الرئيسية / فكر ودعوة / الأخذ بالأسباب من مقتضيات العبودية لله تعالى

الأخذ بالأسباب من مقتضيات العبودية لله تعالى


د. علي محمد الصلابي

الحلقة الأولى

رجب 1441ه/ مارس 2020م

إنَّ الإيمانَ بالقدر لا يعارِضُ الأخذ بالأسباب المشروعة، بل الأسبابُ مقدَّرةٌ أيضاً كالمسببات، فمن زعم أنَّ الله تعالى قدّر النتائجَ والمسبّبات من غير مقدّماتها وأسبابها، فقد ذُهِلَ عن حقيقة القدر، وأعظمَ على اللهِ الفرية، فالأسباب مقدَّرةٌ كالمسبباتِ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الرُّقى، هل تردُّ مِنْ قدرِ الله شيئاً؟ قال: «هي من قدر الله»، وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ كانت قائمةً على الأخذِ بالأسباب، وسيرتُه تشهدُ بأنّه كان يتّخذ كلَّ الوسائل والتدابير وأسباب العمل.
إنّ سننَ الله في كونهِ وشرعِه تحتّم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناسِ إيماناً بالله وقضائه وقدره وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد قاوم الفقرَ بالعملِ، وقاومَ الجهل بالعلمِ، وقاومَ المرض بالعلاج، وقاوم الكفرَ والمعاصي بالجهادِ، وكان يستعيذُ بالله من الهمِّ والحزَن، والعجزِ والكسل، وتعاطى أسبابَ الأكل والشرب، وادّخر لأهله قوتَ سنةٍ، ولم ينتظر أن ينزلَ عليه الرزقُ من السماء، وقال للذي سأله: أيعقلُ ناقته أم يتركها ويتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». وقال صلى الله عليه وسلم: «وفِرَّ من المجذوم فرارَك من الأَسَدِ».
وما غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم المظفّرة إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التي تجري حسب مشيئة الله وقدره، فقد أخذَ الحذر، وأعدَّ الجيوشَ، وبعثَ الطلائعَ والعيونَ، وظاهرَ بين درعين، ولبسَ المغفر على رأسه، وأقعدَ الرماةَ على جبل الرماة، وخندقَ حولَ المدينةِ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وهاجر بنفسِه، واتّخذ أسبابَ الحيطة في هجرته، وأعدَّ الرواحل التي يمتطيها، والدليلَ الذي يصحبه، وغيّر الطريق، واختبأ في الغار. وكان إذا سافر في جهادٍ أو عُمرةٍ حمل الزاد وهو سيد المتوكلين.
أدرك الصحابةُ رضوان الله عليهم هذا المعنى، وفهموا أنَّ الإيمانَ بالقدرِ لا يعني تركَ الأخذِ بالأسباب، ولهذا أنكر عمر عن أبي عبيدة رضي الله عنهما ربطه القدر بعدم الأخذ بالأسباب، كما ورد في قصة طاعون عَمْواس الشهير، فحين همَّ عمرُ بالرجوع إلى المدينة من حدود الشام، قال له أبو عبيدة ابن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فدُهِشَ عمر لهذا الاعتراض، وقال لأبي عبيدة: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، ثم أردفَ قائلاً: أرأيتَ لو كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيتَ الخصبةَ رعيتها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله.
فعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما يعلمان أنّ القدر علم الله السابق بما يحدث، غير أنّ عمر كان يرى أن قدر الله لا دخلَ له في موضوع ربط الأسباب بالمسببات، فالذهابُ إلى الشام مع وجود الطاعون يتسبّب عنه الموت، والرجوع أخذٌ بالأسباب للنجاة من الطاعون، ولهذا أنكر عمر على أبي عبيدة أن يعترضَ عليه قائلاً له: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، ولم يكتفِ بذلك، بل شرحَ رأيه بأنّ الذهابَ إلى الشام ذهابٌ بقدر الله، والرجوعَ إلى المدينة رجوعٌ بقدر الله، أي بعلم الله، مما يدلُّ على أنَّ القدر لا يصحُّ أن يربط بالإقدام على الأعمال أو الإحجام عنها، ولا يصحُّ أن يترك الأخذ بالأسباب بحجة القدر.
ولهذا يذهب ابن القيم إلى أنّ الدين هو إثباتُ الأسباب، والوقوف معها، والنظر إليها، وأنَّه لا دينَ إلا بذلك، كما لا حقيقة إلا به، فالحقيقةُ والشريعةُ مبناهما على إثباتها (أي الأسباب) لا على محوها، ولا ننكر الوقوف معها، فإنَّ الوقوفَ معها فرضٌ على كلّ مسلم، لا يتمُّ إسلامُه وإيمانُه إلاّ بذلك (الإيمان)، وبالأسبابُ عُرِف الله، وبها عُبِدَ الله، وبها أُطيع الله، وبها تقرّبَ إليه المتقربون، وبه نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته، وبها نصر حزبه ودينه، وأقام دعوته، وبها أرسل رسله، وشرع شرائعه، وبها انقسم الناسُ إلى سعيدٍ وشقي، ومهتدٍ وغوي، فالوقوفُ معها، والالتفاتُ إليها، والنظر إليها، هو الواجبُ شرعاً، كما هو الواقع قدراً.
إنّ قدر الله حقٌّ، وقدرُ الله نافذٌ، ولكنّه ينفذ من خلال السنن التي أقام الله عليها نظام الكون، من خلال الأسباب التي خلقها سبحانه وشرعها، وليستقيمَ عليها أمرُ الوجودِ ونظامُ التكليف، فهذه السننُ والأسبابُ جزءٌ لا يتجزأ من قدر الله الشامل المحيط.

المصادر والمراجع:
* علي محمد الصلابي، سنة الله في الأخذ بالأسباب، 2017، دار الروضة للطباعة والنشر والتوزيع، استنبول، صفحة 12:9.
* أحمد محمد أحمد جلي، العقيدة الإسلامية أركانها وآثارها على الفرد والمجتمع، صفحة 391.
* سعاد ميبر، عقيدة التوحيد، صفحة 212.
* يوسف القرضاوي الإيمان بالقدر، صفحة 51.


Comments

comments

شاهد أيضاً

الشيخ جعفر الطلحاوي

الشيخ: جعفر الطلحاوي يكتب: أهلاً يا رمضان شهر الإقبال على الله

(قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن ، ومن ألم فراقه تئن !) كما يقول ابن …