إسماعيل عبد العزيز حريتي يكتب: تساؤل والتساؤل مشروع

إذا كانت هذه هي بدايات عهد الدولة المدنية التي بُشِرَ بها الشعب الجزائري، (كما ذكرنا في المقال السابق بعنوان: لا لتسييس القضاء) فكيف ستكون النهايات؟

يقول أهل الحكمة والرشاد، إن صلاح الأعمال يقاس ببدايتها، فإن كانت بداية الأعمال صالحة كانت نهايتها صالحة، أما إذا كانت بداية الأعمال فاسدة كانت نهايتها فاسدة، وهو المعيار الذي ادعو الإخوة والأصدقاء الأعزاء للاحتكام إليه للحكم على بدايات الدولة المدنية التي بُشِرَ بها الشعب الجزائري، وهي تفتح عهدتها باستقبال رسمي وعلى البساط الأحمر وفي ذكرى عزيزة على نفوس الجزائريين، وهي ذكرى عيد النصر، أحد إطاراتها ووزرائها, شكيب خليل؛ الذي كان محل تحقيق في قضايا الفساد الذي مس قطاع الطاقة الحيوي والإستراتيجي ومصدر قوت الشعب الجزائري، والذي لا يزال إلى يومنا هذا مطلوبًا بالقبض عليه من طرف العدالة الجزائرية ( أصدر النائب العام السابق السيد زقماطي مذكرة يأمر فيها بالقبض على المتهم وزير الطاقة السابق شكيب خليل وإحضاره للتحقيق معه في قضية الفساد الكبيرة، منح مشاريع مقابل أخذ رشاوى من طرف شركة سوناطراك لصالح المتعامل الإيطالي شركة Saipem ، والتي كان القضاء الإيطالي أول من كشف عنها).

وعملا بالإجراءات القانونية، ما دام الملف القضائي الخاص بشكيب خليل قد فُتح وجرى التحقيق فيه كان ينبغي أن يغلق بإحدى طريقتين، إما انتفاء وجه الدعوى أو إحالته إلى المحاكمة، وهذا ما لم يحدث في حق المتهم شكيب خليل، فالقضية لازالت مفتوحة ما لم يتم إغلاق ملف المتهم بتبرئة ساحته من التهم التي وجهها له قاضي التحقيق، وعليه كان ينبغي على سلطات الدولة المدنية, المُبشر بها, القبض على شكيب خليل فور دخوله أرض الجزائر، لا أن تستقبله كالفاتح المنتصر في ذكرى عيد النصر.

عدم اتخاذ سلطات الدولة المدنية المُبشر بها الإجراءات القانونية، في حق شكيب خليل المعمول بها لدى القضاء الجزائري، يمثل مساسًا صارخا بدولة القانون وسطوًا على العدالة الجزائرية، وضربا لمصداقية دولة القانون التي بشر بها الدستور الجديد، واستفزازًا للشعب الجزائري، وتكريسا لمبدأ ازدواجية المعايير في تعامل العدالة الجزائرية مع مواطنيها، وفق قاعدة “إذا سرق الشريف والوزير يُترك سبيله وتتم حمايته بل ويُستقبل كالفاتح المنتصر، أما إذا سرق الضعيف والفقير سُلطت عليه أقصى العقوبات”.

إن محاولة سلطات الدولة المدنية المُبشر بها، تبرئة ساحة المتهم الوزير السابق للطاقة شكيب خليل من التهم المنسوبة إليه، والمطالبة برد الاعتبار له، بحجة أن هذه التهم تمت فبركتها له من طرف “دي ار اس” D.R.S، (الأمن العسكري) تعتبر حجة واهية ومردودة على أصحابها، لأن ذلك يقتضي إزالة الظلم عن كل الإطارات الذين صدرت في حقهم مذكرات منع من مغادرة التراب الوطني، فمحاولة التركيز من طرف سلطات الدولة المدنية المُبشر بها على ملف المتهم الوزير السابق شكيب خليل، يعطي الانطباع بأن قضية الإطارات المظلومة ما هي إلا تغطية لتبرير عودته السياسية، لأن ثمة الآلاف من الاطارات الذين عالج الأمن العسكري ملفاتهم إبان العشرية السوداء، وقالوا إنهم ظُلموا ولم يرد لهم الاعتبار إلى يومنا هذا.

القول بأن كل ملفات الفساد ملفقة هو اتهام مباشر للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لأنه القاضي الأول في البلاد، ولا يعقل أن تكون مرت عليه 15 سنة ولم يكتشف هذه الأمور، ولماذا لا تطعن سلطات الدولة المدنية المُبشر بها في نتائج الانتخابات التي أشرف عليها الأمن العسكري DRS لمدة 25 سنة بما فيها انتخابات الرئاسة التي جاءت بعبد العزيز بوتفليقة للمرة الثالثة على كرسي متحرك كما يفعلون مع ملف شكيب خليل وبعض الوزراء الموالين للسلطة الحالية والمتورطين في قضايا فساد كثيرة وكبيرة؟.

يبدو من كل ما سابق أن الدولة المدنية التي بشر بها الشعب الجزائري، قد أعلنت عن سياستها بكل صراحة ووضوح؛ أنها تحمي الفساد والمفسدين وتبجلهم وتبسط أمامهم البساط الأحمر، خاصة إذا كان هؤلاء الفسدة ممن يسبحون بحمدها ويعلنون لها الولاء المطلق حتى وإن أدى هذا الفساد إلى المساس بالأمن القومي والوحدة الترابية والجدار الوطني للدولة الجزائرية، الذي يدعي دعاة الدولة المدنية حمايته مما يهدده من الخارج وهم يضربون أسسه من الداخل.

فابشروا أيها الجزائريين هذه البداية و” مازال” “مازال” ، أما أنتِ يا جزائر فلك الله, ثم الأحرار الشرفاء لحمايتك من شرور الفساد والمفسدين الذين تحمي ظهورهم مؤسسات الدولة المدنية الفتية. فكيف سيكون الأمر عندما تكبر، والمثل يقول ” من شب على شيء شاب عليه “

……………

مدير مركز أمل الأمة للبحوث والدراسات – الجزائر

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : هل الحل نصب تذكاري آخر في إسرائيل لشهدائنا؟!

التقيت مرة مع ضابط جيش متقاعد على عشاء بمنزل صديق مشترك في واشنطن، ودار الحديث …