الدور الاقتصادي للجيش الجزائري


سيبقى الدور الاقتصادي للجيش الجزائري على مساره الحالي منخرطًا كمؤسسة في الحياة الاقتصادية حادًّا من سلطة ونفوذ قطاع الأعمال، لكنه لا يسير على المسار المصري المتحكم في جزء كبير من اقتصاد البلاد وذلك بحكم توغله المحدود في الاقتصاد.

طوَّر العديد من دول الجنوب صناعات عسكرية ليس فقط للحد من وارداتها من الأسلحة، بل وللمساهمة في النمو الاقتصادي الوطني وللتصدير أيضًا، ومع مرور الوقت تحولت من مستوردة للأسلحة بنسب مرتفعة إلى مصدِّرة لها بمستويات عالية. في إفريقيا، تعد جنوب إفريقيا رائدة في هذا المجال لتطويرها صناعة عسكرية متقدمة جعلتها مصدِّرة للأسلحة. وتسعى دول إفريقية للسير على خطاها مثل نيجيريا التي تطور قدراتها الصناعية العسكرية معتمدة على مؤسسات عامة وخاصة(1). أما في الشرق الأوسط فتمثل تركيا النموذج الأرقى؛ فبعد أن كانت في حالة تبعية في مجال التسلح، أصبحت اليوم أحد أهم منتجي العتاد العسكري والأسلحة ضامنة بذلك استقلاليتها الاستراتيجية. فهي تصنع، في 2020، حوالي 70% من حاجاتها، مقابل 20% في 2002. وتهدف لتحقيق الاستقلال التكنولوجي في أفق 2030(2). قد يكون هذا الهدف الاستراتيجي صعب المنال في فترة زمنية قصيرة بالنظر لاعتمادها على منظومات إلكترونية غربية متقدمة تزود بها أسلحتها مثل منظومة التحكم كندية الصنع التي تجهِّز بها مسيَّراتها المحلية الصنع(3). عربيًّا، مصر هي الأكثر تقدمًا في هذا المجال. لكن، على عكس تركيا، فإن عدم ترشيد صناعتها الحربية وعدم التركيز على الإدماج والتعزيز التكنولوجي حال دون تطويرها لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية(4)، خاصة مع انخراط الجيش في مختلف القطاعات الاقتصادية غير العسكرية. فماذا عن الجزائر في هذا المخاض التصنيعي العسكري والاقتصادي عمومًا؟

بعد أن ظل بعيدًا عن النشاط الاقتصادي مكتفيًا ببعض الصناعات العسكرية البحتة المحدودة (مواد متفجرة وذخائر)، تبنَّى الجيش الجزائري، منذ حوالي عقدين، استراتيجية صناعية تتعزز باستمرار، لاسيما في السنوات الأخيرة؛ ما جعل الصناعات العسكرية بوابته نحو ولوج الحياة الاقتصادية. فما العوامل المفسِّرة لدخوله المعترك الاقتصادي فضلًا عن المعترك السياسي؟ وهل يسير على خطى الجيش المصري، الممارِس للسياسة والاقتصاد، أم يطور نموذجًا خاصًّا؟

واقع الصناعات العسكرية الجزائرية

تعود اللبنات الأولى للصناعة العسكرية في الجزائر إلى سبعينات القرن الماضي، لما بدأت السلطات في السعي لتلبية حاجات الجيش من الذخيرة والأسلحة الخفيفة(5). وبقيت محصورة، في الثمانينات، في صناعة بعض الزوارق السريعة بترخيص من شركة بروك مارين وبناء سفن صغيرة للحماية وسفن صيد، فضلًا عن سفن صغيرة للإنزال وصناعة الذخيرة(6). أما اليوم، فتصنع الجزائر محليًّا كل ما تحتاجه من أسلحة خفيفة وذخائر ومركبات وعربات نقل عسكرية، كما طوَّرت قطاع صيانة بعض الأسلحة المتقدمة مثل المقاتلات(7)، وتسعى إلى تطوير قاعدة تكنولوجية وصناعية من خلال التحالفات الاستراتيجية في مجال الأسلحة الصغيرة والخفيفة والصناعات الأخرى لاسيما الميكانيكية. وتعد مديرية الصناعات العسكرية، التابعة لوزارة الدفاع الوطني، الفاعل الأساسي في هذا القطاع. وتتمحور النشاطات الصناعية الحالية، التي تتكلف بها هذه المديرية، حول تجميع وتركيب مختلف أنواع العربات العسكرية، بالاعتماد على شراكات أجنبية، كما هي حال العربات من علامة مرسيدس-بنز(8) بالتعاون مع ألمانيا والإمارات العربية المتحدة. وحققت صناعة عربات النقل العسكرية والمدرعات والمركبات مزدوجة الاستعمال (العسكري والمدني)، تقدمًا مع نشاط شركة مرسيدس-بنز المحلية لصناعة السيارات، والتي أنتجت بين 2014 (عام تدشينها) و2018، ما يفوق 146000 مركبة من مختلف الأصناف. كما تتمحور نشاطات الجيش أيضًا حول صناعة الزوارق ومختلف السفن الصغيرة، منها سفن الإنزال، وصناعة الطائرات الخفيفة (للتدريب العسكري، وللمراقبة والحماية المدنية وللاستخدام الفلاحي)(9)، وكذلك إنتاج مروحيات عسكرية للنقل والمراقبة بالشراكة مع مؤسسة ليوناردو الإيطالية(10)، ومروحيات بحث وإنقاذ من علامة أغستاوستلاند(11). إضافة إلى أنظمة المراقبة بالفيديو وبالطبع صناعة الأسلحة الخفيفة والذخائر والمتفجرات، والتي تعود إلى أربعة عقود… كما تطور وزارة الدفاع صناعة محلية في بعض القطاعات الاستراتيجية مثل طائرات الاستطلاع المسيَّرة، بعد أن اشترت مسيَّرات مقاتلة من الصين. هكذا تُطور وزارة الدفاع، منذ ما يقارب عقدين، صناعة عسكرية، متبنية استراتيجية تصنيعية في المجال العسكري بالاعتماد على الشراكات وطنيًّا ودوليًّا… لكن لا تزال الصناعات العسكرية الجزائرية ناشئة وبحاجة إلى الكثير من الوقت لتطمح إلى إنتاج أسلحة متطورة، باستثناء صناعة الطائرات المسيَّرة المقاتلة والتي تم تجريبها لأول مرة في 2018.

يتكون النسيج الصناعي العسكري الجزائري اليوم من 15 مؤسسة، موزعة على مختلف القطاعات الإنتاجية (صناعات ميكانيكية، وإلكترونية، وكيميائية، ونسيجية، ومواد متفجرة وذخيرة…). تعزز هذا النسيج الصناعي، في يوليو/تموز 2019، بإنشاء مؤسسة تطوير المنظومات التقنية المكلفة “بضمان الدراسات والتصميم وهندسة المشاريع وصناعة أنظمة الأسلحة الخاصة والذخائر الخاصة”، وكذلك بمراقبة نوعية المنتجات والمشاركة في البحث والتطوير(12).

أهداف تطوير الصناعات العسكرية

تهدف الصناعة العسكرية، حسب قيادة أركان الجيش الجزائري إلى، أولًا: تلبية حاجات الجيش سعيًا للاكتفاء الذاتي. ثانيًا: لتلبية حاجات مختلف الأجهزة الأمنية والمؤسسات العمومية. ثالثًا: للاستجابة لحاجات السوق الوطنية عمومًا للمساهمة في تطوير القاعدة الصناعية في البلاد(13). وتعد مسألة الاكتفاء الذاتي رهانًا أساسيًّا لأنها من جهة تحدُّ من التبعية الاستراتيجية ومن جهة ثانية توفر أموالًا ضخمة للدولة لضخها في التنمية الاقتصادية، خاصة مع بلوغ الإنفاق العسكري مستويات مرتفعة في السنوات الأخيرة؛ حيث تضاعفت ميزانية الدفاع تقريبًا خلال العقد الأخير لتصل إلى 10.334 مليارات دولار، عام 2019، مقابل 5.368 مليارات دولار، عام 2010(14). ويعود هذا الإنفاق المرتفع إلى عدة عوامل، أبرزها: العقيدة الأمنية الجزائرية المستقلة القائمة على بناء قدرات دفاعية وطنية بعيدًا عن أية مظلة عسكرية خارجية؛ والتأخر في تأهيل القدرات العسكرية الجزائرية وتحسينها وتحديثها بسبب أزمة تسعينات القرن الماضي؛ والقلاقل الأمنية في الإقليم المغاربي-الساحلي (أزمتي ليبيا ومالي وتداعياتهما الأمنية)(15). وتشير تقديرات لمصادر أمنية جزائرية إلى أن تكلفة مراقبة وحماية الحدود الجنوبية للجزائر، بين 2011 و2020، بسبب الأزمة المالية، بلغت حوالي ملياري دولار(16). وبما أنها تبذل جهدًا حربيًّا دون أن تكون في حرب، أصبحت الجزائر أكثر دول المنطقة المغاربية-الساحلية ذودًا عن الأمن الإقليمي(17).

إلى جانب الأهداف الثلاثة سالفة الذكر، يوجد هدف آخر أفصح عنه مؤخرًا قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق سعيد شنقريحة، خلال ترؤسه، منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2020، اجتماعًا لمديري المؤسسات التابعة لمديرية الصناعات العسكرية لوزارة الدفاع، وهو ضرورة التصدير والتصنيع وعدم الاكتفاء بالتركيب، قائلًا: إنه يتعين على الجيش “توسيع دائرة اهتمامات الصناعات العسكرية، لتشمل ليس فقط تلبية احتياجات الجيش وأسلاكه المشتركة والسوق المحلية، بل تتعداه إلى الولوج إلى الأسواق الإقليمية، بل وحتى الدولية، والتفكير جديًّا في تصدير منتوجاتنا، شريطة الحرص على جودتها ومطابقتها للمعايير الدولية (…) فضلًا عن اعتماد الشفافية وأحدث طرق التسيير العصرية، والرفع من الإدماج…”(18). والواضح أن قيادة الجيش تريد تفادي فخ التركيب (بدل التصنيع الحقيقي) الذي وقعت فيه الصناعات المدنية لاسيما صناعات السيارات، لذا تؤكد قيادة الجيش على ضرورة تطوير نسبة الإدماج (نسبة التصنيع محليًّا مقابل التركيب).

ولوج الجيش عالم الاقتصاد: عوامل بنيوية وعامل طارئ

توجد ثلاثة عوامل أساسية متداخلة وراء تطوير الصناعات العسكرية في الجزائر؛ أولها: الحد من التبعية الاستراتيجية في مجال التسلح بتطوير صناعات محلية. ثانيها: التخفيف من العبء المالي للواردات العسكرية وسيسمح هذا بتخفيض الميزانية العسكرية المرتفعة(19) والتي بلغت، حسب سيبري، 10.334 مليارات دولار، عام 2019. ثالثها: تخصيص جزء من الاستثمارات العسكرية للسوق الوطنية عمومًا وخلق فرص عمل في البلاد. إلى جانب هذه العوامل البنيوية، يمكن أن نضيف عاملًا سياسيًّا طارئًا يتمثل في بروز “الكارتل المالي” في عهد بوتفليقة وتداعياته على موازين القوى والمصالح في البلاد.

ولاحظ رابح لونسيي، منذ عقد تقريبًا، أن نفوذ الجيش بدأ بالتراجع مع تنامي نفوذ رجال الأعمال المقربين من رئاسة بوتفليقة والذين أصبحوا قوة سياسية نافذة بمقدورها مستقبلًا أن تصنع هي الأخرى الرؤساء في الجزائر(20). وظَّف نظام بوتفليقة عائدات النفط الضخمة لإنشاء قطاع أعمال قوي موال له مع إبعاد الجيش عن الحياة الاقتصادية(21). ولا نبالغ إذا قلنا: إن سعي بوتفليقة لخلق قوة اقتصادية-سياسية نافذة، من خلال “الكارتل المالي”، الذي اعتمد عليه لتمويل حملاته الانتخابية، لإضعاف دور الجيش كمؤسسة، أسهم إلى حدٍّ كبير في شهية هذا الأخير الاقتصادية. وهذا ما يفسر اعتماده المقاربة الاقتصادية (والقضائية فيما بعد، في خضم الحراك) لإجهاض القوة السياسية الصاعدة لقطاع الأعمال الموالي لبوتفليقة. إذ أثار تصلب عود “الكارتل المالي” قلق الجيش، حتى وإن كان بعض أعضائه مرتبطين بعسكريين. وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إن الانخراط المتنامي للجيش، كمؤسسة، في الحياة الاقتصادية يندرج أيضًا ضمن استراتيجية مواجهة نفوذ “هذا الكارتل والحد من استيلائه على الاقتصاد”. وبما أن “الكارتل المالي” استفاد من سياسات الخصخصة باقتناء مؤسسات عمومية بالدينار الرمزي، فيبدو أن الجيش لا يريد أن يستولي هذا الكارتل بالطريقة نفسها على ما تبقى من المؤسسات العمومية؛ ومن ثم فإن دوره الاقتصادي يهدف أيضًا، فيما يهدف، إلى الحد من انخراط مسؤولين مدنيين وعسكريين في النشاطات الاقتصادية بإقحام الجيش كمؤسسة في الاقتصاد.

إشكالات الدور الاقتصادي للجيش

إذا كان انخراط الجيش في الاقتصاد يخدم استقلالية البلاد الصناعية ويسهم في الحد من الواردات وفي خلق مناصب شغل، فإن الاتجاه نحو عسكرة بعض الصناعات المدنية (نقلها إلى الجيش) سيطرح مسألة استحواذ الجيش على قطاعات واسعة من الاقتصاد لا تقتضي بالضرورة وضعها تحت إمرته لإنقاذها من الإفلاس. ومن ثم فبغض النظر عن العوامل الموضوعية المشار إليها التي اقتضت ولوج الجيش الحياة الاقتصادية، فضلًا عن العامل السياسي الطارئ، فإن دوره الاقتصادي المتنامي يثير إشكاليات عديدة؛ أولها: ظهور سردية (narrative) مهيمنة مستقبلًا تقول بأن الجيش مُنقذ المؤسسات من الإفلاس. حتى وإن كان هذا صحيحًا، فإن الحل ليس بالضرورة في اللجوء إلى الجيش وإنما في إعادة النظر في كيفية تسيير المؤسسات العمومية ومراجعة السياسات الحكومية في هذا المجال باعتماد الإدارة المحكمة ومحاربة الفساد. فاللجوء للجيش هو بحدِّ ذاته إقرار بفشل التسيير المدني للقطاع العام، ما دامت المؤسسات العمومية تعرف حالة عجز وإفلاس. وهذا ما سيؤثر في نهاية المطاف على العلاقات المدنية-العسكرية بترسيخ صورة الجيش المُنقذ ورداءة التسيير المدني.

ثانيها: مسألة تبعية القطاع الخاص للدولة وبقائه رهينة العلاقات المدنية-العسكرية. إذا كان القطاع الخاص في الجزائر يلعب دورًا متناميًا؛ حيث يسهم بحوالي 70 إلى 75% من إجمالي الناتج المحلي خارج المحروقات (باحتساب هذه الأخيرة تنخفض مساهمته إلى حدود 50%)، فإنه يتميز، لاسيما مؤسساته الكبرى، بعدم الاستقلالية عن الدولة بالنظر لغياب الشفافية والرقابة المؤسساتية؛ حيث تشوب الصفقات العمومية الممنوحة للقطاع الخاص شبهات ومخالفات قانونية، فضلًا عن حصول مؤسسات خاصة على قروض ضخمة من البنوك العمومية بقرار سياسي، يرتبط أصحابها عمومًا بأجنحة في السلطة. لذا، أصبح القطاع الخاص، في جزء منه على الأقل، يتطفل على اقتصاد البلاد لاستفادته (صفقات عمومية وقروض) من المال العام عن غير وجه حق، كما كشفت عنه الفضائح المالية والاقتصادية التي هزت البلاد في العقدين الأخرين. ووصل سطو بعض مؤسسات القطاع الخاص النافذة، المرتبطة بمسؤولين مدنيين وعسكريين، على اقتصاد البلاد إلى درجة استفادتها من احتكار مقنَّن ومنظم من قبل الحكومات المتعاقبة. ونظرًا للخلط بين عالم المال والسياسة كان من المنطقي أن يتأثر القطاع الخاص، أو على الأقل بعض رموزه، من تحولات العلاقات المدنية-العسكرية، كما تدل على ذلك المتابعات القضائية في حق بعض رجال الأعمال المحسوبين على بوتفليقة.

ثالثها: العلاقة المستقبلية بين القطاع العام المدني والقطاع الخاص من جهة والجيش من جهة ثانية مع ولوج هذا الأخير الحياة الاقتصادية وعدم اكتفائه بالصناعات العسكرية البحتة. فهل هذا التوجه يعني إقرارًا نهائيًّا بفشل القطاع العام المدني وفشل سياسات الخصخصة التي أوجدت قطاعًا خاصًّا مشوهًا بسبب ارتباطه بمسؤولين مدنيين وعسكريين وبسبب الفساد عمومًا.

رابعها: الإضرار بالمناخ التنافسي اقتصاديًّا، لأن انخراط الجيش في الاقتصاد بشكل كبير سيضر بمناخ التنافس وبالتالي بنمو القطاع الخاص وبحصته مستقبلًا في إجمالي الناتج المحلي. يمكن تفادي هذه المعضلة، ولو جزئيًّا بإشراك القطاع الخاص في الصناعات العسكرية، تلك الأقل استراتيجية في مرحلة أولى، ريثما تتضح البنى المؤسساتية وتوضع قواعد واضحة وشفافة لشراكة بين القطاع العام العسكري والقطاع الخاص تكون تحت رقابة مؤسساتية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن معظم شركات تصنيع الأسلحة في العالم خاصة.

خامسها: وجود نوع من الموقف الأيديولوجي المتمثل في الاعتقاد بأن المؤسسات العامة العسكرية ناجحة بالضرورة، بينما معظم شركات الصناعات العسكرية والدفاعية في العالم -كما قلنا- خاصة، فبعض الدول الغربية لا تملك شركات عامة معتمدة على شركات خاصة سمحت لها بتطوير صناعات عسكرية متقدمة جدًّا جعلتها من كبريات الدول المصدرة للأسلحة في العالم.

سادسها: زيادة حجم العمالة في القطاع العام دون أن يدخل ذلك بالضرورة في إحصائيات العمالة في التوظيف العمومي، بما أن الأمر يتعلق بالقطاع الاقتصادي العسكري. ولكن في نهاية الأمر فالدولة هي من يدفع رواتب عمال القطاع العام، سواء المدني أو العسكري. وهذا الاتجاه نحو تضخيم العمالة في القطاع العام يتناقض والاتجاه دوليًّا لخفضها والاعتماد أكثر فأكثر على القطاع الخاص. صحيح أن تطوير صناعة عسكرية في بعض القطاعات التي كانت مدنية في السابق يسمح بامتصاص البطالة إلا أنه يزيد أيضًا من حجم العمالة في القطاع العام عمومًا.

سابعها: إشكالية الشفافية والرقابة البرلمانية؛ فلا ميزانية الجيش ولا نشاطه الاقتصادي يخضعان للرقابة البرلمانية. لكن فاقد الشيء لا يعطيه؛ إذ كيف ببرلمان تُباع فيه المقاعد وتُشترى أن يراقب ميزانية الجيش ونشاطه الاقتصادي!

ثامنها: إمكانية حدوث تجاذبات وخلافات سياسية مستقبلًا بشأن إعادة المؤسسات الاقتصادية، غير عسكرية الطبيعة، التابعة للجيش، إلى القطاع المدني. فالسودان مثلًا يعيش اليوم جدلًا حول هذه المسألة وخلافًا بين نخبه السياسية والعسكرية، لرغبة الأولى في إخضاع مؤسسات تابعة للجيش (في مختلف القطاعات مثل الزراعة والطاقة والتعدين) إلى السلطة المدنية، فيما تعتبر الثانية مؤسسات الجيش الاقتصادية “خطًّا أحمر”(22).

الدور الاقتصادي للجيش: إلى أين؟

هل يسير الجيش الجزائري على خطى الجيش المصري الذي يتحكم بحوالي 40% من اقتصاد مصر؟ يختلف النموذج الجزائري الناشئ عن النموذج المصري، فانخراطه، كمؤسسة، في الحياة الاقتصادية الجزائرية لا يزال بعيدًا تمامًا عنه(23). على عكس الجيش المصري، لم يستفد الجيش الجزائري من الخصخصة وإنما يطور شراكات مع مؤسسات عمومية ويسيطر على تلك المهددة بالإفلاس، فضلًا عن شراكات مع مؤسسات أجنبية. فمثلًا، تؤكد وزارة الدفاع على أن قطاع النسيج العسكري يتطور لاسيما بفضل شراكة بين مديرية الصناعات العسكرية للوزارة ومؤسسات عمومية في قطاع النسيج تم إنقاذها من الإفلاس بفضل هذه الشراكة(24). كما تؤكد على أن الشراكة الصناعية بين القطاعين، العسكري والمدني، سمحت بتفادي غلق المصانع منذ 2012، بل أن مصانع أُغلقت أُعيد فتحها وتشغيلها بفضل هذه الشراكة(25). وفي إطار استراتيجية الشراكات هذه واستيلاء القطاع الاقتصادي العسكري على مؤسسات عمومية مهددة بالإفلاس، تعزز قطاع الصناعات الميكانيكية العسكرية باستيلاء مديرية الصناعات العسكرية، في مطلع 2020، على الشركة الوطنية للعربات الصناعية التي تعاني صعوبات مالية كبيرة (هذه الشركة منخرطة في شراكة مع الجيش في مشروع عربات مرسيدس). يشهد هذان المثالان على الاستراتيجية الاقتصادية للجيش الجزائري التي تتمثل في الاستيلاء على شركات عمومية في ضائقة مالية أو مهددة بالإفلاس.

كما أن استراتيجية الجيش الجزائري الصناعية تهدف إلى مواجهة “الكارتل المالي” للحد من نفوذه وتحكمه في الاقتصاد الوطني، كما قلنا، علمًا بأن هذا “الكارتل المالي” له حلفاء وشركاء في النخبتين، المدنية والعسكرية. فعلى عكس زواج المصلحة بين الجيش وقطاع الأعمال في النموذج المصري، فإن هناك صراعًا وتنافسًا بين الجيش وقطاع الأعمال -على الأقل جزئه الأكثر نفوذًا- في الجزائر. ومن ثم فإنه في ظل غياب توافق اقتصادي بينهما، يُبقي على التوازنات السياسية والمصلحية في النظام، فإن النموذج الجزائر الناشئ يبقى بعيدًا عن النموذج المصري أو ما يسميه يزيد صايغ “جمهورية الضباط”(26).

وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول: إن الدور الاقتصادي للجيش الجزائري سيبقى على مساره الحالي، أي انخراطه كمؤسسة في الحياة الاقتصادية (شراكات مع مؤسسات عمومية واستيلاء على بعضها الآخر) والحد من سلطة ونفوذ قطاع الأعمال، ولا يسير على المسار المصري (التحكم في جزء كبير من اقتصاد البلاد). بالنظر لحجم توغله المحدود للغاية في الاقتصاد، فإنه من غير المرجح أن يقترب الجيش الجزائري من النموذج المصري على المديين، القريب والمتوسط.

نقلا عن مركز الجزيرة للدراسات.  


Comments

comments

شاهد أيضاً

الدين الخارجي المصرى يتخطى 124 مليار دولار

 ممدوح الولي / المعهد المصري للدراسات  حقق الدين الخارجي المصرى طفرات مستمرة خلال مرحلة استيلاء …