إحسان الفقيه تكتب: الوقيعة بين تركيا والإخوان.. حلم هواة الاصطياد في الماء العكر

“على المُستبدّ أن يتروّى في رأيه، فكل رأيٍ لم تتمخض به الفكرة ليلة، فهو مولود لغير تمام” .. هكذا أطلقها شهاب الدين النويري في نهاية الإرب، ويؤكد عليها الشاعر بقوله:

      إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا رويّة     فإن فساد الرأي أن تتعجلا

لكنّ أناسا لا يكتفون بالعجلة في إبداء الرأي، وإنما يتلقفون كل شاردة خرجت من وعي فارغ، ثم يوظفونها لخدمة مآربهم وأهدافهم السياسية.

تداول مغرضون على مواقع التواصل تصريحات لعناصر وقيادات في الصف الثوري المناهض للانقلاب في مصر، تتضمن تحاملا على تركيا وقيادتها، فقام هواة الاصطياد في الماء العكر على أساسها بالترويج بأن الإخوان المسلمين يضربون في تركيا وينالون منها.

التصريحات تمحورت حول قضيتين:

الأولى: قضية اللاجئين السوريين، وفيها زعم أصحاب التصريحات أن تركيا تتحدث عن السوريين بمبدأ البروباجندا (الدعاية السياسية)، وتقوم بتوظيف قضية اللاجئين من أجل الضغط على الاتحاد الأوروبي.

الثانية: سلخ الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) عن جذوره الإسلامية والقول بأنه رضي اللعب في الساحة الديموقراطية بالضوابط العلمانية، ومن ثمّ فإن التعويل على حكومة تركيا بأنها تحمل مشروعا إسلاميا هو هرولة وراء السراب.

ولست هنا بصدد الرد على هاتين الشبهتين، لكنني في هذا المقام أتناول محاولة استغلال تلك التصريحات التي تخصّ أصحابها، لدقّ (إسفين) بين جماعة الإخوان المسلمين والحكومة التركية التي تستضيف على أراضيها عددا كبيرا من الطامحين إلى مُناخ الحريات بعد فرارهم من بطش النظام الانقلابي، وفي سياق هذا الاستغلال الوقح، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات سمجة على غرار: (الإخوان ينقلبون على تركيا ويفضحون أردوغان).

ابتداءً، هناك مُسلّمتان تبرزان في الواقع بكل وضوح أحب أن أسوقهما في هذا المقام:

أولا: ليس كل معارض للانقلاب هو بالضرورة أن يكون من جماعة الإخوان المسلمين، فالصفّ الثوري يتضمن مشارب واتجاهات متعددة، إسلامي، ليبرالي، اشتراكي، قبطي…

وبناء على ذلك، لا يلزم أن يكون كل معارض للانقلاب سواء انتقد تركيا او مدحها، هو بالضرورة من جماعة الإخوان المسلمين.

ثانيا: كل تصريح غير متواتر عن قيادات الإخوان أو حتى غير وارد على لسان عدد كبير منهم، ولم يخرج في تصريحات رسمية للجماعة فلا يُعول عليه ولا يُلتفت له، فإنما يُعبّر عن حالة فردية ووجهة نظر خاصة تلزم صاحبها، ولا ينبغي تحميلها على الجماعة.

وهنا أوجه سؤالي لمُروّجي هذه الأكاذيب الذين ضاقوا ذرعا باحتضان أنقرة لمعارضي الانقلاب عامة وعناصر الإخوان خاصة: لمصلحة من ينقلب الإخوان على أردوغان؟

لمصلحة الأنظمة العربية التي لا تقبل بالإخوان أو تلاحقهم، وفي أفضل الحالات تعزف عن مطاردتهم؟

أم تقولون إن الإخوان أصبحوا عملاء للأمريكان أو الروس أو إيران، أو غيرهم، ويريدون النيل من تركيا لصالح هذه الدول؟ اللهم لا يقول ذلك إلا من ملأ الإفك والبهتان عقله وفكره، فهذه تهمة لا يجرؤ أعداء الأمة على الإتيان بها.

وهل يعقل أن ينقلب الإخوان على تركيا التي أكرمتهم واستضافتهم وآوتهم؟ هل من المنطق أن يفعل الإخوان ذلك مع ملاذهم الآمن؟!

ولنفرض أن حزب العدالة والتنمية حزب لا يحمل الفكرة الإسلامية، أليس النظام التركي نظاما ديموقراطيا؟ ألا يكفي ذلك المناخ في أن يحترم الإخوان دولةً هذا نظامها؟

لكنهم ذاتهم الذين يحاولون الوقيعة بين الإخوان وبين السعودية، يقومون بالدور نفسه لضرب العلاقات بين الإخوان وتركيا، للتأليب على الجماعة التي تقود التيار الثوري من تركيا وغير تركيا.

هذه التصريحات خرجت من شخصيات دأبت منذ عامين على انتقاد الإخوان والسخرية منهم، فمن الخطأ أن يتم تحميل تلك التصريحات الطاولة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين التي تحترم وتُقدّر تركيا حكومة وشعبا.

وقد دفعني الحدث لأن أتواصل مع الدكتور محمد جمال حشمت القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين، وبسؤاله حول تلك التصريحات أجاب:

(لا صحة مطلقا لموقف مُعادٍ لتركيا من الإخوان المسلمين وكل من ذكرتِهم المعروف منهم وغير المعروف، لا يُحسبون على الإخوان)، وأضاف: (دعمُنا لتركيا بلا حدود، حتى الدعوات بظاهر الغيب لتركيا لا تنقطع، ولا علاقة لنا بما يتطوع به البعض، حتى لو كان من آحاد الإخوان، وليس كل من يدافع عن الإخوان أو الثورة أو الرئيس مرسي يلزم أن يكون من الإخوان).

لقد تغافل هؤلاء عن دموع أردوغان على أسماء البلتاجي على شاشات الفضائيات، لكونها إنسان قتل غدرا، إضافة لِكون والدها المكلوم من مُناضلي جماعة الإخوان التي ترفع راية الإسلام، ورفضوا الركوع للطغاة.

تغافل هؤلاء عن تصريحات أردوغان بأن الرئيس المصري (الإخواني) محمد مرسي هو الرئيس الشرعي، ولن يقبل بالتعامل مع من اغتصب منه السلطة.

تغافل هؤلاء عن فرحة الإخوان العارمة لنجاح أردوغان، والحملات التي دشّنوها لدعمه، ما حدا بالرئيس التركي إلى القول بأنه وفريقه نجحوا بفضل دعوات الإخوان واللاجئين أيضا وكل من احتضنتهم الدولة التركية على أراضيها.

محاولة ضرب العلاقات بين تركيا والإخوان تثير الضحك أكثر مما تثير الاستياء، ولولا احتمالية انخداع البعض بها لما تناولتُ الموضوع من أساسه، لكنني فعلت، وسأفعل، طالما بقي هنالك من يهوى الاصطياد في الماء العكر.

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …