم تفوق تصورهم الطفولي.

المؤسسات الحقوقية الدولية لا تتجاوز حدود التنديد وإصدار التقارير، ولا يحظي الأمر بالاهتمام الكافي من الحكومات الغربية التي تتشدق بحقوق الطفل، فيما توجه الدعم الكامل للنظام الاستبدادي في مصر، وقد نشرت صحيفة «تلجراف» البريطانية تقريرا قالت فيه إن :”السجون المصرية مليئة بالفتيات والأطفال الصغار الذين يتعرضون للانتهاكات البشعة، ويحشرون في زنازين ضيقة، ويجبرون على تناول طعام مليء بالصراصير، ويتعرضون لانتهاكات وتحرشات يومية، هذا بعض ما يحدث للأطفال في سجون مصر”.

تعسفي وواسع الانتشار

أصدر الفريق المعني بالاعتقال التعسفي بالأمم المتحدة قراره رقم17/2015 والخاص بالاعتقالات التي تقوم بها السلطات الأمنية المصرية بحق الأطفال والذي أشار فيه إلى أن الاعتقال التعسفي للأطفال في مصر أصبح منهجي وواسع الانتشار.

وخلص القرار إلى أنه بعد اطلاعه على قضية هذا القاصر وقضايا أخرى مماثلة, والنظر في ردود الحكومة المصرية على هذه القضايا أن فإن طالاعتقال التعسفي لأشخاص قاصرين ممارسة نظامية واسعة الانتشار”, وطالب السلطات المصرية “بالإفراج عنه وتعويضه بما يتناسب وحجم الضرر الذي لحقه”.

القرار يعتبر الأول من نوعه الذي يصدر بخصوص منهجية اعتقال الأطفال في مصر منذ أحداث 30 يونيو 2013 وحتى الآن, وقد سبقه تبني المقرر الخاص المعني بالتعذيب في تقريره المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة الإشارة إلى واقعة اغتصاب عدد من الأطفال بداخل مقر اعتقالهم بسجن الأطفال بكوم الدكة بالإسكندرية.

ويقدر عدد الأطفال الذين تم اعتقالهم منذ أحداث 30 يونيو 2013 وحتى نهاية مايو 2015 بأكثر من 3200 طفل تحت سن 18 عاما مازال أكثر من 800 منهم معتقلاً, جلهم تعرضوا للتعذيب والضرب المبرح بداخل مراكز الاحتجاز المختلفة.

كما أن أماكن احتجاز الأطفال في مصر مخالفة للمعايير الدولية بل معايير احتجاز الأطفال في القانون المصري ذاته. ووزارة الداخلية في حكومة الانقلاب هي المسئولة عن أماكن احتجاز الأطفال بالمخالفة لقانون الطفل الذي يجعل وزارة التضامن الاجتماعي المسئولة عن تسيير وإدارة والتعامل مع الأطفال المحتجزين في أماكن الاحتجاز.

معسكر الأمن المركزي ببنها الذي يتم التعامل معه باعتباره مكانا لاحتجاز واعتقال الأطفال, قُدر عدد الأطفال المحتجزين فيه بأكثر من 300 طفل يتم منع الزيارة عنهم, ومعاملتهم معاملة سيئة تصل للتعذيب البدني والعنف الجنسي.

وقد خالفت النيابة العامة قانون الطفل مخالفة صارخة وعملت على شرعنة اعتقال أطفال بحبسهم احتياطيا على ذمة التحقيقات في تهم مختلفة كان أخرهم الطفل عبادة جمعة 16 عاما والذي اتهمته وزارة الداخلية في بيان لها بأنه يقوم بتصنيع المتفجرات.

أخيرا فقد انتصر حسن الهلالي في فيلم “أمير الانتقام” بإصراره على نيل حريته، وخلص شعبه من بدران المستبد، فهل سنشهد يوما ينتصر فيه “أنس حسام” ومعه “عبادة جمعة” بالإضافة إلى نحو 4000 طفل معتقل، ويستردون حرياتنا وحريتهم، ويتخلص الوطن فيه من استبداد “بدران” وقائد الانقلاب وحاشيتهما؟!

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …