الشيخ رائد صلاح يكتب: كلمات وفاء للمرحوم الشيخ يوسف القرضاوي

ضمّت مكتبة المرحوم الشيخ يوسف القرضاوي أكثر من 100 كتاب كتبها بقلمه، ومن خلال قراءتي لبعض هذه الكتب، أستطيع أن أقول إن ما ميَّز هذه المكتبة ما يلي:

  • هي مكتبة فكرية وعقدية وفقهية وأدبية، واستشراف للمستقبل.
  • قامت هذه المكتبة على خطاب التفاؤل والتأكيد الدائم أن المستقبل للإسلام، وأن القرن القادم هو قرن الأمة الإسلامية، وأننا على أبواب خلافة راشدة على منهاج النبوة تملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، ولا بقاء لظلم أبدي ولا لباطل أبدي.
  • هي مكتبة وسطية جمعت بين التمسك بالأصول وفهم الواقع، ثم صياغة الفتوى على ضوء هذا الجمع بينهما، وبهذه الوسطية أصبحت هذه المكتبة مرجعا لكل مسلم ومسلمة ولكل أسرة مسلمة في كل الأرض.
  • هي مكتبة قامت على التضافر بين ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية، فلا يمكن أن تتصادم هذه الأصول الثلاثة، بل تكمل بعضها على صعيد دائرة الأمة الإسلامية والعروبة والوطنية الفلسطينية، ومن يسعى الى اختلاق تصادم بين هذه الأصول الثلاثة، فسعيه مردود عليه، ومن يسعى تقديم العروبة كبديل عن دائرة الأمة الإسلامية أو تقديم الوطنية الفلسطينية كبديل عن العروبة، فسعيه مردود عليه.
  • سعت هذه المكتبة طوال الوقت للحديث عن قضية فلسطين كقضية كل الأمة الإسلامية، وكقضية كل العالم العربي إلى جانب كونها قضية الشعب الفلسطيني، لأن هذه القضية تجمع بين هذه الأصول الثلاثة الإسلامية العروبية الفلسطينية.

    هذه المكتبة الجامعة المانعة، لم تكن مجرد مكتبة جامدة، ولم تكن مجرد حبر على ورق، بل اجتهد فضيلة المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي أن يترجم كثيرا من الطروحات في هذه المكتبة إلى مشاريع عملية نابضة بالحياة، وإن سيرته الطويلة العريضة تؤكد لنا ذلك.

  • نجح المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي بواسطة مكتبته الجامعة المانعة، أن يقدم المشروع الإسلامي كبديل حضاري لكل أهل الأرض يسعى إلى إفشاء العدالة الاجتماعية العالمية، والسلام العالمي والكرامة الإنسانية العالمية، والحرية الراشدة العالمية، من خلال حكم إسلامي ذي سيادة وسلطان ومنعة على منهاج النبوة يملك القدرة على تجديد دوره الحضاري الذي كان، ويملك القدرة على الإبداع التكنولوجي واستثماره من أجل سعادة البشرية ورقيها، بعيدا عن جشع النظم الأرضية بمسمياتها المختلفة التي تعمل اليوم على تكريس هيمنتها وقهرها وعلوها في الأرض وجر الشعوب لفوضى الحروب وتجارة السلاح والتلاعب بخيرات الأرض ومناخها وكنوزها المدّخرة التي خلقها الله تعالى نعمة لا تحصى لهذه البشرية المتعثرة المترنحة في هذه الأيام.
  • نجحت هذه المكتبة الجامعة المانعة، أن تقف بالمرصاد لكل من حاول أن يحرّف الفهم السليم للمشروع الإسلامي بادّعاء الانتصار لهذا المشروع، ولذلك لم تهادن هذه المكتبة الجامعة المانعة من تبنوا خط التكفير لغيرهم من دعاة المشروع الإسلامي وأبنائه، بكل المسميات القديمة والجديدة لأتباع هذا الخط التكفيري الذين غالى بعضهم وولغ في دماء المسلمين وأزهق أرواحهم، واستباح نهب ممتلكاتهم.
  • نجحت هذه المكتبة الجامعة المانعة أن تثري الحركة الأدبية بعدد من الدواوين الشعرية والمسرحيات الهادفة، مثل مسرحية (عالم وطاغية)، وكما يعلم الجميع فقد تحولت الكثير من قصائد هذه الدواوين إلى أناشيد تتردد على ألسن الكثير من فرق النشيد الإسلامي الملتزم، ولا تزال تتردد حتى الآن، على ألسنتنا جميعا، فمن منّا لم يردد ذات يوم:

مسلمون مسلمون مسلمون … حيث كان الحق والعدل نكون

نرتضي الموت ونأبى أن نهون … في سبيل الله ما أحلى المنون

ومن منّا لم يردد ذات يوم:

 تالله ما الدعوات تهزم بالأذى … أبدا وفى التاريخ بر يميني

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي … بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكريَ ساعة … أو نزع إيماني ونور يقيني

سأظل معتصما بحبل عقيدتي … وأموت مبتسما ليحيا ديني

وأرى من الضروري أن أؤكد أن هذه المكتبة الجامعة المانعة، لم تكن مجرد مكتبة جامدة، ولم تكن مجرد حبر على ورق، بل اجتهد فضيلة المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي أن يترجم كثيرا من الطروحات في هذه المكتبة إلى مشاريع عملية نابضة بالحياة، وإن سيرته الطويلة العريضة تؤكد لنا ذلك.

فهو الذي وضع اللبنة الأولى لجامعة قطر، وهو الذي وضع الأسس المتينة التي قامت عليها كلية الشريعة في قطر، وهو الذي أسهم ببناء الصروح العلمية في ماليزيا والجزائر، وهو صاحب فكرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولعل ما نجهله هو أكثر مما نعرفه.

جعل المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي من مكتبته كبساط الريح الذي تجوّل به وأوصله إلى موقع كل جرح في مسيرة أمتنا الإسلامية وعالمنا العربي إلى جانب حمل هموم القضية الفلسطينية، فكان كالطائر الميمون أينما سقط لقط، وأينما حل حلت ديمات الخير فسقت وأروت، ولذلك فقد التقيت به في مواقع شتى حول هموم شتى عندما كان غير محظور الالتقاء به والحديث معه، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، التقيت به في مؤتمر إسلامي عالمي لنصرة المسلمين في البوسنة والهرسك بعد المأساة التي حلت بهم، وقف من ورائها سفاحو الصرب ومن ساندهم من القوى الصليبية الغربية والشرقية.

التقيت به في مؤتمر إسلامي في لندن قامت عليه مؤسسة الدراسات الإسلامية برئاسة البروفيسور عبد الفتاح العويسي، وكانت رسالة ذاك المؤتمر نصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين، والتقيت به في احتفالية فتح القسطنطينية في إسطنبول خلال الأيام المباركة التي تعرفنا فيها على المرحوم البروفيسور نجم الدين أربكان، والتقيت به في مؤتمر عالمي لنصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين في إسطنبول، قامت عليه لجنة القدس الدولية، والتقيت به في المؤتمر السنوي للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في القاهرة، حيث كان يقف على رأس ذاك المجلس المرحوم شيخ الأزهر جاد الحق جاد الحق.

ثمَّ انقطع التواصل مع المرحوم العلامة الشيخ القرضاوي بعد أن حظرت ذلك المؤسسة الإسرائيلية، ولذلك وبناء على هذا الحظر فقد كانت إحدى بنود اتهامي في ملف (رهائن الأقصى) الذي بدأ عام 2003، أنني قلت عبر الهاتف بمناسبة عيد الأضحى المبارك للمرحوم العلامة الشيخ القرضاوي: كل عام وأنتم بخير.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول: أسأل الله تعالى أن يرحم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي وأن يكرمه بالجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم أعزي نفسي وأعزي الأمة الإسلامية والعالم العربي وشعبنا الفلسطيني بوفاته.

بعَضٌ من ذكرياتي مع العلامة الدكتور يوسف القرضاوي:

 

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …