الانتخابات الإيرانية ولعبة اختيار المرشد

وأخيرًا تم استكمال لعبة انتخابات مجلس الشورى” (البرلمان) ولعبة انتخابات ـ “مجلس الخبراء” المعني بتحديد خليفة المرشد الأعلى في الدولة الإيرانية.

لقد حاول المرشد الأعلى علي خامنئي, مسبقاً، وقبل الانتخابات تحقيق عدد من الأهداف كي يخدم النظام، ويضمن استقراره من بعده، ويستطيع بالتالي الحفاظ على مصالح عائلته.

وأولها: رفع نسبة المشاركة الانتخابية بهدف تبييض صورة النظام الملوثة بخطايا الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، فكانت فكرة جمع انتخابات مجلسي الشورى والخبراء معاً في وقت واحد لرفع نسبة المشاركة، وجعلها أكثر شرعية وذلك من خلال الإعلان عن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية للمجلسين التي وصلت لحوالي 60 % ، على الرغم من أن التجارب الانتخابية السابقة أثبتت أن معدلات نسبة إقبال الناخب الإيراني تاريخياً كانت متدنية بشكل كبير في انتخابات مجلس الخبراء على وجه التحديد. من هنا فإن خطورة وضع مجلس الخبراء ودوره القادم ستكون مصيرية لحد كبير؛ لأنها معنية بالأصل بتحديد مسار إيران ” الدولة والثورة ” بعد انتخاب المرشد القادم لإيران، حيث ألح النظام بشكل كبير على ضرورة مشاركة مصوتي “مجلس الشورى” في انتخابات “مجلس الخبراء” أيضاً في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من أن  “مجلس الخبراء” هو المسئول الفعلي والعملي بموجب الدستور عن تعيين مرشد أعلى جديد والإشراف على عمله وعزله إذا ما أخلّ بواجباته، إلا أن القدرة الفعلية لـ “مجلس الخبراء” على اختيار المرشد ومساءلته كانت شبه معدومة على أرض الواقع، وذلك قياسا على  التجارب السابقة .

على هذا الأساس يمكن فهم الخطة التي رسمها خامنئي والحرس الثوري وبعض المستشارين المقربين لتصفية النخب المعارضة وفلترتها، ومنعها من خوض انتخابات مجلس الخبراء، وإحباط مخطط (حسن خميني – رفسنجاني) الذي كان يقوم على افتراض إجراء تعديلات جوهرية على منصب المرشد، واستحداث موقع مجلس القيادة .

ثانيها: ممارسة سياسة إعلامية غير مسبوقة لتعبئة الداخل الإيراني باتجاه الخطر والمؤامرة الخارجية، ومحاولة إيهام الرأي العام أن تيار الفتنة سوف يعود لإيران انطلاقاً من مخطط خارجي مدعوم بقوى خفية تهدد وحدة إيران وأمنها  .

ثالثها: التهديد بنصب المشانق “لقوى الفتنة” في عموم إيران، ودخول النخب الدينية القريبة من المرشد وبعض قيادات الحرس الثوري على خط  التبشير بتنفيذ تعهداتها للدفاع عن قيم الثورة ومبادئها، ولم يسلم رفسنجاني وحسن الخميني وحتى الرئيس السابق محمد خاتمي من هذه التهديدات .

نتيجة الانتخابات 

نجح النظام الإيراني في توظيف موضوع الإقبال الجيد على الانتخابات لصالح النظام؛ مما  قد يعزز من شرعية خامنئي وأعوانه أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. من هنا يبرز السؤال الرئيس حول ما إذا كان حلفاء الرئيس روحاني ورفسنجاني قادرين من خلال هذه المقاعد على الحسم وتغيير مسار المشهد السياسي، أو حتى المساهمة في التأثير على صناعة القرار بشكل مؤثر من خلال كلتا المؤسستين ” الشورى والخبراء ” في آن واحد؟ .

كيف مارس النظام لعبة الانتخابات؟  

مارس النظام لعبة الانتخابات من خلال:

  • تصفية المعارضة الحقيقية والمحتملة للنظام ومؤسساته الثورية، من خلال منع الرموز البارزة التي كانت تتطلع للمشاركة في الانتخابات من الترشح حيث عارض خامنئي ترشحها، وتذرع مستشارو المرشد بضرورة الاجتماع مع خامنئي، والحصول على موافقته الضمنية، لخوض غمار الانتخابات، لكن ذلك لم يكن كافياً، حيث تركت هذه المهمة لغيره؛ خصوصاً مع مجلس الخبراء، وهو بالضبط ما جرى مع حفيد الخميني الذي بارك خامنئي ترشحه لانتخابات مجلس الشورى، ثم أشار المرشد بسبابته إلى  “جنَّتي” لمنعه من الترشح عن طريق مجلس صيانة الدستور؛ بحجة حماية النظام من وصول تيار الفتنة إلى مؤسسات النظام.
  • تبني موضوع عدم الأهلية بناءً على عدة معايير مقدسة، لا سيما ما يتعلق بولاء المرشح  “العملي” الكامل للمرشد الأعلى أولاً ، والاعتراف بالسلطة الدينية والدنيوية له ولسلفه من بعدهثانيا، وإلا سيكون مصير المخالف الإقصاء، ويلقى نفس مصير السيدة (معصومة علوي) التي حرمت من الترشح، وأصبح حفيد الخميني يشاركها نفس السبب “نقصان العقل والدين”؛ وقد شكك الخامنئي نفسه في العملية الانتخابية من أساسها، قائلاً: “إن الحكومة تقرر من سيفوز فيها؛ وليس الشعب.
  • عمليات التزوير المحكمة من خلال الدفع بأعضاء مؤسسات النظام ومنتسبيها للتصويت عدة مرات لإنجاح المرشحين المدعومين منها ومن خامنئي في عدد من المناطق، بهدف حسم النتيجة النهائية، وهذه قد ضمنت أولاً ألا تخرج نتائج الانتخابات عن مخططات المؤسسات الصلبة؛ وفي مقدمتها الحرس الثوري، وأن لا تخرج أيضاً عن آمال وطموحات المرشد الأعلى خامنئي. وفي نظرنا أن تهافت الإعلام العربي للتأكيد على الإقبال الكبير للمصوتين وأنه فاجأ النظام الإيراني، خطأ فادح، لأن أجهزة الدولة لديها الإلمام والقدرة على تقدير القاعدة الشعبية لكل مرشح، وهي تتقصد ذلك لتروّج أنها دولة ديمقراطية بامتياز.
  • توظيف فكرة “الهامش والأطراف للمحافظين والمراكز الأخرى للإصلاحيين” لتنفيذ مخططات تزوير الانتخابات، حيث استغل النظام الظروف الاقتصادية التي عنوانها الفقر والفاقة، لغرض دفع الإيرانيين للتصويت بكثافة؛ خصوصاً في المدن الصغيرة والهوامش والأطراف، حيث استغل الحرس الثوري والمؤسسات الثورية هذا الواقع، لدفع  العشرات من رموزه للترشح في هذه المناطق المهمشة، التي يسهل فيها التزوير .
  • تصفية الحسابات مع الخصوم؛ فقد ميز نتائج هذه الانتخابات عن سواها اخفاق عدد من مراجع التقليد، وفي مقدمتهم آية الله محمد تقي وآية الله مصباح يزدي، في الوصول لمجلس الخبراء، وكان تيار الرئيس السابق أحمدي نجاد قد دعم يزدي الذي كان يأمل أن يكون المرشد القادم لإيران، وبهذا تجاوز الثوابت المقدسة للنظام الإيراني ومبادئه، ومن ثم كانت الرسالة واضحة ليزدي ومن والاه من الأجنحة السياسية التي دعمته، والتي مفادها إننا نحن من يقرر من هو المرشد، وليس أنتم .
  • تجزئة الأجنحة إلى فصائل، وتوظيف هذا المتغير في إعادة التركيب والتفكيكالنهائي لرسم الصورة، فمع اقتراب موعد الانتخابات، جرت عملية جراحية لتغيير خارطة الفاعلين في المشهد الانتخابي، ولم تعد صورة الصراع التقليدي بين جناحي المحافظين والإصلاحيين؛ بل جرت عملية تفكيك غير مسبوقة لتقسيم كل جناح؛ وهي لعبة سياسية نجح النظام الإيراني في الدفع باتجاهها، لغرض تلميع صورة النظام داخلياً وخارجياً، ومحاولة إظهاره بمظهر النظام التعددي الديمقراطي، ومن شأن ذلك رفع  نسبة المشاركة الشعبية، وإنتاج مشهدٍ يتسم بالتعددية في الاختيارات والسياسات والبرامج ونكهات وبوسترات مختلفة، فتمت إعادة المشهد وفق مصطلحات وقوائم مثل :

الجناح المحافظ: الجبهة المتحدة, جمعية رجال الدين المناضلين، جبهة الاستقامة، تجمع يكتا، جبهة الصمود، فريق نهج الولاية، وجبهة التطور والعدالة .

الجناح الإصلاحي: رابطة رجال الدين المناضلين، رابطة مدرسي ومحققي الحوزة العلمية، حزب الثقة الوطنية، حزب سيادة الشعب، حزب نداي إيرانيان، حزب اتحاد الشعب.

المعتدلون: حزب كوادر البناء، حزب الاعتدال والتنمية .

المستقلون: وهم شخصيات مختلفة التوجهات والمشارب.

يبدو من نتائج الانتخابات أن النظام كان يُدرك مدى التدني الكبير في شعبيته، فحاول توزيع أنصاره بين أحزاب وتيارات ومستقلين، وفي أثناء ذلك حاول طرح برامج وشعارات يمكن أن تلقى قبولاً  لدى الشارع الإيراني، واللعب على وتر الإصلاحات الاقتصادية ومحاربة الفساد، والانفتاح على الخارج, لجذب المزيد من الأصوات، وعند الجلوس على مقاعد البرلمان سوف تُعاد عملية  إعادة عملية الفك والتركيب وفق رغبة خامنئي وحرسه الثوري؛ وسوف يُشكلون في النهاية حركة متجانسة لإدارة ملفات إيران الداخلية والخارجية بمزيد من التشدد .

تحديات المرحلة القادمة

 اختيار المرشد: سيصبح أعضاء “مجلس الخبراء ” الجدد لاعبين سياسيين مهمين في اختيار خليفة خامنئي المعتل صحياً، على الرغم من الدور البروتوكولي الذي اضطلع به “مجلس الخبراء” في اختيار المرشد بعد الخميني، حيث انتخب “المجلس” خامنئي خلفا للخميني منذ حوالي ثلاثة عقود، ولكن الإجراءات الفعلية التي اتُبعت لاختياره ما زالت تثير الكثير من الشكوك والظنون .

 لكن اللافت فيما جرى الآن، أن نسبة الاصلاحيين في قوائم الناجحين في الانتخابات الخاصة بمجلس الخبراء لم تتعد 22 % من إجمالي المقاعد، وبالتالي لن يكون لهم دور ترجيحي في اختيار المرشد القادم, وذلك نكون أمام ثلاث ملاحظات:

الملاحظة الأولى: أن  قسماً لا بأس به من المرشحين لعب المرشد والحرس الثوري دوراً محورياً في التوجيه لانتخابهم، ما يعني أن  الباسدران” الحرس الثوري “، والمؤسسات الثورية النافذة الأخرى سيكون لها اليد الطولى والقرار النهائي في تعيين المرشد الأعلى المقبل، رغم ما يبدو من أن الشعب الإيراني هو من ينتخب مرشده.

الملاحظة الثانية: أن أعضاء “مجلس الخبراء” الجدد الذين جرى انتخابهم، تتراوح أعمارهم بين 65 – 85 عاماً على وجه العموم، وأن متوسط أعمار الجناح المحافظ  تتراوح أعمارهم بين 78- 85، مع ملاحظة أن هذا “المجلس” سيبقى لمدة سبع سنوات قادمة، حتى العام 2023، وبالتالي سيقوم إما باختيار مرشده القادم من بين أعضائه الطاعنين في السن، ليكون دمية بيد الحرس  الثوري نظرا  لسنه وضعف قدرته على ممارسة مهامه، والتحدي الآخر في حال إكمال هذا المجلس لولايته يتمثل بوجود مجلس خبراء متوسط أعمارهم ما بين 73-92 عاماً ، مع نهاية مدة مجلس الخبراء.

 الملاحظة الثالثة: وهي تدور حول المرجعية والمرتبة العلمية، حيث نجد أن معظم تركيبة “مجلس الخبراء” من درجة آية الله، ومنهم من لم يكتسبها بحكم الأهلية في الفتوى والمرجعية كالرئيس رفسنجاني، الذي اكتسب اللقب بحكم موقعه السياسي، وهو حال المرشد الحالي خامنئي. وقد بدأت الأصوات تتعالى من داخل الحرس الثوري، وبعض نخب مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور لإعادة الاعتبار لهذا الموقع من الناحية الدينية والسياسية، في إشارة واضحة لاستبعاد رفسنجاني من الموقع مستقبلاً . في الوقت الذي أعلن فيه رفسنجاني تشككه في المؤهلات الخاصة بمنصب المرشد، خاصة ما يتعلق بعملية الاجتهاد، ولفت إلى أهمية إعادة النظر في صلاحيات “مجلس  شوراى نكهبان” أو مجلس صيانة الدستور” الذي منعه  في إحدى المرات من المشاركة في الانتخابات الرئاسية.

كذلك  يعكس ما واكب هذه الانتخابات ونتائجها سياسة الحرس الثوري الممنهجة في إقصاء ما أصطلح على تسميته “دور العائلة الثورية” في السياسة الإيرانية، حيث شهدت السنوات الأخيرة  تهميش معظم العائلات التي ساهمت في انتصار الثورة، وفي مقدمتها عائلة الخميني، رفسنجاني، كروبي, لصالح جنرالات الحرس الثوري، ونظرة فاحصة إلى مجريات هذه الانتخابات، وفرز عملية المرشحين ونتائجها تؤكد ذلك.

انفراج مع الخارج 

ليس هناك شك بأن الشعب الإيراني هو الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات، فقد شعر بالإحباط  مجدداً بعد إعادة تسلط الجناح المحافظ والحرس الثوري على مقاليد صناعة القرار الداخلي والخارجي، إضافة إلى أن  نتائج الانتخابات توجه رسالة واضحة للخارج مفادها استمرار طهران في سياسة التشدد وعدم الانفراج، وأن هذه السياسة سوف تؤدي إلى مزيد من انخراط إيران الدامي في تصعيد الأزمات الإقليمية، حيث سيعتبر خامنئي أن نسبة المشاركة العالية في الانتخابات، وما أفرزته من وصول التيار المحافظ إلى مقاعد مجلسي الشورى والخبراء هو استفتاء وتفويض  على سياساته الدموية في الإقليم، وربما سنشهد في قادم الأيام صراعات بين أجنحة النظام نتيجة اختيار المرشد القادم ، التي لن تكون عملية سهلة؛ على ضوء اختلال معادلة التوازن داخل مؤسسات النظام.

…………..

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …