إسترون ستيفنسون: أول 500 يوم من ولاية حيدر العبادي

حدود العراق متجاورة تقريبا مع الحدود التاريخية لبلاد ما بين النهرين – الأرض العريقة بين النهرين، دجلة والفرات، وغالبا ما يشار إليها باسم “مهد الحضارة”.  واليوم، أصبح العراق مقبرة للحضارة. بعد أكثر من خمسمائة يوم من تولي حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي منصبه، فهو الآن يرأس خرابا محترقا لبلد كان مزدهرا في يوم من الأيام. العبادي مسلم شيعي وعضو في ائتلاف دولة القانون، استلم السلطة بعد نوري المالكي الطائفي المنبوذ. وكان المالكي الفاسد المرتشي قد أطلق العنان للميليشيات الشيعية التي تقودها إيران، باعتبارها وسيلة لفرض القسوة و”القبضة الحديدية” في تكريس سياسة الإبادة الجماعية من خلال القصف العشوائي والاعتقالات التعسفية والتعذيب والإعدام الجماعي للمدنيين الأبرياء السنة. الانقسامات الطائفية التي أثارها المالكي فتحت الباب لتنظيم داعش، الذي رسخ مكاسبه بسرعة عن طريق الاستيلاء على أكثر من ثلث الأراضي العراقية، بما في ذلك المدن الرئيسية؛ الفلوجة والرمادي وتكريت والموصل ثاني أكبر مدن العراق.

ولكن، على الرغم من التحذيرات المتكررة، وقف الغرب جانبا وسمح للمالكي بالبقاء في منصبه لمدة 8 سنوات كارثية. إنه دمية في يد النظام الإيراني الفاشي، وقد نفذ أوامره بفتح طريق مباشر للقوات الإيرانية ومعدات ايرانية تتجه إلى سوريا لدعم نظام بشار الأسد الدموي. أصبح غاصبا محترفا، ليسرق الثروات النفطية للشعب العراقي بشكل منظم وممنهج. وقالت مفوضية النزاهة في البرلمان العراقي العام الماضي إن المالكي ابتلع مبلغا مذهلا؛ 500 مليار دولار خلال ولايته بين عامي 2006 و 2014. وجاء في تقرير هيئة النزاهة أن ما يقرب من نصف عائدات الحكومة العراقية تم سرقتها خلال هذه السنوات الثمان من قبل المالكي. إنه لفساد بأبعاد ضخمة. ويعتبر العراق الآن البلد الأكثر فسادا في العالم العربي، وفقا لمنظمة الشفافية الدولية.

اذن لماذا لم يصدر رئيس الوزراء حيدر العبادي بعد أكثر من 500 يوم في منصبه، أمرا بالقاء القبض على المالكي الذي لا يزال يمسك قوة هائلة ونفوذا في العراق؟. لقد أقال المالكي من منصب نائب الرئيس في أغسطس من العام الماضي كجزء من حزمة الإصلاح على نطاق أوسع, ولكن لماذا لم يتهمه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والفساد والرشوة؟ على العكس من ذلك، إنه لا يزال يمول جيشا خاصا لشن هجمات قاتلة على المدنيين السنة العزل. وهذه فضيحة وجريمة ضد أي محاولة للإصلاح وعلامة ضعف لحيدر العبادي.

ليس هذا هو المجال الوحيد الذي تغيب فيه قيادة العبادي. بل لا يزال هناك الآلاف من الناس يذبُلُون في سجون العراق السرية، بما فيهم عدة مئات من النساء. فمعظم السجناء من السنة وتم القبض عليهم بتهم ملفقة للإرهاب. ومَثُلَ عددٌ بشكل متسرع أمام القضاء. المحاكم المسيسة بامتياز في العراق، التي أنشأها المالكي لتحقيق أهدافه الطائفية، لا تزال لم يتم إصلاحها من قبل العبادي. انتزاع الاعترافات تحت التعذيب شائعٌ, والعراق ينفذ الإعدام الآن أكثر من أي بلد آخر في العالم باستثناء الصين وإيران.

الجيش العراقي الذي دمره الفساد في ظل حكومة المالكي، أثبت أنه غير كفء وأصبح دون جدوى في مواجهة هجمات داعش. عندما تقدمت قوة صغيرة نسبيا من داعش نحو الموصل، وهي مدينة بمليونين ونصف مليون نسمة تحميها حامية كبيرة للجيش العراقي، اصيب القائد العام العراقي بالذعر, وهرب الجيش ببساطة، وتخلى عن ترسانة ضخمة من الاسلحة الأمريكية الحديثة. داعش لا يزال يسيطر على المدينة. وكان العبادي مضطرا في هذا الوقت إلى الاعتماد على الضربات الجوية الأمريكية والمليشيات الشيعية المدعومة من إيران لاستعادة أجزاء من محافظات ديالى وصلاح الدين والانبار، حيث كانت ذات أيام بتجمعات سكانية كبيرة ثم تحولت إلى ركام في هذه العملية، وأهاليها السنة قتلوا أو شردوا إلى حد كبير. في الواقع ايران تستخدم الحرب ضد الإرهاب وحرب مريحة ضد داعش ذريعة لتعزيز مكانتها في العراق وتعزيز سيطرتها على العبادي. إيران تقف متحمسة وراء التطهير العرقي للسكان السنة وتدمير المساجد والمؤسسات السنية في العراق، وتدفع المزيد من السنة إلى دعم داعش باعتباره الخيار الأقل سوءًا.

إن عمليات القتل الجماعي التي طالت السنة في المقدادية في ديالى في الأسابيع الأخيرة من قبل الميليشيات المدعومة من إيران، وفي ظل صمت أمريكا وخمول حكومة العبادي في فرض الرقابة، كل ذلك خدم داعش بشكل كبير.

وكان أمام العبادي فرصة واضحة لعرض المبادئ الإنسانية, وأن يُظهر للعالم أنه يمكن أن يعمل خارج سيطرة طهران. وكان بإمكانه أن يوفر الحماية الكاملة لـ2300 لاجئ إيراني يعيشون ظروف السجن في مخيم ليبرتي قرب بغداد. كان يمكن أن يتعاون مع الجهود الغربية لنقلهم جوا إلى دول آمنة, لكنه بدلا من ذلك، وبسبب رغبة طهران في إبادة هؤلاء المدنيين العزل الذين تعتبرهم القوة الرئيسية للمعارضة لنظامها الفاشي، لم يعارض العبادي مواصلة سجن واضطهاد هؤلاء اللاجئين ولم يمنع الهجمات الصاروخية المتكررة التي أطلقت من موقع محصن أمنيا وعسكريا داخل العراق وتسببت في قتل مروع وإصابة سكان المخيم.

بعد 500 يوم، ظهرت حكومة العبادي حكومة مثلومة وناقصة. إنه يحتاج إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وإشراك جميع السنة وممثليهم الحقيقيين وجميع المجموعات العرقية الأخرى في العراق إلى أجهزة الشرطة والجيش والحكومة. يحتاج إلى تطهير القضاء الفاسد وإصلاح المحاكم. يحتاج إلى إغلاق السجون السرية وإطلاق سراح السجناء السياسيين. يحتاج إلى وضع حد للاستخدام العشوائي للتعذيب وعقوبة الإعدام. يحتاج إلى وضع حد للفساد والبدء في استخدام عائدات النفط العراقي لصالح الشعب. يجب أن يعلن حظر الميليشيات الشيعية ويمنع التدخل الإيراني المتزايد في العراق. يجب وضع حد لاضطهاد مخيم ليبرتي والعمل مع الغرب من أجل تحرير ما تبقى من اللاجئين الإيرانيين.

هذه الخطوات بالتأكيد تحصل على دعم من العراقيين والعالم العربي وأوروبا. ولكن في حالة عدم وجود مثل هذه الإصلاحات الجذرية، سيتم الحكم على ولاية العبادي كرئيس فاشل في حكمه وسيسير العراق نحو مسار سريع ليصبح دولة فاشلة.

 رئيس الجمعية الأوروبية لحرية العراق (ايفا) – عضو البرلمان الاوربي 1999 – 2014 – رئيس لجنة العلاقات مع العراق في البرلمان الاوربي . 2009 – 2014.

Comments

comments

شاهد أيضاً

حذيفة محمد: تسللتُ للتظاهر بين مؤيدي السيسي.. هذه شهادتي للفضائح التي رأيتها هناك

في مدينة نصر، قلب القاهرة النابض، ومسرح الأحداث الجسيمة بالقرب من ميدان رابعة -طيب الله …