“الإنترنت الأسود”.. عالم خفي وسلاح ذو حدين لا يعرفه معظم المستخدمين


قد يقتل أحد السياسيين أو يختفي أشخاص، ولا ينجح أحد في فك طلاسم الجريمة، وقد تسرق معلومات حساسة من شركة أو حسابات مالية دون الوصول إلى السارق، أو تقع عملية إرهابية مع الاستغراب بشأن طريقة تنفيذها رغم الاحتياطات الأمنية.

مفتاح هذا اللغز، هو ما يسمى “الإنترنت الأسود” أو “دارك نت”، الذي يلجأ إليه من يسعون للابتعاد عن أعين الاستخبارات وسيطرة الحكومات، والتواصل بسرية تامة، كما يؤكد موقع “الاستقلال”.

ولا يعرف أغلب متصفحيه العاديين، “الإنترنت الأسود” أو العالم السري لـ”Dark Web”، لأن أغلبه خاص بالإجرام والإرهاب والتجارة غير المشروعة.

كل ما عليك هو إنشاء حساب على هذه المتصفحات التابعة للإنترنت الأسود، وطلب ما تريده من خدمات مشروعة أو غير مشروعة، و”تدفع وأنت ساكت” كما يقول من جربوا الخدمة، عبر عملة “البتكوين” الإلكترونية.

داخل هذه “الشبكة المظلمة” تنبت كل أنواع الشرور بداية من مواقع التعذيب والسادية وتجارة الأطفال والجنس وتسويق السلع المحرمة كالمخدرات والأسلحة، مرورا بمواقع المافيا العالمية، وانتهاء بتنظيمات الجريمة والإرهاب العالمية.

لذلك يصفه الخبراء بـ”الجانب المتوحش للإنترنت”، إذ يستخدمه غالبا المجرمون والمتطرفون وقراصنة النت لإدارة أعمالهم غير القانونية سرا، أو بيع معلومات مسروقة في هذه الظلمة الرقمية، بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية.

لكن رب ضارة نافعة، فقد أصبح هذا “الإنترنت المظلم” فرصة جيدة للمعارضين أو الصحفيين المقيدة حرياتهم حول العالم للتصفح دون حجب أو لتبادل المعلومات وكشف الفساد، متخفين من بطش الأنظمة.

“دارك نت”

تشبه الشبكة العنكبوتية “جبل الجليد” الذي تظهر منه قطعة صغيرة فوق سطح الماء، هو “الإنترنت المرئي” الذي نتصفح مواقعه ومحركات بحثه المعروفة ومواقع التواصل الاجتماعي، أما بقيته فتكون تحت السطح وفي العمق.

ويطلق على الذي يقع تحت السطح مباشرة “الإنترنت العميق”، أما في الأعماق السحيقة فهناك “الإنترنت المظلم” أو “دارك نت”.

يمثل “الإنترنت العميق” كل صفحات الويب التي لا يمكن الوصول إليها من خلال محركات البحث التقليدية، ويحتوي ما يقرب من 90 بالمئة من جميع مواقع الويب على الشبكة.

أما “الإنترنت المظلم” فهو جزء داخل الشبكة العميقة، ومنطقة على الإنترنت لا يمكن أن يصل إليها إلا من يستخدمون متصفحا مثل “Tor”، الذي طورته البحرية الأميركية منذ تسعينيات القرن الماضي، أو تطبيق “VPN”.

لذلك لا يعد “الإنترنت المظلم” مكانا للتجارة غير المشروعة فقط، بل هو أيضا مكان لأولئك المستخدمين الذين لا يريدون لأحد أن يتتبع تحركاتهم على الإنترنت العادي.

دراسات عديدة اتفقت على أن المساحة المعروفة التي نتعامل معها على الإنترنت لا تشكل سوى 5 بالمئة تقريبا من الحجم الطبيعي للشبكة العنكبوتية، أما النسبة المتبقية التي تمثل نحو 95 بالمئة، فهي هذا الجانب الخفي أو المجهول من الشبكة.

مثلما هناك محركات مثل “جوجل” و”ياهو” للإنترنت الطبيعي، هناك متصفحات يتم من خلالها الولوج لهذا الجانب المظلم من الشبكة؛ أبرزها “Tor” الذي يخفي هوية المستخدم، ومن خلاله يمكن أيضا متابعة المواقع المحجوبة من الحكومات.

وكل المواقع الموجودة ضمن ما يطلق عليه “الدارك ويب” لا يمكن الدخول عليها بسهولة إلا بعد دفع الاشتراك أو مقابل الخدمة، عن طريق “البيتكوين” أو العملة الرقمية.

وتعتبر العملة الرقمية “Bitcoin” الأكثر شهرة ورواجا داخل شبكة “الإنترنت المظلم”، لأنها الأكثر مضمونية وربحية في السنوات الأخيرة، بجانب كونها الأكثر أمانا من حيث إخفاء مصدر التحويل.

ومؤخرا بدأت مجموعات إرهابية مختلفة تلجأ إلى “الدارك نت” بغرض التخفي وتبادل المعلومات السرية، وتؤكد عدة مصادر استخبارية أجنبية أن “تنظيم الدولة” يستفيد منه، وكذا تنظيمات يمينية غربية متطرفة.

نماذج جرائم

حين كشفت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2021 عن محاولة انقلابية يقودها السياسي اليميني المتطرف، ريمي داييه، الذي كان يخطط لاقتحام قصر الرئاسة (الإليزيه)، تبين أنه استخدم “الدارك نت” للتواصل مع أتباعه.

“داييه” كان يتواصل مع 36 نقيبا عسكريا شاركوه الانقلاب بـ”الرسائل المشفرة لبناء شبكة واسعة من منظري المؤامرة” عبر الدارك نت.

وحين سرقت بيانات حساسة من جهات أميركية وأجنبية، حذر مكتب التحقيقات الفدرالي الشركات الأميركية من قراصنة إيرانيين تسللوا لـ”دارك نت” للبحث عن هذه البيانات وشرائها، بحسب شبكة “سي إن إن” البريطانية في  12 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

الشرطة الأوروبية “يوروبول” شنت بدورها في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2021 حملة ضد مستخدمي هذه الشبكة، واعتقلت 150 شخصا منهم بحوزتهم 27 مليون دولار نقدا، و230 كيلوغراما من المخدرات وأسلحة.

جاءت العملية بعد تفكيك الشرطة الألمانية منصة “دارك ماركت” (Dark Market) تبعتها عملية أمنية واسعة ضد مستخدمي “الإنترنت المظلم” في 8 دول أوروبية وأميركا، أُطلق عليها اسم “دارك هانتر”، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

نفذت العملية ضد موقع يسمى “سيبربانكر” Cyberbunker، تباع عبره مخدرات وعملة مزورة وبطاقات ائتمان مسروقة أو مزورة وشرائح هاتفية بدون أسماء وفيروسات إلكترونية، وغيرها.

أيضا كانت عملية كشف جريمتي قتل نفذها مراهق ضد شقيقتين ببريطانيا في 7 يوليو/تموز 2021 طعنا بالسكين لها علاقة بـ”الإنترنت الأسود”، إذ تبين أنه فعل ذلك بعد تواصله مع شبكة إنترنت أسود تراهن على قتل نساء مقابل الفوز باليانصيب.

صحف بريطانية قالت إن الشاب القاتل “وقع عقدا بدمه مع شيطان للتضحية بالنساء مقابل الفوز باليانصيب بعد تفاعله مع مواد غامضة على الشبكة المظلمة دارك ويب”.

تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة لعام 2021، أكد أيضا أن هناك قسما خاصا فـي “تنظيم الدولة” مسؤولا عن التواصل واستخدام الـ”دارك ويب” بصورة احترافـية.

وأوضح المكتب مع أبحاث أوروبية أخرى، أن استخدام الإنترنت الأسود يحمي التنظيم من الملاحقة والاختراق وتأمين تبادل المعلومات والتمويل، وهذا سر استمرار عملياته.

استئجار قتلة

عبد الله عماد، أحد اليوتيوبرز المشهورين على السوشيال ميديا، روى لمجلة “الشباب” المصرية في 10 مارس/آذار 2021 تجربته في التعامل مع هذه المواقع المظلمة حين جرب الدخول على موقع لاستئجار قتلة مأجورين.

وأوضح أنه “موقع غير موجود في الوطن العربي، وهو أشبه بسوبر ماركت للقاتلين المأجورين والسفاحين في كل أنحاء العالم يقوم بعمل عروض للقتلة الذين يعملون في دول كثيرة”

الموقع متخصص في أعمال القتل والخطف والسرقة، ويستقبل أسئلة المستخدمين بعبارات حادة مثل “تواصل معنا وقل لنا ماذا تريد، ولا تسأل كثيرا، فقط أعط لنا معلومات عن الشخص المراد قتله أو خطفه”

وذكر “عبد الله” أنه تعامل مع موقع آخر اسمه “وايت هاوس” يعمل كوسيط بين المشترين والبائعين، ويتم التسجيل به دون أي بيانات حقيقية، وهو يقوم بتسويق المخدرات، والكوكايين، والأوراق الرسمية المزورة.

كمثال يعلن الموقع “لو محتاج جواز سفر مزور لأي دولة في العالم بـ 100 دولار”، ويعرض صورا لبطاقة “فيزا” مسروقة بـ 100 دولار يمكن أن تشتري بها سلعا بأكثر من 15 ألف دولار، كما يقوم ببيع أسلحة وبرامج كمبيوتر ويؤجر خدمات هاكرز حقيقيين.

أما الثمن فيبدأ من 250 يورو والدفع بـ”البتكوين”، ويعلن الهاكر عن نفسه من خلال الموقع قائلا “أقدر أدمر حياة شخص، أدمر بزنس وشركات منافسة، ممكن أدمر حياة أي حد اقتصاديا وأقدر أُثبت أي تهمة على أي حد”!

هناك أيضا قائمة أسعار لوظائف صغيرة، مثل سرقة حساب “فيسبوك” أوإيميل تبدأ من 250 يورو، وتدمير الأشخاص واختراق المواقع بـ500 يورو، واختراق المواقع التي لها حماية بدءا من 900 يورو”

ملجأ للصحفيين

قد يضطر الصحفيون أحيانا لعدم الكشف عن هويتهم أو إخفاء معلوماتهم أو مصادرهم من أجل التهرب من الرقابة الحكومية أو الملاحقة القضائية.

لهذا، يمكن أن تكون “الشبكة المظلمة” أداة مفيدة لهم وكذلك للنشطاء والمعارضين، للبقاء مجهولين رقميا، وعدم ظهور أنشطتهم أمام أجهزة حكوماتهم القمعية، ما يجعل علاقة الصحفيين به تزداد يوما بعد يوم.

دراسة لشبكة “الصحفيين الدوليين” في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2018، رصدت 8 فوائد مهمة قالت إن الشبكة المظلمة توفرها للصحفي في عمله.

وأوضحت أنها “تمكن الصحفي من تواصل آمن مع المصادر من خلال مكالمات هاتفية بالصوت والصورة مشفرة بالكامل ومؤمنة تماما، وبالأخص المصادر الموجودة في المناطق التي تتعرض اتصالاتها لرقابة شديدة من الأجهزة الأمنية”.

ويمكن أيضا للصحفي استخدام بريد إلكتروني مشفر وآمن من خلال الخدمات التي تقدمها بعض مواقع الإنترنت المظلم لحماية مراسلاته والوثائق المرسلة إليه، وضمان عدم سقوطها في يد أجهزة الدول التي تقمع حرية الصحافة أو بها حروب.

كذلك يتاح للصحفي الولوج إلى مواقع أرشفة الوثائق، حيث يستطيع من خلالها الوصول إلى مئات الآلاف من الوثائق السرية بجميع اللغات في شتى المجالات والقضايا حول العالم.

ويفيد استخدام شبكة “ويكيبيديا” المخفية في تقديم معلومات حول شخصيات ودول وكيانات عالمية لا يمكن أن تجدها على شبكة الإنترنت السطحية، مثل روابط لسلع السوق السوداء والمالية والخدمات، والمنتديات، والمجموعات السياسية.

إضافة إلى الاحتفاظ بنسخ من الوثائق والصور والمقاطع الخاصة بعمل الصحفي داخل مواقع مخفية أو داخل بريده المخفي حتى لا تصل إلى أيدي المتطفلين.

والأهم أنه يمكن من خلال “دارك نت” أن يستخلص الصحفي ويخلق أفكارا لعمله وخاصة للتحقيقات الصحفية والتقارير المتعلقة بـ”النشاط الإجرامي” و”الإرهابي”.

وأشارت دراسة لموقع “تكلم بلا خوف” الدولي في يناير/كانون الثاني 2017 أن “الأصل في استخدام هذه الشبكة ومتصفح Tor هو خدمة الصحفيين وجهات تتعلق بحقوق الإنسان وحركات الحرية.

وقالت إن البحرية الأميركية “حين طورت هذا المتصفح لم تطوره للمجرمين، وإنما كذراع لحقوق الإنسان بوزارة الخارجية الأميركية، وأن استخدام المجرمين له ليس دليلا على أنه إنترنت إجرامي”.


Comments

comments

شاهد أيضاً

“الأعلى الليبي”: لا انتخابات إلا بعد تنظيف السجل الانتخابي من التزوير وتصحيح القوانين

قال عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عبد القادر حويلي إنه لن تكون هناك انتخابات …