أخبار عاجلة

احمد مولانا يكتب : هل وصلت العلاقة بين الطيب والإمارات إلى مفترق طرق؟


بعد صمت عن إدانة عمليات التطبيع الجارية مؤخراً بين بعض الدول العربية وإسرائيل، شن شيخ الأزهر أحمد الطيب هجوماً مفاجئاً خلال الاحتفال بذكرى تأسيس “بيت العائلة المصري” على ما سمّاه الدعوة إلى “الديانة الإبراهيمية” قائلاً إنها (دعوة إلى مزج الأديان في دين واحد.. وتبدو في ظاهر أمرها دعوة للاجتماع الإنساني والقضاء على أسباب النزاعات والصراعات، وهي في الحقيقة دعوة إلى مصادرة حرية الاعتقاد وحرية الإيمان والاختيار).

كلام الطيب فُهم بشكل واسع على أنه يمثل انتقاداً لمشروع ترعاه دولة الإمارات منذ عام 2019 بعد الزيارة المشتركة للإمارات التي قام بها بابا روما فرنسيس وشيخ الأزهر الطيب”، وتُوجت بتأسيس “بيت العائلة الإبراهيمية” المفترض افتتاحه في عام 2022، والذي سيضم مسجداً باسم “مسجد الإمام الأكبر أحمد الطيب” وكنيسة باسم “كنيسة القديس فرنسيس” فضلاً عن كنيس يهودي.

وقد أخذ “بيت العائلة الإبراهيمية” زخماً أكبر عقب اتفاق التطبيع الذي وقعته أبوظبي مع إسرائيل العام الماضي باسم “الاتفاق الإبراهيمي”، حيث تبعته عمليات تطبيع شعبي وثقافي واقتصادي وسياسي غير مسبوقة في سجل العلاقات العربية الإسرائيلية.

تلك المستجدات طرحت سؤالاً حول حاضر ومستقبل العلاقة بين شيخ الأزهر الطيب وأبوظبي، هل وصلت العلاقة إلى نقطة افتراق لها ما بعدها، أم الأمر مجرد كبوة سيتجاوزها الطرفان؟

ولماذا تحدث الطيب الآن رغم اجتماعه في أكتوبر 2021 مع نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش الإماراتي، واستقبال الطيب في منزله بالأقصر في أبريل 2021 السفير الإماراتي بالقاهرة حمد الشامسي عقب شهر واحد من لقائهما معاً بمقر مشيخة الأزهر، وإشادة الطيب عقب تلك اللقاءات المتقاربة زمنياً بدور دولة الإمارات في دعم قيم التسامح والأخوة -حسب تعبيراته- رغم انخراط الإمارات في إثارة الحروب الأهلية والصراعات بالمنطقة بداية من اليمن وصولاً إلى ليبيا.

أحمد الطيب والسيسي
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب(رويترز)

مسيرة العلاقة بين الطيب وأبوظبي

تمتد العلاقة بين أحمد الطيب المولود في عام 1946، والحائز على الدكتوراه في عام 1977 مع أبوظبي إلى عقود مضت، حيث سبق له العمل مدرساً في جامعة الإمارات، ثم توطدت العلاقة بينهما مع اندلاع ثورة يناير بمصر، حيث نظرت الإمارات إلى الطيب باعتباره أحد رموز نظام مبارك الذين يمكن توظيفهم في مواجهة مد ثورات الربيع العربي.

فالطيب سبق له شغل عضوية أمانة السياسات بالحزب الوطني، كما اتسمت علاقته بالإخوان بالخصومة خلال توليه منصب رئيس جامعة الأزهر لمدة سبع سنوات بداية من عام 2003 قبل توليه مشيخة الأزهر في مارس 2010 قبيل شهور من اندلاع ثورة يناير التي صرح خلالها بأن المظاهرات حرام مع تأكيده على حرمة إراقة الدماء وتحذيره من عواقب الفوضى.

القفزة في العلاقة مع الإمارات جاءت تحديداً مع فوز د. محمد مرسي بالرئاسة في عام 2012 ، وتولي الإخوان المسلمين مقاعد الحكومة في العديد من الدول العربية، وتقديم الاتحاد العالمي

لعلماء المسلمين برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي فتاوى داعمة للتغيير والثورات، فعندئذ برز شيخ الأزهر بخلفيته الصوفية كمرجعية يمكن الاستناد إليها في مواجهة تلك التغيرات العاصفة، فاختارته أبوظبي في أبريل 2013 خلال ذروة توتر علاقاتها مع حكومة د. مرسي شخصية العام الثقافية ضمن جائزة “الشيخ زايد للكتاب” في دورتها السابعة، ونال الطيب بموجب ذلك جائزة مالية قدرها 750 ألف درهم إماراتي وميدالية ذهبية بالتوازي مع إطلاق أبوظبي سراح أكثر من 100 سجين مصري مع استثناء معتقلي الإخوان المصريين بالإمارات الذين وُجهت لهم اتهامات بدعم الإرهاب.

وفي مواجهة تصاعد المد الثوري التغييري كان الرهان الإماراتي على دعم التوجه الصوفي الرافض للثورات والتغيير والداعي إلى طاعة الحكام وفق تعاليم السمع والطاعة التي ترسخها العلاقة بين الشيخ والمريد في التقاليد الصوفية، وهو التوجه الذي يمثل بديلاً دينياً مقبولاً في مواجهة الحركات الإسلامية، وسبق أن رشحته عدة دراسات لمركز راند من أبرزها: “بناء شبكات الاعتدال الإسلامي” و”الإسلام المدني الديمقراطي“. ومن ثم أسست الإمارات في عام 2014 مجلس حكماء المسلمين برئاسة شيخ الأزهر أحمد الطيب في محاولة لتزعم المرجعية الدينية في العالم الإسلامي عبر حشد جمهرة من العلماء من مختلف الدول ممن يغلب على معظمهم رفض الثورات وتمتعهم بعلاقات وثيقة مع أنظمة الحكم في بلادهم. فلعب المجلس بذلك دور المنافس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي صنفته أبوظبي لاحقاً كتنظيم إرهابي، فضلاً عن السعي لتوظيف المجلس في دعم المواقف السياسية الإماراتية بل وإضفاء الشرعية الدينية عليها عبر الادعاء بأنها تعمل على تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة وتجنيبها عوامل الصراع والانقسام والتشظّي.

ومقابل تقديم أحمد الطيب لهذا الدور في دعم التوجهات الإماراتية، فقد حصل على مكتسبات من أبرزها تقديم أبوظبي لمظلة حماية له في مواجهة نزوع السيسي للهيمنة. ففي عام 2017 قال السيسي للطيب خلال كلمته بمناسبة عيد الشرطة (تعبتني يا فضيلة الإمام) في ظل رفض الطيب إصدار قانون يمنع الاعتداد بالطلاق الشفهي، وهو ما ردّت عليه هيئة كبار العلماء بالأزهر عبر إصدار بيان تضمن تعريضاً بسياسات النظام قائلة: “فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسّر سبل العيش الكريم، ما أثار هجوماً شرساً من إعلام النظام ضد أحمد الطيب تضمن دعوته للاستقالة كي يريح ويستريح، لكن توقف الاستهداف الإعلامي للشيخ الطيب بطلب إماراتي قُدم للنظام المصري.

ثم تدخلت أبوظبي مجدداً عبر وزير خارجيتها عبدالله بن زايد لحماية الطيب خلال الإعداد لتعديلات دستورية في 2018 تضمنت مقترحات بتغيير الحصانة القانونية من الإقالة التي مُنحها منصب شيخ الأزهر عقب ثورة يناير، وهي الحصانة التي جعلت اختياره بيد هيئة كبار العلماء بدلاً من رئيس الجمهورية. إذ دعت مقترحات التعديل لإعادة اختيار شيخ الأزهر بيد الرئيس مجدداً. وهو ما رفضه الأزهر، وبالفعل لم تحدث أي تعديلات على صلاحيات منصب شيخ الأزهر بعد الوساطة الإماراتية، وظل الطيب يُعامل معاملة رئيس الوزراء من ناحية الدرجة الوظيفية والمعاملة المالية مع عدم تبعيته لرئاسة الجمهورية أو الحكومة، وذلك في ظل اعتبار الأزهر هيئة مستقلة رغم أن ميزانيته تُصرف من موازنة الدولة منذ عام 1961 عقب مصادرة عبدالناصر لأوقاف الأزهر.

هل افترقت المسارات؟

تكشف أحداث السنوات الماضية أن أحمد الطيب لديه خطوط حُمر لا يتجاوزها، وأنه قد يلتقي مع آخرين في مساحات لكنه يفترق عنهم في حال المسّ بخطوطه الحمراء. فقد التقى الطيب مع السيسي في عزل د. مرسي لكنه افترق عنه في دعوته لعقد انتخابات مبكّرة عقب الانقلاب، كما افترق عنه في رفضه لفض اعتصام رابعة وإدانته لأي سفك للدماء قائلاً: “الدم كله حرام”.

وكذلك التقى الطيب مع المجتمع الدولي في التنديد بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ودعا إلى القضاء عليه بحجة إفساده في الأرض لكنه رفض تكفير أفراد التنظيم انطلاقاً من تمسّكه بأنه لا يخرج من الإسلام من ظل محتفظاً باعتقاده القلبي دون أن يعلن جحوده للدين. ويبدو أن تماهي الطيب مع السياسات الإماراتية لا يعني دعمه المطلق لها، فهو لم يرحب باتفاق التطبيع الإماراتي مع إسرائيل رغم تهنئة السيسي لحكومة الإمارات بعقده، كما أنه يرفض المساس بما يراه من صلب الدين والعقيدة مثلما هو الحال في فكرة تذويب الرسالات السماوية في دين واحد دون أن يعني ذلك أنه تحول إلى خصم للإمارات أو انتهاء العلاقة بينهما، وهو ما يعني أن الكرة الآن في الملعب الإماراتي، فهل ستمرر موقف الطيب الأخير أم ستعتبرها نقطة افتراق وستتخلى عنه في ظل تقديرها بأنها لم تعد في حاجة إليه؟


Comments

comments

شاهد أيضاً

د . عزالدين الكومي يكتب : ثورة يناير والتحول الديمقراطي

مما لاشك فيه أن ثورة يناير نجحت فى تحقيق بعض الأهداف التى قامت من أجلها …