استقرار ورسوخ خيار السلمية عند الإخوان

قد يكون من المناسب أن نقف في رصد موقف قيادات جماعة الإخوان المسلمين عند الحد الذي تناولناه في حلقات سابقة، فمع حلول عام 2004 وتولي الأستاذ محمد مهدي عاكف – ومن بعده الدكتور محمد بديع – قيادة الجماعة كان من الواضح أن مسألة العنف / السلمية لم تعد مطروحة على الجماعة أصلا في ظل الآفاق الرحبة التي انتقلت إليها أنشطتها. وحتى من الناحية النظرية فقد كان للهزيمة التي لحقت بجماعات العنف المحلية أمام النظام الحاكم، ثم المراجعات التي قامت بها, كان لها دورها كذلك في تجاوز مسألة العنف من الحوارات الدائرة على مستوى المجتمع، وكان الظن وقتها أن العنف كمسألة عامة على المستوى المحلي قد أصبح من آثار الماضي.

ولعله مما يعكس رسوخ فكرة السلمية لدى قيادات الجماعة في تلك المرحلة رد فعلها على اتجاه نظام مبارك الحاد – في سنواته الأخيرة – لتهميش وجودها السياسي بعد أن كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التمثيل النيابي في انتخابات عام 2005، وحققت درجة عالية من الاعتراف بشرعيتها الواقعية, فلم يدفعها هذا التهميش الظالم للتفكير في اللجوء لاستخدام العنف ووضح أنها قد تجاوزت هذه الفكرة تماما … وقد كتب وقتها الدكتور عصام العريان بعنوان ” لن ينزلق الإخوان إلى العنف … لماذا ؟” منبهًا إلى أنه ( لا يمكن أن يلجأ الإخوان للعنف حتى في ظل عدم جدوى المشاركة السياسية، والانسداد السياسي، والاقصاء الدستوري .. إذ إن هذه الجدوى يجب أن يتم قياسها وفق خطتهم، ووفق الأهداف التي حددوها هم، وليس أهدافهم في ذهن غيرهم … وإن خالفت المستقر في العلوم السياسية التي تجعل الهدف الرئيسي والنهائي للمشاركة السياسية هو الوصول لتداول السلطة وتبوء الحكم، إذ يجعل الإخوان لمشاركتهم السياسية في ظل الانسداد السياسي، واحتكار السلطة أهدافا فرعية وجزئية، مع العمل المتواصل لتحقيق إصلاح شامل)[1] … والحقيقة أن الدكتور العريان قد أعاد طرح الإشكالية التي سبق وأن أثار الإمام البنا مثيلا لها من قبل؛ وهي ما الذي ينبغي أن يكون عليه موقف الجماعة إذا لم يسمح المناخ بالتغيير السلمي؟ هل تعتبر حالة الانسداد هذه مبررا للالتجاء للعنف, أم تسعى لإصلاح المناخ؟   وأعلن العريان انحياز الجماعة إلى ذات الخيار الذي سبق وأن انحاز إليه الإمام البنا؛ أي السعي لإصلاح المناخ: ( أحسب أن الإخوان حسموا قضية العنف بكل جوانبها بصورة نهائية، أما حسم خيارهم في التوجه نحو التغيير السلمي عبر الأطر القانونية والدستورية فيجب أن يتوافر له عدة شروط أهمها السعي بجد وإخلاص نحو إصلاح المناخ الدستوري والسياسي كله)[2]

وفي ذات السياق, لعله من المفيد أيضا أن نسرد هنا تلك الخواطر ذات الدلالة التي انبعثت لدى الدكتور عصام العريان عقب لقائه ببعض قادة الجماعة الإسلامية في السجن في أواخر التسعينات بعد أن كانوا قد توقفوا عن أنشطة العنف، وأعلنوا بدء عملية المراجعات, إنها خواطر تكشف بوضوح كيف استقرت فكرة السلمية في العقل الإخواني بعد مروره بتلك التجارب المتنوعة التي عاشها حتى ذلك الحين ( سهرت أفكر كيف ينام قادة وشيوخ الجماعة الإسلامية، وقد اكتشفوا مؤخرا عدم صواب ما ذهبوا إليه، وتسبب في سفك دماء وانتهاك حريات، وتشريد أسر، واعتقال آلاف الشباب, وإعدام العشرات، وغير ذلك من معاناة للأهل، وترويع للناس، وحمدت الله على عدة أمور منها:

  • أننا قمنا بواجبنا في النصيحة ولم نقصر في ذلك .
  • أن الله سبحانه وتعالى قد عصمنا من الوقوع في فخ العنف في مرحلة خطيرة من مراحل الحياة هي مرحلة الشباب التي تتميز بالحيوية والحماسة، وأحيانا بالتهور والاندفاع .
  • أننا بتوفيق الله استطعنا حماية الأغلبية العظمى من شباب مصر – بخاصة في الجامعات المصرية – من الانخراط في طريق العنف.
  • أن الاخوان استطاعوا من خلال حكمتهم، وتجربتهم الطويلة أن يورثوا الشباب منهجهم الإسلامي في الفهم الذي يمنع التكفير، والغلو، والتشدد، ويحترم فقه العلماء السابقين ، وورثوهم منهجهم في العمل والإصلاح الذى يبتعد تماما عن العنف والصدام مع الحكومات، ويعتمد أسلوب الدعوة والتربية)[3]

ومن البديهي أن هذه الرؤيه وتلك المشاعر لا ينفرد بها الدكتور العريان فقط – ولعله ينفرد بأنه كان أغزر القيادات تعبيرا وكتابة – بل هي تعبر عن ثقافة جماعة بكاملها في تلك المرحلة. ومن المفيد أن نثبت هنا موقفا مشابها رواه المهندس محمد الصروي – وكان من أعضاء تنظيم 1965 – في مذكراته عن محاورة ” حادة ” دارت بينه وبين قادة الجماعة الإسلامية عندما التقاهم بليمان طره عام 1982 بعد الحكم عليهم في قضية مقتل السادات ( ويومها قلت لهم: إن هناك فرقا بيننا وبينكم في تجربة الحركة بهذا الدين تصل إلى عشرين عاما، فما نقوله اليوم ستقتنعون به بعد عشرين عاما، ولقد سعدت أيما سعادة بهذا التحول عندهم الذي بدأ فعلا بعد عشرين عاما من البحث والتجربة)[4] … وبالطبع هو يقصد بالتحول مسألة نبذهم للعنف التي أعلنوا عنها في نهاية التسعينات.

على أن هناك شهادة واقعية لم يكن لنا أن نتجاوزها, فصاحبها الأستاذ محمد المهندس كان من أفراد جماعة الإخوان ثم تركها وأصبح من قيادات حزب مصر القوية, ورغم نقده – الطبيعي – للعديد من المواقف الحالية والسابقة للجماعة فإنه يثبت هذه الشهادة في مقالاته الناقدة ( كنت عضوا في لجنة تربية ” المنطقة ” حينا و” الجامعه ” حينا آخر في نهايات العقد الأول من القرن الحالي، وأشرفت على أكثر من دورة من دورات ” التوثيق ” أو ما يسمى ” التصعيد ” لعشرات أو مئات من الطلبة ” المؤيدين “، وكانت التعليمات الواضحة التي لاتحتمل لبسًا أو ترددًا من مسئولي التربية في الجماعة أنه لا توثيق ولا تصعيد لكل من يحمل شبهةً نحو قضيتي ” التكفير” و “العنف”, لأنهما – كما كان يقال لنا – مخالفتان لمنهج الإخوان المسلمين الذي اختارته لنفسها منذ أن انشأها مرشدها الأول حسن البنا, وطوال 80 عاما )[5]… ولعل هذه الشهادة عما كان يتم في الصفوف الخلفية للجماعة أكثر بلاغة في التعبير – حتى من كلمات القيادات – عن حقيقة الموقف المستقر لدى الجماعة بعموم أفرادها من مسألة العنف والسلمية.

[1]  ) عصام العريان – لن ينزلق الإخوان إلي العنف .. لماذا ؟ موقع إخوان أون لاين 17 – 10 – 2010

[2]  ) عصام العريان – حوار مع عبد الرحيم علي – كتاب الإخوان المسلمون وأزمة تيار التجديد

[3]  ) عصام العريان – مقال مراجعات الجماعة الإسلامية .. العودة إلي مربع الإخوان

[4]  ) محمد الصروي – محنة 1965 .. الزلزال والصحوة

[5]  ) محمد المهندس – الصراع داخل الإخوان بين السلمية والعنف 4 – موقع مصر العربية   – 19 – 9 – 2015

Comments

comments

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …