إسماعيل تركي يكتب: الفساد وإهدار المال العام في مصر .. وزارة التموين نموذجًا

يعتبر نظام السيسي أن تنفيذ منظومة الخبز من أهم إنجازاته, بل درة إنجازات وزير تموينه؛ خالد حنفي. ورغم أن الوزير لم يأتِ بجديد غير إعادة منظومة الخبز التى تم تنفيذها في عهد الدكتور محمد مرسي تحت إشراف الوزير د. باسم عوده, وألغاها محمد أبو شادي؛ أول وزير تموين للانقلاب, إلا أن التنفيذ في عهد حنفي شابه الكثير من الأخطاء, لفساده ولأنه يقلد ماسبق, تقليد القرود دون فهم, بل بفساد مقنن, وغير مقنن, ومسكوتٍ عنه في كل الأحوال, يؤدي إلى إهدار المال العام وتخلي الفلاح المصري عن زراعة القمح.

 والعجيب أن الوزير الأخير نسب المنظومة لنفسه وزعم أنها من بنات أفكاره, رغم علم القاصي والداني بكذبه, لكنها منظومة الكذب التى يقوم عليها هذا العهد, والعالمون ببواطن الأمور يعلمون أن تطبيق هذه المنظومة يعد من أسباب انقلاب العسكر لأنها كانت من الإنجازات التى لمسها الشعب وتزيد من شعبية الدكتور مرسي وهو مايرفضه قادة الانقلاب وسدنته والفاسدون والمتربحون من الفساد, وهم من سنكشفهم فى هذه المقالات.

 فقد هدفت هذه المنظومة إلي ترشيد الدعم ووصوله إلى مستحقيه بكرامة وإنسانية ودون إذلال, وغل يد الفاسدين عن نهبه, وبدايةً لاستهداف تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح, وهو ما لايراد لمصر تحقيقه.

وحتي لا نطيل في المقدمات ويبقى الكلام بلا دليل نتناول الآن منظومة الخبز بمراحلها الأربع, مبينين أوجه الفساد ومقدمين الحلول للوصول إلى الوضع الذي يخنق الفساد ويوفر المليارات التي تضيع على الشعب وتُخصم مما يقدم له من دعم تعيره به حكومة الانقلاب وأزلامها.

أول هذه المراحل مرحلة انتاج القمح, أو استيراده من الخارج,

والثانيه عملية التخزين,

والثالثة مرحلة الطحن,

والأخيرة هي مرحلة إنتاج الخبز في المخابز وتوزيعه.

 وسنبدأ بالترتيب العكسى لهذه المنظومة؛ أي بمرحلة إنتاج الخبز لأنها الأوسع فسادا, ولأهميتها للمستهلكين وهم عموم الجماهير, وسنركز فيها على الجوانب الأكثر فسادا وأكبر أثرًا.

تبدأ هذه المرحله بتوريد الدقيق من مطاحن القطاعين الخاص والعام إلى المخابز, ولما كان الدقيق المورد إلى المخابز, قليله جيد, وأغلبه سيئ, كان لزاما رشوة أصحاب المخابز حتى يصمتوا ولا يفضحوا كبار المفسدين.

 ولصعوبة الرشوة وصعوبة توزيعها لأن المخابز المشتركةن في المنظومة يبلغ عددها نحو ثلاثين ألف مخبز؛ كان لابد من تقنين الرشوة وجعلها مجزية حتى يفكر أي صاحب مخبز ألف مره قبل أن يفضح الوزارة والنظام, أو يرفض استلام الدقيق الفاسد, لأنه سيخسر دخله ويمكن حرمانه من حصته في الدقيق. وكان التقنين بطريقة لا يعرفها إلا اصحاب المخابز, والقليل من المتخصصين, والفكرة بسيطة وهي صدور قرار وزارى يغير وزن رغيف الخبز من130جرام إلى90 جرام, وجعل انتاج جوال الدقيق زنة 100 كيلو جرام 1200 رغيف, وبذلك أرضى أصحاب المخابز وضمن صمتهم وأهدر علي الشعب مليارات الجنيهات, ناهيك عن الأمراض التى يسببها الدقيق الفاسد.

 ولنوضح الأمر ولنبين موطن الفساد في القرار, نشير إلى أن القرارات الوزارية المطبقة بشأن إنتاج الخبز تنص على أن نسبة الرطوبة في الدقيق يجب ألا تزيد عن 14% ويجب أن تكون في الخبز في حدود 35% للرغيف بعد إنضاجه. وفي عهد الدكتور مرسي اعترض أصحاب المخابز على الحساب النظري لعدد الأرغفة عندما طبقت المنظومة, وتمت تجارب عملية في أفران القطاع العام والقطاع الخاص, وفى حضور ممثلين للوزارة وأعضاء من شعبة المخابز يمثلون أصحاب المخابز, وخرجت التجارب العملية بنتيجة مؤداها أن إنتاج جوال الدقيق زنة 100 كيلو جرام من 1050إلى1100 رغيف خبز زنة 130جرام مع تسامحٍ في الوزن لا يزيد عن عشرة جرامات في وزن الرغيف.

 وبحسبه بسيطة نجد أن إنتاج جوال الدقيق في المنظومة الجديدة يتراوح بين 1500إلى 1600 رغيف خبز, وهذا معناه أن حوالي 20 إلى 25% من الدقيق المنتج لصالح المنظومة يذهب لجيوب أصحاب المخابز لمنعهم من الاعتراض على سوء حالة الدقيق المستلم من المطاحن وإلزامهم بمطاحن معينة لايستطيعون منه فكاكا, مهما ساء إنتاجها من الدقيق. فإذا علمنا أن كمية الدقيق المنتجة في أقل تقديراتها تبعا للبيانات الكاذبة التي تدعي تقليل الاستهلاك, على غير الحقيقة, هو عشرة ملايين طن من الدقيق فيصبح المسرب والمهدر من الدقيق يتراوح من 2 إلى 2,5 مليون طن من الدقيق سنويا!

 فإذا علمنا أن الوزارة حددت سعر طن الدقيق بـ2500جنيه نجد أن مقدر الهدر السنوي في تلك المرحلة فقط  من  خمسة إلى 6,5 مليار من الجنيهات.

هذا الفساد المقنن الذى يضيّع هذه المليارات من قوت الشعب هو لضمان ولاء أصحاب المخابز وصمتهم على نوعية الدقيق التى لا تصلح للاستهلاك الآدمي, وهذا يبين السبب في صمت أصحاب المخابز على تطبيق المنظومة في العهد الحالى ورفضها فى عهد الدكتور مرسي ومهاجمة وزارة التموين وخروج المظاهرات من بعض أصحاب المخابز تطالب بإقالة الوزير باسم عودة لأن المنظومة أغلقت أبواب الفساد السابقة ولم تفتح له أبوابًا جديدة. وهذا جانب واحد من جوانب الفساد الذي ترعاه السلطة, وفي مرحلة واحدة من منظومة الخبز.

وقد تضمنت هذه المرحلة كذبة أخرى أريد بها تضخيم رقم الدعم الذي يقدم للمواطنين حيث يزعم وزير التموين أن الوزارة تقدم دعمًا للمواطن حوالي 25 قرشا لكل رغيف خبز باعتبار أن تكلفة الرغيف فى حدود 30 قرشا يدفع المواطن منها خمسة قروش, ولكن المتابع للأسعار العالمية للقمح يجد أن سعر طن الدقيق لا يزيد عن 2000جنيه مصري, وذلك بطريقة حساب الوزارة المُبالغ فيها لتكلفة النقل والتخزين والطحن, وعلى مافيها من فساد, سنوضحه عند تناول كل مرحلة من تلك المراحل. وعليه فلا يزيد سعر الرغيف بحال من الأحوال بحسابات الوزارة نفسها عن 25 قرشا. وبالحسابات الصحيحة يصبح مقدار دعم الرغيف 15 قرشا.

وأنا أدعو أي مصري يريد أن يتأكد من فساد الوزارة في هذا الشأن أن يذهب لأي مخبز ويشتري منه رغيف خبز بعد انتهاء فترة عمل المنظومة وسيجده أفضل من الرغيف المدعم, وفي حجمه تقريبا, ويبيعه أصحاب المخابز بـ 25 قرشا فقط, وصاحب المخبز يبيعه بهذا السع وهو يربح فيه فلماذا تبالغ الوزاره في سعر الرغيف؟ هل لتضخيم مقدار الدعم أم لتدخل هذه الفروق في جيوب الوزير وأعوانه؟ 

شاهد أيضاً

عبد الباري عطوان يكتب : ظاهرة حرق القرآن الكريم وحُريّة التعبير.. أُكذوبةٌ كبيرة

“حُريّة التعبير” التي يتم استخدامها على نطاقٍ واسع هذه الأيّام في العالم الغربيّ كذريعةٍ لحَرقِ …