إسماعيل تركي يكتب: الفساد وإهدار المال العام في مصر .. وزارة التموين نموذجًا (2)

مرحلة طحن القمح

وهي المرحلة الثانية التى يرتع فيها فساد وزارة التموين, وإهدارها للمال العام, حيث يقوم قرابة مائة وستون مطحنًا بطحن القمح الذي يصنع منه رغيف الخبز المدعوم؛ نصفها يتبع شركات المطاحن التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية, والباقي يتبع مطاحن القطاع الخاص. والمفترض أن يتم اختيارها من خلال “اللجنة العليا للمطاحن” التى لا تنعقد أبدا!, لأنها تتشكل من مجموعة من رؤساء وممثلى بعض الهيئات, والمسميات الوظيفية التي ألغيت بتعديل القوانين و/أو بتغيير الهياكل الوظيفية في وزارة التموين والوزارات المشاركة فيها, مما يعطي للوزير, وبمعونة قطاع الرقابة والتوزيع في الوزارة حق إسناد عملية الطحن لمن يشاء, ومنعها عمن يشاء.

عندما كنا نعمل بوزارة التموين, عُرض طلبٌ على الدكتور باسم عودة, وزير التموين في وزارة د. هشام قنديل, لأحد أصحاب المطاحن, وهو الوحيد في جنوب سيناء وكان الطلب يرفض – من قبل –  لسبب عجيب؛ وهو أن المطحن مصنّع في الصين! وهو سبب استلفت أنظارنا وقد عرفنا من خلاله أن اللجنه لا يمكن أن تنعقد أبدا, وأن أمرالإسناد لمطحن هو بمثابة مصباح علاء الدين أو الفانوس السحري الذي ينقل صاحب المطحن من حال إلى  حال, فيضمن له العمل اليومي وبأرباح – وفقا للقوانين والقرارات الوزارية الفاسدة – لا يمكن لأي مشروع آخر أن يحققها, كما يمنحه إمكانية استلام وتخزين القمح المحلي, وهي حكاية فساد أخرى سنتناولها في حينه.

ولنبين حجم الفساد في مرحلة الطحن هذه يجب أن نعلم أن التكلفة الإجمالية لأفضل المطاحن وأحدثها؛ شاملة الأرض والبناء وكل المستلزمات حوالي أربعين مليون جنيه مصري, وأن الوزارة لاتصدر أمر الإسناد لمطحن إلا بشرط أن يكون الحد الادنى لطاقة الطحن مئة طن في اليوم الواحد, وذلك حتى تُخرج أصحاب المطاحن الصغيرة فلا يشاركوا الحيتان الكبار, ويشمل الفساد بالإضافة لطريقة الإسناد أمورًا أخرى, نذكر أبرزها وهو مقايضة أصحاب المطاحن حصولهم علي الردة والسن الأحمر مقابل تنازلهم عن سعر الطحن, فإذا علمنا أن الدقيق المستخدم لرغيف الخبز المدعوم هو “استخراج 80″؛ أي أن 100 طن من القمح يستخرج منها 80 طن دقيق و20 طن موزعة بين 7طن من الردة الخشنة و6 طن من الردة الناعمة و7طن من السن الأحمر الذي يستخدم في صنع الخبز السن؛ والعشرين طن الأخيرة يحصل عليها صاحب المطحن مقابل الطحن فإذا علمنا أن الوزارة حددت سعر طن الردة بمبلغ 1600 جنيه فذلك يعني أن يحصل صاحب المطحن على 32 ألف جنيه مصري يوميا.

وفي فصل الصيف ومع عدم توافر العلف يرتفع سعر طن الردة إلى 2000 جنيه أو يزيد, ليرتفع دخل صاحب المطحن اليومي إلأى 40 ألف جنيه.  على ذلك فسعر طحين طن القمح يتراوح بين 320 إلى 400 جنيه للطن, رغم أن الوزارة في السابق حددت سعر الطحن بمبلغ 119 جنيها وهو سعر مجزٍ ومعقول لأسعار الطحن, مع الأخذ في الاعتبار ديمومة العمل, وقد قمنا ونحن في الوزارة بعمل دراسة عن تكلفة طحن طن القمح فتوصلنا إلى أن تكلفة الطحن تتراوح ما بين 57 إلى70 جنيها للطن بحسب نوع المطحن وكفاءته, وبذلك يتراوح مقدار الربح بين 50 إلى60 جنيها للطن وهو مبلغ معقول, وقد أكد الواقع العملي تلك الدراسة إذ حصلنا علي عقد طحن موقع بين شركة مطاحن شمال القاهر وأحد مطاحن القطاع الخاص يقوم بالطحن لحساب الشركة  بسعر طحن للطن يبلغ 110 جنيهات, وعلى ذلك فإن الوزارة تهدر مبلغا يتراوح ما بين 200 إلى 280 جنيها في طحن كل طن من القمح مع تحكم أصحاب المطاحن في سوق الردة.  فإذا علمنا أن أقل مقدارٍ يطحن من القمح سنويًا- حسب تصريحات الوزارة المضطربة – هو 10 ملايين طن من القمح فإن مقدار الهدر في تلك المرحلة يتراوح ما بين 2 الي2,8 مليار جنيه سنويا!

وقد يتساءل البعض: لم هذا التدليل لأصحاب المطاحن؟

في الحقيقة إنه ليس تدليلا ولكنه تبادل مصالح, فأصحاب المطاحن هم من يخفي جسم الجريمة ويغير معالمها عندما يطحن القمح الفاسد المحلي منه أو المستورد, فكان لزاما على صانعي القرار والمستفيدين من استيراد القمح أن يكافئوا من يخفي جسم الجريمة ويغير معالمها, ولذلك لم نجد اعتراضا من أصحاب المطاحن على استيراد أقماح من فرنسا تصل فيها نسبة الرطوبة إلى 13,5 % مما يسبب لهم خسارة تبلغ طنا من الدقيق من كل مائة طن وكذلك يقبلون الأقماح من الشون المحلية, الممزوجة بالتراب ولا يعترض منهم أحد, كما أن شراكة بعض كبار المسئولين معهم يوفر لهم الحماية ويعويض أي خسائر, وكان الحل البسيط والناجع لذلك الفساد هو إجراء مسابقة طحين سنوية يشارك فيها جميع مطاحن الجمهورية مقابل أجر, والحصول علي الردة وتسليم جزء منها للفلاح المُوَرِد للقمح, لعلف ماشيته, والباقي يذهب لمصانع الأعلاف ومربي الماشية.

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : السودان فى الوثائق الصهيونية

أهدى الوثيقة التالية للشعب السودانى وقواه الوطنية والثورية الذين أدانوا اجتماع عبد الفتاح البرهان رئيس …