إسماعيل تركي يكتب: الفساد وإهدار المال العام في مصر .. وزارة التموين نموذجًا (3)

مرحلة توريد واستيراد القمح

هذه المرحلة هي اخطر المراحل الخاصة بمنظومة الخبز, وبناءً علي سياسة النظام الحاكم فيها يتبين ما إذا كان النظام مستقلا في قراره الوطني من حيث عمله علي تحقيق التوازن بين القمح المحلي والمستورد والعمل علي الاكتفاء الذاتي أم أنه يرهن قوت الشعب لمصالح القوى الأجنبية, ويحقق منفعة عدد محدود من أصحاب المصالح. وهذه المرحلة لها شقان؛ الأول: توريد القمح المحلي, والثاني: الاستيراد من الخارج, والعلاقة بينهما عكسية؛ فكلما زاد الإنتاج المحلي قل الاستيراد, ولذلك هناك قوى متعددة لاترغب في زيادة الإنتاج المحلي؛ منها المافيا المتحكمة في الاستيراد وقوى الاستكبار العالمي التي تريد ارتهان القرار السياسي المصري عن طريق التحكم في قوى الشعب, وقد عملت الحكومة في عهد الرئيس مرسي على زيادة الانتاج المحلي وتقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك تمهيدا للاكتفاء الذاتي مما عجل بالانقلاب.

 أولا: توريد القمح المحلي

يتم توريد القمح المحلى من الفلاح الى جهات ثلاث رئيسية هي بنك التنمية والائتمان الزراعي, والشركة المصرية القابضة للتخزين والصوامع, والتي انضمت لها في الفترة الأخيرة الشركة العامة للصوامع, وشركات المطاحن التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية, والجهتان الأخيرتان لا تتعاملان مع الفلاح مباشرة, ولكن تعاملهما يتم مع كبار التجار, أما “شون” (مخازن) بنك التنمية والائتمان الزراعي فهي الوحيدة التي تتعامل مع الفلاح مباشرة. وتلعب السياسة الزراعية من حيث تحديد المساحة المزروعة من القمح, مع سعر توريد القمح, الدور الأبرز في تحديد المساحات المنزرعة من القمح, وبناءً عليه إنتاج القمح. ويتجه النظام الآن لشراء القمح من الفلاح بالسعر العالمي مع تخفيض الدعم المقدم للفلاح وقد اتبعت هذه السياسة في عهد مبارك من خلال وزير الزراعة يوسف والي, ومن بعده أمين أباظة, مما وضع مصر على حافة المجاعة, حينما ضربت موجة الجفاف الدول المنتجة للقمح وأصبح مخزون القمح لايكفي أكثر من خمسة عشر يوما, ومع انخفاض سعر القمح العالمي الآن تطل هذه السياسة الخرقاء مرة أخرى, وقد كانت سياستنا في وزارة د. باسم عودة, تعتمد على دعم الفلاح المصري وزيادة المساحة المنزرعة, وكانت خطتنا لمواجهة مشكلات التوريد وغياب البيانات الصحيحة وإغلاق باب توريد القمح المستورد على أنه قمح محلي والتي خسرت بسببه مصر في الموسم الماضي ما يزيد على 2 مليار جنيه, تتمثل في فكرة الزراعة التعاقدية بين بنك التنمية والائتمان الزراعي والفلاح مباشرة, ويقوم البنك بإعطاء سلفة مقدمة للفلاح مع بدء الزراعة ثم تسوية الحساب بعد توريد الفلاح للقمح وبذلك نضمن وصول الدعم للفلاح مباشرة, وعدم توريد القمح المستورد على أنه قمح محلي, كما نستطيع تحديد المساحة المنزرعة ومتوسط انتاج الفدان بصورة حقيقية, كما يمكن تقليص الدعم المقدم من الدولة عن طريق تخصيص مساحات من الأرض لزراعة أنواع من القمح “الديورم”؛ الذي تصنع منه المكرونة, وسعره العالمي يفوق قمح الطحين المستورد, وهو ما يحدث الآن خفية بين أصحاب المطاحن ومصانع المكرونة حيث يتم استبدال القمح المحلي الصلب الذي تصنع منه المكرونة بقمح الطحين المستورد من الخارج ويستفيد أصحاب المطاحن من الفرق ولا تستفيد منه الدولة أو الفلاح شيئا.

ثانيا: استيراد القمح من الخارج

يتم استيراد القمح من الخارج عن طرق مافيا عالمية لها شركائها المحليون, وتقوم بالاستيراد مجموعة محدودة من الشركات تتستر عليها هيئة السلع التموينية. والمتابع لمناقصات هيئة السلع التموينية يلاحظ أنها لا تعلِن أبدا عن الشركات التي تجلب القمح لمصر؛ فهي تعلن عن الكمية وبلد المنشأ لكن لاتعلِن أبدا عن الشركات الموردة للقمح, كما أن طريقة عمل المناقصات تتم بطريقة مريبة لا تعطي للشركات الأخرى المشاركة في المناقصة, فالإعلان يتم في الحادية عشرة مساء بتوقيت مصر, بعد غلق البورصات في ذلك اليوم وتتم المناقصة والترسية في اليوم التالي في الخامسة مساءً بحيث يصعب على أي شركة لا تعرف موعد المناقصة مسبقا الدخول فيها, وهذا يتم بالمخالفة لقانون المزايدات والمناقصات المعمول به في مصر, وقد حضرت جلسة إحد المناقصات وأثرت تلك القضية وجيئ لى بمذكرة مرفوعة من الهيئة لوزير التجارة في عهد مبارك؛ رشيد محمد رشيد, وفيها موافقته على استثناء الهيئة من قانون المناقصات والمزايدات, فلما اعترضت على أنه ليس للوزير سلطة الاستثناء من القانون, رد  مستشار مجلس الدولة وعضو اللجنة بأن قال: ارسلوا لاستفتاء مجلس الدولة في الأمر وستحول إليًّ, لأني رئيس لجنة الفتوى الخاصة بوزارة التموين بمجلس الدولة, وسأفتي بصحة الإجراء!!

كما أن طريقة شراء القمح بنظام “الفوب” وخروج مندوبين عن وزارتي الزراعة والصحة والرقابة علي الصادرات والواردات وسفرهم الى بلد المنشأ على حساب المورد يعطي الفرصة لتوريد أقماح غير مطابقة للمواصفات ويفتح أبواب الفساد علي مصاريعها, ويؤدي إلى استلام أقماح غير مطابقة للمواصفات, وغض الطرف عنها أو التعرض لغرامات التحكيم الدولي مثل ما حدث في شحنة القمح من فرنسا التي زادت فيها نسبة “الارجوت” عن المسموح به, ولما رفضتها الهيئة قاضتها الشركة الموردة لأن شهادات المندوبين أن نسبة الارجوت في الحدود المسموح بها, وتراجعت الهيئة, وتحاول التصالح مع الشركة.  وفي السابق دخلت صفقة بها نسبة من الكادميوم المشع بمقدار 19 ضعف المسموح به وكان ذلك في عهد المجلس العسكري والوزير جودة عبد الخالق الذي أغلق الملف وأكل المصريون القمح, ولما كانت هناك أخطاء إدارية شابت الصفقة استطعنا فتح ملفها ثانية, وتمت إقالة رئيس الإدارة المركزية لاستيراد القمح, ونقل مسئولة قسم القمح من موقعها ومع بدء التحقيق استقال رئيس الإدارة المركزية للقمح, وقامت مسئولة القسم بإجازة, وعملت في اليوم التالي بالشركة الموردة للصفقة, وحول الأمر للنيابة وحدث الانقلاب فماتت القضية.  

شاهد أيضاً

أحمد عبد العزيز يكتب : من واقع تجربتي في رئاسة الجمهورية

إذا كنت في منصب رفيع، “مستشار الرئيس” مثلا.. فالكل دونك عبيد، بالمعنى الحرفي للكلمة؛ الكل …