الإنترنت الفضائي في إيران .. يساند الحراك الشعبي أم يستغله الغرب لصالحه؟

تزايد القلق في العالم بعد دخول خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك”، وتوظيفها في الحروب الإقليمية والاحتجاجات الشعبية، وسط مخاوف من الأنظمة في عدم التحكم في مخططاتها وتدخل أطراف أخرى وفق مصالحها، بحسب موقع “الاستقلال”.

حيث أعطت الحكومة الأميركية رجل الأعمال مالك الإنترنت الفضائي إيلون ماسك، الضوء الأخضر لتفعيل خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك”؛ لدعم الحراك الشعبي في إيران ضد نظام الحكم.

وأعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في بيان صادر عنه في 22 سبتمبر/أيلول 2022، “اتخاذ إجراءات لتعزيز حرية الإنترنت والتدفق الحر للمعلومات للشعب الإيراني”

وقال بلينكن: “أصدرنا رخصة عامة لتزويدهم بوصول أكبر إلى الاتصالات الرقمية لمواجهة رقابة الحكومة الإيرانية”

ورد عليه ماسك عملاق الاتصالات معلنا في 23 سبتمبر تفعيل تغطية إيران بخدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” لتحدي قطع الحكومة الإيرانية الإنترنت.

تفعيل الإنترنت الفضائي في إيران، بعد أوكرانيا، استهدف إجهاض محاولات النظام الإيراني كبح الثورة الشعبية التي اندلعت في عدة مدن، آخرها العاصمة طهران، عقب قتل شرطة الأخلاق، مهسا أميني، بدعوى أن ملابسها “غير محتشمة”، ووقف تداول صور وفيديوهات ضرب الشعب لقوات “الباسيج” الأمنية والذي كسر حاجز الخوف لدى الشعب وزاد من تصدي الشباب للأمن واستعار “نار الثورة” الشعبية.

وقالت وسائل إعلام رسمية إيرانية، بينهم موقع “إيران إنترناشونال”، في 23 سبتمبر 2022، إن حصيلة ضحايا الاحتجاجات ارتفعت إلى 35 قتيلا، بينهم أمنيين.

لكن منظمة “هيومن رايتس إيران” ومقرها في أوسلو، قالت إن عدد القتلى بلغ أكثر من 50، بعضهم برصاص الشرطة، وبينهم فتاة أخرى اسمها حنانه كيان، تبلغ من العمر 23 عاما قتلت بالرصاص بمدينة نوشهر في 22 سبتمبر 2022.

وفتح قرار ماسك المجال نحو استخدام تكنولوجيا الإنترنت الفضائي في خدمة الحراك الشعبي كما جرى في أوكرانيا لفضح “انتهاكات” الغزو الروسي، ثم ممارسات الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين الشباب، وما تبعها من عنف وقتل متظاهرين ورجال أمن.

لكن خطورة هذه التكنولوجيا الحديثة لدعم “ربيع إلكتروني” في إيران ودول أخرى أنه يخضع لمزاج الغرب ومصالحه في دعم الثورات والحراك الشعبي ضد أنظمة يصنفها “عدو” أو “صديق” وفق مراقبين.

ماذا جرى؟

وأثارت الاحتجاجات التي توسعت بصورة مفاجئة وشملت حوالي 80 مدينة إيرانية منذ بدء التظاهرات في 16 سبتمبر/أيلول 2022، طرح تساؤلات حول ماذا يحدث في “الجمهورية الإسلامية”؟ وهل بدأ ربيع إيران؟ وهل هناك ربيع إيراني قادم؟

ومع تصاعد الحراك الشعبي وانتشار فيديوهات مواجهات غير عادية بين شباب وفتيات مع قوات الأمن وسحل متظاهرين، تزايدت جرأة الإيرانيين على التظاهر واتسع نطاقها، ما أقلق السلطات.

وشهدت شوارع العاصمة طهران وعشرات المدن ثورة عارمة، وبات ما يحدث في إيران يفوق التصور، ومن الواضح أن النظام “في حالة صدمة”، حسبما قال الصحفي محمد مجيد الأحوازي عبر حسابه على “تويتر”.

واضطر الجيش لتهديد المحتجين وإطلاق “تظاهرة مؤيدة للحجاب” قامت بها نساء يدعمن السلطة، بينهن نساء ضباط إيرانيين قتلوا خلال الاحتجاجات.

وقال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، إن “أفعال الفوضى” غير مقبولة، في تحذير واضح للمحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع تعبيرا عن غضبهم بعد وفاة شابة كانت شرطة الأخلاق تحتجزها، وفقا لوكالة “رويترز” البريطانية في 22 سبتمبر 2022.

لكن الأمر وصل إلى حرق صور وتماثيل رموز الجمهورية الإسلامية وآيات الله، ما يهدم “هيبة” النظام، مثل حرق تمثال خامنئي مع هتافات المتظاهرين: “الموت لخامنئي”، وتمزيق صورة للزعيم الخميني وغيره من أركان الدولة.

وبدأت السلطات محاولة السيطرة على سيل الفيديوهات التي تضرب “هيبة” النظام و”آياته” من الحكام، عبر تقييد خدمة الإنترنت.

ويساعد الوصول إلى الإنترنت على مقاومة النظام من خلال السماح للمعارضين بالتنسيق وطمأنة بعضهم البعض بأنهم ليسوا وحدهم.

وتعرف السلطات الإيرانية أن هذه نقطة ضعف لذا تحركت للسيطرة على الإنترنت، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية في 23 سبتمبر 2022.

لاحقا، كشف مرصد “نتبلوكس” لمراقبة انقطاعات الإنترنت، أنه تم تسجيل تعطل للإنترنت المحلي ثم عبر الهاتف المحمول في إيران، حيث يتم تقييد الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المحتويات بشدة.

وأفاد المرصد بحدوث انقطاع “شبه كامل” في الاتصال بالإنترنت في العديد من المدن الإيرانية منذ 19 سبتمبر 2022؛ بسبب تصاعد الاحتجاجات وتحول الإنترنت ومواقع التواصل لـ”أكبر محرض ضد السلطة”.

إنترنت “مسيس”

تدخل ماسك، مؤسس شركة “سبيس إكس” التي تمتلك عدة أقمار صناعية خاصة تعطي خدمات الإنترنت، وأعلن في 19 سبتمبر أن شركته تريد إعفاء من العقوبات المفروضة على إيران لتوفير خدمة “ستارلينك” للإنترنت الفضائي.

ورحبت وزارة الخزانة الأميركية في 20 سبتمبر 2022 بطلب ماسك للحصول على استثناء من العقوبات المفروضة على إيران للسماح بنشر الإنترنت حول العالم، ضمن مشروع “ستارلينك”

وقال متحدث باسم الوزارة لصحيفة “واشنطن بوست” إن “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة يرحب بطلبات التراخيص التي من شأنها السماح بأنشطة تعزز حرية الإنترنت في إيران”

وقال مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع هو من سيحدد خطوات “ستارلينك” المقبلة، مؤكدا توفير أشكال متعددة من الاستثناءات لصالح دعم قدرة الشعب الإيراني على التواصل فيما بينه ومع العالم.

ونقلت “رويترز” عن متحدث باسم الخزانة الأميركية (لم تسمه) قوله إن لدى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة ترخيصا طويل الأمد “يصرح بتصدير بعض الأجهزة والبرامج والخدمات المتعلقة بالاتصالات عبر الإنترنت إلى إيران، ومنها بعض خدمات الاتصال بالإنترنت ومحطات الأقمار الصناعية للمستهلكين… بموجب الرخصة العامة دي-1”

وانتهى الأمر بتأكيد ماسك تفعيل خدمة “ستارلينك” في 23 سبتمبر 2022 استجابة لتغريدة بلينكن بأن الولايات المتحدة تتخذ إجراءات “لتعزيز حرية الإنترنت والتدفق الحر للمعلومات” للإيرانيين.

وقال الصحفي الإيراني المولد والمتخصص في العلوم، عرفان كسرائي، عبر تويتر، إن إدخال الخدمة إلى إيران “سيغير قواعد اللعبة بالنسبة لمستقبل البلاد”، وهو ما استدعى ردا من ماسك.

وسبق أن اشتهرت الخدمة خصوصا بعدما وفرت هوائيات وأجهزة مودم للجيش الأوكراني لتحسين قدراته على صعيد الاتصالات في الحرب مع روسيا.

الإنترنت الفضائي

ويستهدف مشروع “ستارلينك” التابع لشركة “سبيس إكس” توصيل الإنترنت لجميع أنحاء العالم عبر إطلاق أقمار صناعية مدارية قريبة من الأرض خلافا للأقمار التقليدية.

ومنذ 2015 نشرت نحو 1800 قمر صناعي، وبدأت في نشر الخدمة في بعض الأجزاء من الكرة الأرضية تشمل الولايات المتحدة وكندا وبعض دول أوروبا.

وتهدف “سبيس إكس” إلى توسيع شبكة “ستارلينك” بسرعة، وهو مشروع لتوفير الإنترنت حول العالم مجانا، ولا تنافس شركة “ماسك” في ذلك سوى شركات اتصالات أخرى عبر الأقمار الصناعية اسمها “وان ويب”

وتوفر “ستارلينك” التي أطلقت أواخر عام 2020 خدمة الإنترنت السريعة إلى الزبائن في المناطق حيث تعد شبكات الإنترنت الأرضية الثابتة والمتحركة ضعيفة، عبر مجموعة أقمار صناعية موضوعة في مدار أرضي منخفض.

وتقول الشركة إن الخدمة تجريبية أولية على الصعيدين المحلي والدولي، وستواصل التوسع في التغطية العالمية القريبة للعالم المأهول بالسكان عام 2021.

وبحسب الشركة فإنه، خلال الإصدار التجريبي، يمكن للمستخدمين توقع رؤية سرعات نقل البيانات تتراوح من 50 ميغابايت لكل ثانية إلى 150 ميغابايت لكل ثانية وزمن انتقال من 20 مللي ثانية إلى 40 مللي ثانية في معظم المواقع على مدى الأشهر العديدة القادمة حيث تقوم بتحسين النظام.

وتذكر “ستارلينك” أنه مع إطلاق المزيد من الأقمار الصناعية، وتثبيت المزيد من المحطات الأرضية وتحسين برامج الشبكات، ستتحسن سرعة البيانات ووقت الاستجابة ووقت التشغيل بشكل كبير.

وتوقع ماسك أن تضاعف الخدمة سرعاتها القصوى إلى 300 ميجابت في الثانية بحلول نهاية عام 2021.

وتعد أقمار “ستارلينك” أقرب إلى الأرض بأكثر من 60 مرة من الأقمار الصناعية التقليدية، ما يؤدي إلى انخفاض زمن الوصول والقدرة على دعم الخدمات غير الممكنة عادة باستخدام الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التقليدية.

طريقة الاشتراك

تتيح الشركة حاليا الاشتراك لعدد محدود من المستخدمين لكل منطقة تغطية في هذا الوقت، وسيتم تنفيذ الطلبات على أساس أسبقية الحضور.

ويمكن لأي شخص في العالم معرفة متى تصل الخدمة إلى منطقته عبر موقع “ستارلينك”، لكن انتشار الخدمة في أنحاء المعمورة كافة سيحدث عند وصول عدد الأقمار إلى 10 آلاف قمر صناعي، وكان من المقرر انتهاء الفترة التجريبية خلال سبتمبر 2022، إلا أنه لم يحدث.

وتسلم الشركة العميل طبق استقبال يثبته أعلى منزله أو في مكان مفتوح لتلقي الإشارة، وجهاز التوجيه “راوتر” والأدوات اللازمة له، وتتحرك إشارة طبق الاستقبال مع القمر الصناعي، ويجب عدم قطعها بوجود مانع أمامها.

ويبلغ سعر طبق الاستقبال وجهاز التوجيه “راوتر” والأدوات اللازمة له 500 دولار تدفع مرة واحدة، فيما تبلغ كلفة الخدمة شهريا 99 دولارا.

وتحقق “ستارلينك” إيرادات من خلال عمليات شراء الهوائيات وأجهزة المودم والاشتراكات بأسعار تتباين بحسب الدول.

وأطلق حوالي ثلاثة آلاف قمر صناعي لستارلينك منذ 2019، بينما تقوم “سبايس إيكس” بعملية إطلاق واحدة كل أسبوع، باستخدام صواريخها من طراز “فالكون 9” لزيادة سرعة نشرها.

وعقب الضجة التي أثيرت حول شراء ماسك لمنصة تويتر، التي يعدها البعض “ساحة دائرية رقمية”، لمناقشة القضايا الأساسية لمستقبل البشرية، أثير نقاشات حول سيطرته على التغيير في العالم.

وزاد الجدل حول مفهوم ماسك لحرية التعبير، حيث تضمن نوعا من الفوضى، وكذلك المخاوف من كيفية إدارته للمنصة مستقبلا، خصوصا أن أول ما قام به إلغاء قرار حظر ترامب عن المنصة، فتخوف البعض من تحويل “تويتر” إلى منصة للمحافظين.

ويصفه نشطاء بـ”المتهور” حيث يعرف عنه أنه لا يمكن التنبؤ مطلقا بقراراته وتفاعلاته، فهو مستخدم نشط لـ”تويتر”، ولديه 80.5 مليون مشترك، يغرد يوميا عن شركاته، ولا يتردد في التغريد ساخرا أو مثيرا الجدل والبلبلة في أسواق المال

شاهد أيضاً

مؤتمر دولي حول حصار غزة غدًا الإثنين

يعقد مجلس العلاقات الدولية – فلسطين (مستقل)، غدا الإثنين، مؤتمرا دوليا في غزة، يتناول الحصار …