الدولار يعصف بالجنيه والحكومة تلجأ لإضعاف العملة كبديل للتعثر في السداد

تجاوزت حدود سعر الصرف المرن للجنيه المصري كل التكهنات، وهوى إلى ما دون أسوأ توقعات بنوك الاستثمار المحلية والعالمية وخبراء الاقتصاد والمحللين الماليين، وسط حالة من الارتباك والذهول في الأسواق المصرية.

وقدّر تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية -قبل قرار تعويم الجنيه في نهاية أكتوبر 2022 انخفاض الجنيه المصري إلى نحو 24.60 جنيها مقابل الدولار بدلا من 19.70 جنيها، قبل إتمام مصر اتفاق قرض صندوق النقد الدولي.

لكن الجنيه كسر هذا الحاجز على مستوى البنوك المحلية والبنك المركزي، وتجاوز هذا الرقم الذي كان يبدو بعيدا عن توقعات الكثير من المؤسسات المالية وخبراء الاقتصاد، الذين تراوحت تقديراتهم ما بين 22 و23 جنيها للدولار.

أما في السوق الموازي وسوق الذهب، فإن الأرقام تخبر بما هو أسوأ من جميع تلك التوقعات؛ إذ تجاوز سعر صرف الجنيه في السوق السوداء 27 جنيها لكل دولار، وفي سوق الذهب تجاوز احتساب الدولار حاجز 30 جنيها.

وقال مصدران في السوق السوداء وسوق الذهب، للجزيرة نت، إنه لا أحد يعلم إلى أين سيصل سعر الدولار مقابل الجنيه والذي تجاوز كل الخطوط الحمراء سعريا ونفسيا، مما يعني أنه لا يوجد قاع لهذا الهبوط.

وأشارا إلى أن 3 عوامل أسهمت في زيادة الضغوط على الجنيه ودفعه إلى ما وراء التوقعات والتكهنات، وهي: شح العملة الصعبة في البنوك المحلية والبنك المركزي وضعف تدفق الأموال من الخارج والمضاربة على سعر الدولار.

واعتمد البنك المركزي المصري، نهاية الشهر الماضي، نظام سعر مرن لصرف قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، استنادا لآلية العرض والطلب في السوق، بالتزامن مع توصل مصر إلى اتفاق على قرض جديد مع صندوق النقد الدولي، مشيرا إلى اعتزامه إصدار “مؤشر الجنيه” الجديد.

وبحسب المركزي، فإن نظام سعر الصرف المرن سيعكس قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى بواسطة العرض والطلب، مع إعطاء الأولوية للهدف الأساسي للبنك المركزي المتمثل في تحقيق استقرار الأسعار.

وبرر “المركزي المصري” القرار بأن “الاقتصاد العالمي واجه العديد من الصدمات والتحديات التي لم يشهد مثلها منذ سنوات”، مشيرا إلى “تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مما تسبب في الضغط على الاقتصاد المصري، حيث واجه تخارجا لرؤوس أموال المستثمرين الأجانب، فضلا عن ارتفاع في أسعار السلع”.

ويبدو أن مكاسب الجنيه أمام العملات الأجنبية الأخرى مثل اليورو والجنيه الإسترليني التي ذكرها محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله قد تبددت هي الأخرى مع استمرار تراجع العملة المحلية أمام جميع العملات الأخرى، وأمام الذهب أيضا.

وضع مالي محفوف بالمخاطر

بات الحديث عن كسر حاجز 24.60 جنيها للدولار والذي أشارت إليه وكالة بلومبيرغ من الماضي، وأصبح الحديث الجديد عن حاجز أبعد كثيرا عند 28 جنيها للدولار، وفق تقرير لوكالة رويترز.

وأشارت الوكالة، في تقريرها، إلى أنه على الرغم من إجراء تخفضين كبيرين للعملة المحلية، والتوصل لاتفاق على حزمة إنقاذ جديدة مع صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، فإن خبراء اقتصاديين يعتقدون أن الوضع المالي للبلاد محفوف بالمخاطر.

وأوضح التقرير أن تجار العملات الأجنبية باتت لديهم قناعة بأن سعر صرف الجنيه سيبلغ 28 جنيها مقابل الدولار في هذا الوقت من العام المقبل، وقد وضع بنك “نومورا” (Nomura) الياباني مصر -في تقرير حديث- على رأس قائمة البلدان المعرضة بشدة لخطر أزمة العملة.

عبء مالي ضخم

يبلغ عجز الحساب الجاري المتضخم في مصر، وما يستحق سداده من ديون خارجية، 33.9 مليار دولار حتى منتصف 2025، ويترك البلاد عرضة للخطر”، ويعرض تصنيف البلاد للخفض، بحسب وكالة فيتش للتصنيف الائتماني.

ولا توجد دولة تنفق أكثر من 41% من الإيرادات الحكومية على مدفوعات الفائدة، باستثناء سريلانكا، التي تخلفت عن السداد، وغانا التي سرعان ما سوف تتخلف لاحقا، وفق تقرير الوكالة المثير للقلق.

أرجع مؤسس ورئيس شركة الاستشارات الاستثمارية “بويز إنفستمنت” شريف عثمان، تراجع الجنيه بوتيرة أكبر من المتوقع إلى زيادة الطلب على الدولار، وقال: “من الواضح حتى هذه اللحظة ورغم التخفيض الكبير في قيمة الجنيه ما زال الطلب على الدولار أكثر من المتاح والمعروض خاصة مع وجود التزامات خارجية مؤجلة”

وأوضح في تصريحات، للجزيرة نت، أن أي دولار تم توفيره وأغلبه من الأموال الساخنة يتم توجيهه لسد الطلبات المتأخرة للسلع المستوردة، مع العلم أن البنك المركزي باع كميات كبيرة عبر أذرعه البنكية -الأهلي ومصر- حتى يسد مراكز العجز التي كانت موجودة لديهم منذ أكثر من عام رغم الخسائر.

وفي اعتقاد عثمان فإن هذه المشكلة لن تحل حتى يتم وقف الاستيراد ومقاومة جماعات الضغط من كبار المستوردين وقصره على الضروريات وتصحيح ترتيب الأولويات كتوفير الدواء والسلع الغذائية ومدخلات الإنتاج الأساسية.

السماح للجنيه بالانخفاض إلى هذه المستويات يعني -بحسب الخبير المصرفي- أن مصر تسعى للتغلب على نقص العملة بخفض قيمة الجنيه حتى يصل إلى مستوى يعجب المستثمرين الأجانب سواء على صعيد الاستثمار المباشر أو غير المباشر وبالتالي يتوقف تراجع الجنيه، مشيرا إلى أن مصر تحاول حل أزمة نقص الدولار من خلال إضعاف العملة بدلا من التعثر عن السداد.

شاهد أيضاً

رايتس ووتش: بايدن يفقد نفوذه على بن سلمان في قضايا حقوق الإنسان

 كان مسؤولاً، وفقًا للاستخبارات الأمريكية، عن الموافقة على مقتل “خاشقجي”. ومنذ تلك الزيارة الكارثية، تقول …