اتفاق “غاز غزة” .. لماذا تدفع مصر لإبرامه بين إسرائيل وسلطة عباس؟

بدأت تتضح معالم اتفاق استخراج الغاز من حقل “غزة مارين” وسط أزمة طاقة عالمية بفعل الحرب في أوكرانيا وبعد سلسلة تحركات مصرية وزيارة مسؤولين سياسيين واقتصاديين لإسرائيل ورام الله، ولقاءات مع ممثلي الاتحاد الأوروبي.

وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا أكد في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2022 التوصل إلى “اتفاق إطاري” لتطوير حقل الغاز الطبيعي البحري قبالة سواحل قطاع غزة، وأن “المحادثات جارية للوصول إلى اتفاق نهائي”، وفق وكالة رويترز البريطانية.

مصادر مصرية وإسرائيلية أوضحت، بحسب موقع “الاستقلال” أن هدف القاهرة من تسريع اتفاق غاز غزة هو تحقيق نظام عبد الفتاح السيسي مكاسب مالية من ورائه، مثل استفادة شركات الجيش من عقود الاستخراج ورسوم تسييله ونقله عبر مصر للخارج، ونسبة من الأرباح.

لجان إلكترونية مصرية روجت للاتفاق زعمت أن مصر ستستفيد بـ42 بالمئة من غاز الحقل في غزة بينما الباقي تقتسمه فلسطين وإسرائيل.

تفاصيل الاتفاق

ووفق تقارير صحفية ستمتلك الشركة المصرية “إيجاس” المشغلة للحقل 45 بالمئة من حصة الحقل البحري، وسيجرى تصدير جزء من الإنتاج لمصر، مقابل توفير احتياجات فلسطين من الغاز الطبيعي.

سبب آخر للتدخل المصري هو تسهيل حرمان حركة المقاومة الإسلامية حماس التي تحكم غزة من أي عوائد لهذا الحقل حسبما تطالب إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

مصدر دبلوماسي مصري أكد لـ “الاستقلال” أن القاهرة تدير حوارا مع حماس لدفعها نحو عدم الاعتراض على الاتفاق مقابل وعود برفع الحصار جزئيا وتحسين الأوضاع.

المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أوضح أن القاهرة تدرك أهمية موافقة حماس على غرار قبول حزب الله اللبناني باتفاق حقل كاريش في لبنان.

ونقلت لحماس رفض إسرائيل وأميركا والاتحاد الأوروبي استفادة المقاومة من عائدات هذا الغاز.

ورجح أن تجرى تفاهمات بين المخابرات المصرية وحماس على عدم عرقلة اتفاق الغاز المرتقب، مقابل مشاريع اقتصادية ملموسة في غزة وضمان حصولها على نسبة من هذا الغاز لتشغيل محطات الكهرباء وغيرها.

وقال وزير البترول المصري لوكالة رويترز في 25 أكتوبر، إن “ما جرى توقيعه هو إطار عام”، مبينا أن التفاصيل لم تنته بعد، و”سيعلن عن الخطة التنفيذية في الوقت المناسب”

وبين مسؤول فلسطيني للوكالة، أنه جرى التوصل إلى اتفاق بشأن “الشروط الأساسية”، وأنهم بحاجة للمزيد من الوقت للانتهاء من الجوانب الفنية كافة للمشروع، مؤكدا أن “القاهرة على اتصال مع مسؤولين من حركة حماس في غزة بشأن حقل الغاز”

وذكرت أن “وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الهرار، قررت تأجيل الاتفاق النهائي إلى ما بعد انتخابات الكنيست (البرلمان)”، المقرر إجراؤها مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

وبمجرد توقيع الاتفاقية ستبدأ شركة إيجاس المصرية بالعمل على تطوير حقلي الغاز البحري 1 و2 بهدف بدء الإنتاج في غضون عامين.

إلا أن رئيس سلطة الطاقة الفلسطينية ظافر ملحم، نفى وجود أي اتفاق مصري فلسطيني إسرائيلي، لاستخراج الغاز من حقل “غزة مارين”

أكد في 26 أكتوبر 2022 أنه لم يجر التوقيع على أي اتفاق بهذا الصدد ونفى أن يكون لدولة الاحتلال أي شأن في هذا المشروع، مشيرا إلى أن الإعلان المصري اقتصر على تطوير الحقل فقط، وفق ما صرح به لوكالة “قدس برس”

وأشار إلى أن تطوير الحقل سيتبعه توقيع اتفاقية “لم تتم”، مؤكدا أن السلطة الفلسطينية “لا تزال تدرس الموقف”

ويقع الحقل على بعد 36 كيلو مترا غرب غزة في مياه البحر المتوسط، وطوّرته عام 2000 شركة الغاز البريطانية “بريتيش غاز”.

وخرجت بريتيش غاز من المشروع لمصلحة شركة “رويال داتش شل”، التي غادرت أيضا في 2018.

وقال الخبير الاقتصادي الفلسطيني نصر عبد الكريم لقناة “الجزيرة” في 19 أكتوبر 2022 إن القيمة السوقية لاحتياطي الغاز في حقل غزة تقدر ما بين 7 – 8 مليارات دولار.

وإذا لم يجر تصديره والاقتصار فقط على استخدامه داخل الأراضي الفلسطينية فسيكفي 25 عاما، ولا حاجة للاعتماد على الغير وتحديدا إسرائيل، كما ستستفيد خزينة السلطة الفلسطينية سنويا بنحو 150 مليون دولار، وفق تقديره.

أما إستراتيجيا، فقال إن الغاز يفتح المجال أمام السلطة الفلسطينية كي تصبح لاعبا في سوق الطاقة بالمنطقة، خاصة أنها ضمن 9 دول أعضاء في منتدى غاز المتوسط، مضيفا أن “الصراع اليوم في العالم على ملف الطاقة”

وحين افتتح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في سبتمبر/أيلول 2000 حقل “مارين 2″، وصف اكتشاف الغاز قبالة شواطئ غزة، بـ “هبة الله للفلسطينيين”

ووعد عرفات وقتها بأن تتحول غزة إلى سنغافورة، لكن إسرائيل دمرت منشأته لاحقا.

ويقع حقل “مارين 1” ضمن الحدود المائية بين غزة وإسرائيل، وهو ما جعل الأخيرة تضع يدها عليه مباشرة، لتوفير الغاز لمحطات الطاقة في تل أبيب حتى جرى تجفيفه عام 2011.

وقالت صحيفة هآرتس العبرية حينئذ عام 2011، إنه جرى استنفاد كميات الغاز الطبيعي الموجودة في الحقل والمقدرة بنحو واحد ونصف ترليون قدم مكعب.

أما حقل “مارين 2” فيقع ضمن المياه الإقليمية للقطاع، وهو ما تجرى بشأنه المفاوضات حاليا بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر، وبه كميات غاز أكبر.

مكاسب مصر

حسب التفاهمات التي جرى التوصل إليها، ستقام شراكة ثلاثية لإنتاج الغاز من حقل غزة، وائتلاف يضم صندوق الاستثمار الفلسطيني (حكومي) وشركة اتحاد المقاولين (CCC) بحصة مشتركة قدرها 55 بالمئة، وشركة إيجاس المصرية بنسبة 45 بالمئة.

وشركة CCC، عربية مقرها في أبو ظبي وأثينا، وأصحابها رجال أعمال فلسطينيون مقربون من منظمة التحرير الفلسطينية.

أما شركة الغاز الحكومية المصرية (إيجاس)، فيضع جهاز المخابرات المصرية (يرأسه عباس كامل) وأيضا السيسي أيديهما عليها، لتحقيق أرباح تجارية من وراء مشروع غزة، وفق “جاكي حوجي” محرر الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي.

وهذه الشركة الاستخبارية (إيجاس) هي “العقل” وراء سياسة الغاز المصرية في المنطقة، وفق ما كتبه “حوجي” في صحيفة “معاريف” العبرية في 20 أكتوبر 2022.

وتقول “معاريف” إن إبرام اتفاق الغاز “سيكون نجاحا كبيرا للدبلوماسية المصرية، وخطوة إستراتيجية تعزز بشكل كبير موقع السيسي في نادي البحر المتوسط، وتمهد لخروج قطر من غزة وتقليل نفوذها هناك حيث تدخلت لحل مشكلة الكهرباء.

ويرجح أن توقع الشركة المصرية (إيجاس) وصندوق الاستثمار الفلسطيني اتفاقية لتطوير حقل غزة مارين خلال الربع الأول من عام 2023، حسبما قال وزير البترول طارق الملا في 25 أكتوبر 2022.

وأوضح وزير البترول المصري، أنه سيتم العمل على تنمية حقل “غزة مارين” بهدف استخراج الغاز الفلسطيني وجلبه لمصر وتسييله عبر محطات الإسالة، وتحويل عوائده المالية للسلطة الفلسطينية بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي.

وقد أكد مصدر مصري 14 أكتوبر 2022 أن “من مصلحة مصر أن تستخرج غاز غزة لأنه سيعود على شركة المخابرات بإيرادات مالية ويزيد نفوذ مصر في القطاع”، وفق وكالة الأنباء الفرنسية.

العائد المادي لمصر أكده أيضا موقع “غلوبس” الاقتصادي الإسرائيلي 20 أكتوبر، مشيرا إلى أن مبادرة مصر لتطوير خزان غاز غزة الذي سيتدفق منه عشرات المليارات من الدولارات، هدفها تحقيق استفادة مالية تتمثل في المشاركة في المشروع ونقل الغاز عبر أراضيها.

وأوضح “غلوبس” أن دور مصر هو السعي ليكون الأمر بيد السلطة الفلسطينية فقط، إذ تعارض إسرائيل والولايات المتحدة بشدة مشاركة حماس في الاستفادة من عوائد هذا الحقل أو الوصول المباشر إلى المشاريع الدولية الكبيرة في القطاع.

ونقل عن مسؤول إسرائيلي كبير أن تشغيل حقل غزة البحري يمكن أن يقلل من هجمات المقاومة بقيادة حماس، على تل أبيب بالصواريخ، وتهديد منشآت الغاز الإسرائيلية، ويخلق معادلة جديدة سيكون لدى الحركة فيها الكثير لتخسرها.

بمعنى أنه إذا قررت حماس إطلاق الصواريخ على إسرائيل وتهديد منصاتها النفطية في البحر المتوسط فستهدد تل أبيب بالمقابل حقل غزة مارين.

موقف حماس

في يوم توقيع الاتفاق المبدئي 23 فبراير/شباط 2021 بين السلطة في رام الله، ومصر لتطوير البنية التحتية لحقل غاز غزة، طالب عضو المكتب السياسي لحركة “حماس”، موسى أبو مرزوق، عبر تويتر، بنصيب القطاع المحاصر.

أبو مرزوق أكد “ضرورة أن تكون غزة حاضرة في أي تفاهمات حول حقول غاز شواطئها”

وأضاف “إذا كانت غزة مضطرة لاستيراد الغاز الطبيعي من الاحتلال لمحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، فيجب ألا نقف متفرجين، وثرواتنا الطبيعية تذهب بعيدا”

ورد عليه حسين الشيخ القيادي في حركة التحرير الوطني فتح وخليفة محمود عباس المحتمل قائلا عبر تويتر: “الدول التي توقع الاتفاقيات وليس التنظيمات”

بحسب مصدر فلسطيني مقرب من حركة حماس لـ “الاستقلال”: “ليس لدى الحركة أي نية للتنازل عن دورها في أي اتفاق غاز”

وتابع المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته: “ستهدم المقاومة في غزة المعبد على الجميع حال حرمانها من الاستفادة من موارد الحقل واستبعادها من التفاوض”، وفق المصدر.

وأوضح أن حماس قد تسعى لاستنساخ نموذج مفاوضات حزب الله مع إسرائيل حول حقل غاز لبنان (كاريش)، أي “مفاوضات تحت النار”، لإشراكها في إدارة حقول الغاز، رغم توقع أن يؤدي هذا لخلافات مع مصر.

ولا تريد حماس الاستفادة فقط من الغاز أمام سواحل غزة، لكنها تعد افتتاح هذا الحقل ضمن خطة أوسع لتشغيل خط بحري بين القطاع والعالم وكسر الحصار، وقد يكون هذا أحد شروطها لتمرير اتفاق الغاز.

وفي 13 سبتمبر/أيلول 2022 نُظمت مظاهرة في ميناء غزة طالبت فيها الفصائل بالسماح بالاستفادة من موارد الغاز الطبيعي ومنع إسرائيل من “سرقة الأصول الفلسطينية”

وخلال المظاهرة افتتح ممر مائي “يربط غزة بالعالم ويمكن الغزيين من السفر والاستيراد والتصدير من خلال البحر.

وأطلقت المقاومة الفلسطينية طائرة مسيرة من طراز “شهاب” الانتحارية، حلقت فوق ميناء غزة وهو ما ترجمه مراقبون كرسالة تهديد للاحتلال باستخدام القوة العسكرية في حال حرمانها منه أو سرقة إسرائيل له.

وأظهرت المقاومة قدرة على تهديد أي حقول للغاز في المتوسط خلال مواجهات مايو 2021 و2022، عبر طائرات بدون طيار وأيضا غواصات مسيرة يمكن أن تحمل متفجرات وتضرب منشأت نفطية في البحر.

بحسب الصحفي والمحلل السياسي الفلسطيني “مصطفى الصواف”: “حتى الآن الترتيبات تجرى بين السلطة ومحمود عباس والإسرائيليين ومصر”

أوضح لـ “الاستقلال” أن “تدخل مصر هو للبحث عن مصالحها الاقتصادية، أما موضوع حرمان حماس من عوائد الغاز فهذا قد يكون هدف الاحتلال وأميركا وأشك أن تكون القاهرة تسعى لذلك على الأقل حتى الآن”.

أكد أن الفائدة التي ستعود على مصر تقدر بمليارات الدولارات، وهي تدرك أن حماس يمكن أن تعرقل المشروع بما لديها من إمكانيات عسكرية، ولذلك حتى تحقق الفائدة الموعودة لها لا بد أن تعمل القاهرة على إقناع الحركة.

رجح أن يجرى إرضاء حماس “من خلال إيجاد حصة رسمية من الغاز لغزة وليس للحركة، وهذا الأمر هو المطلوب للمقاومة، لو كان هناك تفكير جاد وسليم”

المصدر الفلسطيني السابق القريب من حماس، أكد أيضا لـ “الاستقلال” أن مصر أطلعت الحركة عبر وفد استخباري، على تفاصيل الاتفاق وهناك مفاوضات من تحت الطاولة، لكن لا أحد يعرف طبيعتها ومع من تجرى”.

وتوقع أن تقنع مصر حركة حماس بحزمة تسهيلات اقتصادية وإبرام اتفاق ضمني مع سلطة رام الله، لا إسرائيل، تنص على تخصيص أو توفير احتياجات غزة من الغاز الفلسطيني في حقل الغاز، بدل الشراء من تل أبيب.

لكن مسؤولا في وزارة الاقتصاد بغزة قال في 25 أكتوبر 2022 إن إسرائيل “تخشى قصف الحركة” لحقول الغاز لو استبعدت من أي اتفاق بشأن الحقوق النفطية، بحسب موقع “بي بي سي” البريطاني.

وأكد أن الاتفاق بين إسرائيل ومصر يتضمن “العمل على تحييد حركة حماس، وقيام مصر بلجم الحركة للحيلولة دون تفكيرها في قصف حقول الغاز بالصواريخ”، إذا ما ترسخت لديها قناعة بأنها ستحرم من الفائدة أو من السيطرة على الغاز المستخرج.

وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة الإسلامية في غزة مازن العجلة، إن إسرائيل لن تتسامح أبدا مع استفادة حماس من احتياطيات الغاز، لكنه قال إن أي اتفاق سيتطلب موافقة ضمنية من الحركة على الأقل.

وبين العجلة في 14 أكتوبر 2022 أن “إسرائيل تصر على ان حماس يجب ألا تستفيد من غاز غزة كشرط لأي اتفاق”، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

شاهد أيضاً

استطلاعات الرأي تظهر تقدم أردوغان وفوزه بالانتخابات الرئاسية القادمة

كشفت شركة جينار التركية لأبحاث الرأي والاستطلاعات تقدُّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استطلاع …