الشيخ محمد الحسن الددو يكتب : بناء الأسرة في الإسلام

إن تحقيق العبودية لله تعالى يحتاج إلى بناء الفرد المسلم، ثم تكوين الأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم فينتج عنه الجماعة المسلمة، التي تعمل بدورها لإقامة الدولة المسلمة، فإذا قامت هذه الدولة سعت لجمع كلمة المسلمين في أقطار الأرض تحت لا إله إلا الله، وقادت جميع الأمم إلى مراضي الله سبحانه وتعالى.

مراحل تحقيق العبودية لله

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن مهمة الإنسان في الأرض هي إعلاء كلمة الله وإظهار دينه؛ فهذه المهمة هي التي من أجلها أهبط أبونا آدم إلى هذه الأرض، وهي الاستخلاف فيها، ولا يمكن أن يكون الإنسان خليفة في الأرض إلا إذا سعى لتحقيق العبودية لله فيها؛ لأنها الحكمة التي من أجلها خلق؛ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ[الذاريات:56-58].

إن تحقيق العبودية لله عز وجل لا يمكن أن يتم إلا وفق الإستراتيجية الإسلامية، التي تقوم على سبع مراحل:

المرحلة الأولى: إيجاد الفرد المسلم

المرحلة الأولى هي: إيجاد الفرد المسلم. وهذه المرحلة المقصود بها أن يكون كل فرد في ذاته محققاً لما أريد منه شرعاً، بأن يتعلم ما أمر الله بتعلمه، وأن يطبق ما علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم اجتناباً وامتثالاً حتى يكون لبنة صالحة للبناء، وهذه المرحلة الأولى عليها يبنى ما سواها؛ فلو صلحت الدول، واستقامت الجيوش، واستقام الاقتصاد وبقي الأفراد على ضلالهم وفسادهم؛ كان البناء مغشوشاً باطلاً من أساسه؛ لأنه بني على شفا جرف هار.

فلذلك لابد أن يصلح الأفراد أولاً وأن يستقيموا على وفق ما أراد الله ورسوله، ولا يمكن أن يتم هذا إلا بتعلم ما أمر الله بتعلمه، والعمل بما تعلموه، والدعوة إليه، والصبر على سبيله.

المرحلة الثانية: بناء الأسرة المسلمة

المرحلة الثانية من الإستراتيجية الإسلامية هي: بناء الأسرة المسلمة، والمقصود بذلك أول محضن بشري يضم اثنين فأكثر من البشر، يتفقان ويتعاونان على إقامة بيت يحقق العبودية لله في الأرض اجتناباً وامتثالاً، وأدباً وأخلاقاً، يبنى هذا البيت على أساس الاعتقاد الصحيح، والعمل السليم الموافق لما شرع الله، فإذا كان الفردان في أنفسهما صالحين مسلمين ملتزمين، ثم اتفقا على بناء بيت مسلم، وربيا أولادهما على وفق ذلك؛ كان ذلك البيت لبنة ثانية وضعت في ترتيب بناء هذا البناء الإسلامي الشامخ.

المرحلة الثالثة: إقامة المجتمع المسلم

المرحلة الثالثة من هذه الإستراتيجية هي: إقامة المجتمع الإسلامي، أي: أن يتعاون عدد من الأسر التي بنيت على أساس إسلامي حتى يحققوا فيما بينهم أحكام الله الجماعية التي تتعلق بالمجتمع، من أحكام التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، ومن إقامة دين الله وإظهاره، ومن آداء حقوق الجوار، وغير ذلك من الأحكام الجماعية الراجعة إلى المجتمع.

المرحلة الرابعة: إقامة الجماعة المسلمة

المرحلة الرابعة من هذه الإستراتيجية هي: إقامة الجماعة المسلمة، بعد أن يتحقق الإسلام في نفوس الأفراد وفي الأسر وفي المجتمع يحتاج المجتمع إلى جماعة تقوده إلى الحق، وتخطط له، وتربأ به عن سفاسف الأمور، وتسعى لإصلاح أوجه الفساد فيه، ولتقويم الخطأ وإرشاد من ضل عن سواء الطريق، ولهداية الناس إلى ما يرتضيه منهم فاطر السموات والأرض، ولإقامة الحجة على من غوى وبغى في الأرض، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بجماعة تؤثر مصلحة الدين على مصلحة الدنيا، وتقدم أمور الدين على أمور الدنيا.

المرحلة الخامسة: إقامة الدولة الإسلامية

فإذا قامت هذه الجماعة احتيج إلى المرحلة الخامسة من مراحل الإستراتيجية، وهي: إقامة الدولة الإسلامية، التي ترعى حدود الله، ويكون القائم على رأسها نائباً عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين، ورعاية المصالح العامة؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وتكون هذه الدولة كذلك دولة رحمة وعافية، تسعى لتحقيق مصالح الناس؛ فيعلم رأسها أنه خادم أجير لدى أفرادها، ومن أجل ذلك لا يتكبر ولا يطغى، ولا يبغي على أحد منهم، بل يتمثل قول علي رضي الله عنه: (ما أنا إلا أحدكم، لكني أثقلكم حملاً).

المرحلة السادسة: توحيد المسلمين تحت لواء لا إله إلا الله

المرحلة السادسة من هذه المراحل، وهي: توحيد المسلمين تحت لواء “لا إله إلا الله محمد رسول الله” بعد أن تقوم دولة للإسلام في صقع من أصقاع الأرض ترعى حدوده، وترعى المستضعفين من المسلمين فلا بد أن تعتني بشئون الأمة كلها، وأن تحاول جمع كلمة الأمة بعد تفرقتها، وأن تجمع قلوب المسلمين على الحق، ولا يتم ذلك إلا برعاية أطراف الأمة الإسلامية؛ فهي أمة واحدة، الذي خلقها وفطرها وأرشدها للإسلام جعلها أمة واحدة، وكل التجزئات والتقطيعات التي حصلت هي من كيد أعدائها ولا تمت لدينها بصلة، بل الدين لا يقرها أصلاً، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً؛ فلذلك كل تجزئة وتقطيع سواء قام على أساس جغرافي أو على أساس عرقي أو على أساس الألوان والأنساب أو على أساس اللغات، أو على أساس المصالح فإن الشرع لا يقره، ويعتبره باطلاً معدوماً؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.

المرحلة السابعة: قيادة أمم الأرض إلى مرضاة الله

المرحلة الأخيرة من مراحل هذه الإستراتيجية هي المرحلة السابعة، وهي: أستاذية العالم، أي: أن تكون دولة الإسلام الموحدة للمسلمين تتبوأ مكانها في قيادة الأمم؛ فهي التي تقود أهل الأرض إلى مرضاة الله، وحينئذ سيكون الناس على فسطاطين: أمة الإجابة، وأمة الدعوة، فأمة الإجابة: هي التي استجابت لداعي الله عز وجل، ورضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وانقادت لأحكام الحق. وأمة الدعوة: هي التي تدعى إلى الاستقامة على ذلك والاستجابة له، فمن رضي منها بذلك كان له ما للمسلمين، ومن امتنع عرض عليه أحد أمرين: إما أن يؤدي الجزية صاغراً، وإما حد السيف، ولا يمكن هذا إلا في آخر المراحل، فبعد أن تتم كل المراحل السابقة تتم بعد ذلك إقامة الحجة على الناس.

وهذه المراحل السبع من سعى في واحدة منها كان ساعياً لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، واعتبر بذلك مجاهداً في سبيل الله حتى لو لم يحقق إلا المرحلة الأولى وهي: إيجاد الفرد المسلم، أو المرحلة الثانية وهي: إيجاد الأسرة المسلمة، أو المرحلة الثالثة، وهي: إيجاد المجتمع المسلم، أو المرحلة الرابعة، وهي: إيجاد الجماعة المسلمة، أو الخامسة، وهي: إيجاد دولة الإسلام، أو السادسة، وهي: توحيد المسلمين تحت لواء “لا إله إلا الله” أو السابعة، وهي: قيادة العالم إلى مرضاة الله.

إن المسلم إذا عرف دوره في هذه الحياة، وأهمية المهمة التي أنيطت به، وشرفها على الله عز وجل علم أنه لا يمكن أن يعيش سدى، ولا يمكن أن يكون فارغاً ليس له عمل ولا نشاط يقوم به في هذه الأرض، بل لا بد أن يكون ساعياً من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، حسب جهده أو طاقته، فإن لم يستطع إلا بناء نفسه وإصلاحها كان ذلك سعياً للإصلاح في الأرض؛ لأن إصلاح الفرد هو الذي يبنى عليه غيره، وإن تعدى ذلك وتجاوزه، فالمرحلة الثانية هي جهاده في ذلك الوقت، وهي إقامة أسرة مسلمة ترعى حدود الله وتقوم في الأرض، لا بنازع الهوى واتباع الشهوات، وإنما تقوم على أساس الاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج؛ فإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )، وكذلك أخرج أحمد في المسند و أبو داود في السنن بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة )، وفي رواية: ( فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة )، وهذا يقتضي أن من سعى لذلك فقد طبق ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم، وسعى لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وزيادة أتباعه؛ فلهذا لم يرض الشارع منا أن نكون كالبهائم التي تسعى في الأرض لتحقيق رغباتها واتباع شهواتها، بل لا يرضى بهذا عاقل، إنما علينا أن ننطلق مما شرع الله لنا وبين لنا رسوله صلى الله عليه وسلم.

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. محمد الصغير يكتب : السفير رفاعة الطهطاوي في غزة

أصبحت الحرب على غزة من الثوابت الموسمية لدى العصابة الصهيونية، ويحرص كل من يصل إلى …