الدولة الافتراضية والمواطن العالمي

المشهد الراهن لآثار الثورة الصناعية الثالثة على واقع الأنظمة السياسية والحكومات المركزية القائمة لا يزال في مراحله الأولى , إلا أن الواضح من آثاره تلك يكفي للتأكيد على أننا مقبلون على مرحلة عالمية جديدة حول طبيعة القوة والسياسة في القرن 21 , ستشكل فيها تلك التطورات التكنولوجية وثورة المعلومات والانترنت في العصر الرقمي أحد أبرز عوامل القوة السياسية من جهة, وعناصر ضعف الدول والحكومات من جهة أخرى.

وبالرجوع إلى التطورات السياسية التي شكلت البنية المتغيرة للسياسة العالمية منذ معاهدة “وستفاليا” التي أبرمت في العام 1648م وحتى تسعينيات القرن العشرين تقريبا , نلاحظ صمودًا متذبذبًا لبعض المفاهيم المتعلقة بالقانون والسياسة والعلاقات والنظام الدولي , وواحد من أهم تلك المفاهيم والمبادئ , مبدأ السيادة الوطنية للدولة, هذه السيادة التي تعتبر إحدى أهم المقومات الأساسية التي بنيت عليها نظرية الدولة في الفكر السياسي والقانوني، وإحدى أهم أسس التنظيم الدولي التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوقها والتزاماتها.

وتتجلى مظاهر السيادة في أية دولة عبر مظهرين أساسيين هما: المظهر الخارجي ، والمظهر الداخلي للسيادة, ويعرف مفهوم السيادة باختصار بأنه: السلطـة العليا للدولة على شؤونها الداخلية والخارجية, بالرغم من أن معنى تمام سيادة الدول لا يعني ( أنها مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية, بل تخضع دائما للقانون الدولي العام, وما يفرضه من قيود على حريتها في التصرف)(1)

وبمعنى آخر, ( من النادر جدا بالنسبة لأي دولة متورطة في حقل العلاقات الدولية أن تتمتع بالحرية الكاملة أو المطلقة – أي الحرية السيادية أو الاستقلاليةـ على نفسها وقراراتها وتصرفاتها وأنشطتها انطلاقا من نفس القانون الذي منحها تلك السيادة والاستقلالية, ونحن هنا عندما نتحدث عن ذلك التورط, فإننا نقصد أن أغلب دول العالم اليوم مضطرة بشكل لا إرادي إلى إقامة علاقات مع بقية أعضاء المجتمع الدولي, وبالتالي قبول الطرف الآخر بكل عيوبه وحسناته ونشاطاته وتصرفاته, فسنة الحياة تجعلها تتداخل في علاقاتها مع الآخرين, وحتى إذا افترضنا أن مجتمعًا من المجتمعات لم يكن بحاجة إلى التعامل مع الآخرين, فإن المجتمعات الأخرى بحاجة إلى التعامل معه, وهكذا تتشابك العلاقات والمصالح الدولية لا إراديا بين مجموعات وأطراف وفاعلي المجتمع الدولي )(2).

ورغم أن نظام الدول ذات الاستقلال والسيادة سيظل النمط المسيطر في العلاقات الدولية حتى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين, أي بعد مرور 368 سنة على إقرار معاهدة “ويستفاليا” التي يعود إليها نشوء مبدأ استقلال الدول وسيادتها, فان المرء يستطيع البدء بتمييز وملاحظة نمط جديد من المجتمعات المتداخلة قائلا بالتشكل ونوع من الإدارة يحملان شيئا من الشبه بالوضع الذي كان سائدا قبل أن يصبح نظام الدول ذو طابع رسمي بمعاهدة سلام ويستفاليا ( فالاتصالات العابرة للقومية عبر الحدود السياسية كانت نماذج مألوفة في عهد الإقطاع, ولكنها صارت مقيدة على نحو متزايد بنشوء الدول أو الأمم المركزية )(3).

هذا النمط المجتمعي والإداري في السياسة والعلاقات الدولية الذي بدأ بالتشكل بشكل تقريبي مع بداية تسعينيات القرن الماضي, وتحديدا مع وصول المركزية في القرن العشرين – الدولة الشمولية – أوجها التاريخي على يد جوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتي , حيث يقوم على انتزاع وتفتيت تلك الصفة عن الأنظمة والحكومات والدول في القرن 21 بشكل متدرج وسريع للغاية, يعتمد على  حركة المرور عبر شبكات الاعتماد المتبادل على صعيد العالم , رغم أن البدايات الأولية للانترنت انطلقت مع  أول “مودم” يسمح بنقل البيانات الرقمية عبر خط الهاتف في العام 1958م .

ما يعني أن مبدأ سيادة الدول واستقلالها والذي ولد في القرن السادس عشر مع انهيار النظام الإقطاعي وظهور حركة الإصلاح الديني والذي دفع بدوره إلى تركيز السلطة في أيدي حكام وملوك الأنظمة السياسية القائمة في وقتها ولا زال مستمرا حتى وقتنا الراهن, يمر اليوم بمفترق طرق رئيسية في النظام العالمي الجديد أو الرقمي, أبسط ما يمكن القول عنه, إنه يسير نحو التراجع والانهيار والتفتت أمام ضربات العولمة الموجعة بمساندة ثورة المعلومات والمجتمعات الرقمية, وهو أمر يؤكده المشهد السياسي والاقتصادي الدولي على صعيد السياسة والعلاقات الدولية, وكذلك القانون الدولي حيث تجاوزت فيه تلك الأيقونات العابرة للقارات آخر الصلاحيات القانونية والسيادات الإقليمية. وباختصار , فإن هذه التحولات تشير إلى إبطال مفعول الدولة المركزية الحديثة التي كانت تسيطر على السياسة العالمية منذ القرن 16 وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا.

صحيح أننا ( لا نزال في مرحلة مبكرة من ثورة المعلومات الحالية, وتأثيراتها على الاقتصاد والسياسة متفاوتة, وكما كان الحال في البخار في أواخر القرن الثامن عشر, والكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر , فإن نمو الإنتاجية قد تلكأ متأخرا بينما كان على المجتمع أن يتعلم كيف يستخدم التكنولوجيات الجديدة استخداما كاملا, وذلك كون المؤسسات الاجتماعية تتغير على نحو أبطأ من التكنولوجيا )(4)

وعلى سبيل المثال فإن المحرك الكهربائي اُخترع في العام 1881 ولكن لم يحدث إلا بعد ذلك التاريخ بأربعة عقود تقريبا أن أخذ هنري فورد زمام الريادة في إعادة تنظيم المصانع لتحصل على الفائدة الكاملة من القوة الكهربائية, لذا فإن تأثيرات العصر الرقمي على سيادة الدولة الوطنية لا زالت في بداياتها المبكرة, بالرغم من أن تلك البداية كانت قوية جدا نظرا لطبيعة وأبعاد قوة هذا الوحش المتجسد في شبكات الانترنت ووسائط التواصل الاجتماعي وثورة المعلومات.

القياسات التاريخية السابقة تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسة العالمية في القرن 21, ( حيث تغيرت الاقتصادات وشبكات المعلومات بسرعة أكثر بكثير من سرعة تغير الحكومات, وتنامت أحجامها بأسرع من تنامي السيادة والسلطة) (5) كما أن هناك اتجاهين آخرين لهما علاقة وثيقة بثورة المعلومات, ويعززان التكهن بأن هذا القرن سيشهد تحولات في موقع الأنشطة الجماعية بعيدا عن الحكومات المركزية) وهما: أن ثورة المعلومات صنعت قوى وعناصر فاعلة خاصة عابرة للقومية غير سياسية ولكنها تؤثر بشكل رئيسي ومباشر في سياسات الدول وسيادتها الوطنية كشبكات التواصل الاجتماعي ” تويتر , فيس بوك , والواتساب , وغيرها , و( كذلك قد وسعت ثورة المعلومات من دور الأسواق – الشركات متعددة الجنسية والخصخصة – وتأثيرها على سياسات الدول بطريقة جعلت الدولة مصدرا واحدا للسلطة من بين عدة مصادر)(6).

الدولة الافتراضية والمواطن العالمي

إذا نحن اليوم نعايش مرحلة جديدة من مراحل التغيير في هياكل بناء الدولة التقليدية في القرن 21 , ربما سيتراجع فيه مع الوقت نوعا ما عنصر مهم من عناصرها المكونة لبنائها القانوني والسياسي, وهو عنصر السيادة الوطنية, باتجاه ما يمكن أن يطلق عليه في العقود القادمة الدولة الرقمية أو الافتراضية أو المواطن العالمي , صحيح أن الدول ذات السيادة ستستمر بتأدية دور كبير في السياسة العالمية لزمن ليس بالقصير , ولكن ذلك لن يستمر إلى ما لا نهاية, بل سيتعين عليها مع الوقت التنازل عن بعض من سيادتها واستقلالها الكامل أمام ضربات العولمة, وستكون أقل عزلة وانطواءً على نفسها, وأكثر مسامية, وسوف يتعين عليها أن تتقاسم مسرح السيادة الوطنية مع مواطنيها, بل ومع أفراد وأسر دولية من الخارج .

 وكما يؤكد ذلك اريك شميدت الرئيس التنفيذي لشركة جوجل وجاريد كوين مدير قسم الأفكار في نفس الشركة في كتاب “العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال” بأن  الدول وخلال العقود القادمة والتي ستخضع فيها سيادتها الوطنية لعوالم وأيقونات وضربات المملكة الافتراضية ( ستحن إلى تلك الأيام التي لم يكن عليها فيها سوى التفكير بالسياسات الخارجية والمحلية في العالم الفيزيائي, ولو كان بالإمكان استنساخ هذه السياسات إلى المملكة الافتراضية فلربما كان مستقبل فن السياسة أقل تعقيدا, ولكن على الدول أن تتعايش مع حقيقة أن الحكم في الوطن مع فرض النفوذ –والسيادة الوطنية – في الخارج والداخل بات أصعب بكثير اليوم )(7).

الجغرافيا الافتراضية

خلاصة القول أن السنوات القادمة ستشهد وبوضوح تراجع ما يسمى بسيادة الدول على أراضيها وتفتت ما يطلق عليه بمبدأ السيادة الوطنية باتجاه دول افتراضية وسيادة جزئية تتحكم بها الثورة المعلوماتية ,والتجمعات الرقمية أو شبكات التواصل الاجتماعي, وكذلك الشركات العابرة للقارات, لتكون السيادة القادمة ليس للجغرافيا السياسية بقدر ما ستكون للجغرافيا الافتراضية, وستتحول الأنظمة السياسية القادمة إلى حكومات إلكترونية والأفراد إلى مؤثرين فاعلين في سيادة تلك الأنظمة سواء الداخلية او الخارجية, فيما يمكن أن يطلق عليه بنهاية السيادة الوطنية وبداية الدولة الكونية الافتراضية أو الرقمية.

…………………..

  • صلاح أبو طه, د.إسحاق , القانون الدولي العام, دار الكتاب الجامعي, الإمارات العربية المتحدة, ط1/ 2015م
  • الفطيسي , محمد سعيد, وهم التحكم: نهاية عقود الاستقلال وسيادة الدول, صحيفة الوطن العمانية, 30/11/2015م, alwatan.com
  • جوزيف.س.ناي الأصغر, مفارقة القوة الامريكية, تعريب د. محمد توفيق, العبيكان, الرياض , ط ع 1 / 2003م
  • إيريك برينجولفسون وبيان كهين, فهم الاقتصاد الرقمي, مطبعة معهد ميتشجن للتكنولوجيا, كمبريدج ماساشوسيتس, بدون ط/ 2000م
  • جوزيف.س.ناي, مرجع سابق.
  • سوزان سترينج, تراجع الدولة, كمبريدج/المملكة المتحدة, مطبعة جامعة كمبريدج , بدون ط/1996م
  • اريك شميدت وجاريد كوين, العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال, ترجمة: أحمد حيدر, الدار العربية للعلوم/بيروت , ط1/2013م

Comments

comments

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …