ديمة طارق طهبوب

العالم .. فوتوشوب كبير!

 لا تقلق إذا كان بوجهك ندبة أو تجاعيد طبيعية أو مرضية أو إجرامية.

لا تقلق إذا كان لون عينيك لا يعجبك، أو شعرك كالعهن المنفوش، أو بطنك مكروش.

فبالفوتوشوب ستصبح دونجوان, وستصبحين ملكة جمال، لا قلق مع الفوتوشوب الذي يجعل كما يقول المثل المصري من البوصة عروسة, ومن الخنفسا ست النسا، فهو العطار الذي يصلح ما أفسدته الأيام والسنون، وهو مغارة علي بابا تدخله بصورتك الحقيقية الطبيعية فتخرج منها وقد لبى لك المارد كل أمنياتك بالجمال والصحة والخلود؛ فتصبح صورتك صالحة للتداول والنشر والتوزيع أو للتعليق كلوحة في متحف لو رآها الناس لانعقدت ألسنتهم وتمتموا: هذا ملَك كريم!

يمكنك بعد تعديل صورتك بالفوتوشوب على الكمبيوتر أن تصبغ شعرك باللون الذي تريد حسب الموضة وتلون عينيك وتضيف لهما البريق وتزيل البقع والحبوب، وتضع خالا أو غمازات، وتفرق بين أسنانك وتبيضها وتزيل التقويم، وتشد وجهك وبطنك وكل ترهل أو زاوية أو انثناء لا تريده!

كل ما يخطر ولا يخطر بالبال من عمليات التجميل الالكترونية يمكن عمله بصورتك؛ بالفوتوشوب لترضى عن نفسك وتحصل على صورة ليست لك كما خلقك الله في أحسن تقويم، ولكن اتباعا لمعايير جمال وموضات وتقاليع قد لا تؤمن بها في حقيقة نفسك، وقد لا يجلب تطبيقها لك السعادة، ولكنه خداع عن رضى وتعامٍ مقصود واتباع للقطيع وسياسة “ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس”.

ولكن ماذا عن الناس الذين رأوك صورة قبل أن يروك عيانا، وعرفوك إطارا قبل أن يعرفوا مضمونك، ورأوا دموع عينيك قبل أن يعرفوا فداحة ما اقترفته يداك؟ هل أصبح الخداع مستساغا في دائرة التجميل والتحسين؟

ولكن ماذا عن الخداع الأكبر عندما يصبح العالم كله فوتوشوب كبيرا فتجمل بعض وسائل الاعلام الصورة للخارج, والمواطن مسفوح الدم، مهدوم البيت، مهدور الكرامة في الداخل؟.. بالفوتوشوب الكبير يظهر الحاكم يمشي في الأزقة والحواري يقاسمك فتات العيش، وخارج الإطار يحلبك حتى آخر نفس ويتسول ويستجدي العالم معونات على صورتك.. بالفوتوشوب يبكي الرئيس على الضحايا ويود لو يحفر قبرا بجانب قبورهم ويغضب للنشيد الوطني إذا تحرف، وبدون تجميل يطعن ذكرى الضحايا ومن بقي من الضحايا الأحياء في الظهر، ويصم آذانه عن سماع آهاتهم من أجل كرسي أو شبكة اتصالات، وما خفي بالفوتوشوب كان أعظم.

 بالفوتوشوب المهم أن تظل صورة الكعبة ولو كان حولها جثث أمة محمد أجمعين ولا يهم أن حرمة دمائهم أعظم من حرمة الكعبة.

بالفوتوشوب المهم أنا، ومن ورائي الطوفان ولو أغرق الوطن والقضية والإنسان.

بالفوتوشوب يظهر إخوة يوسف وهم يسعون لحمايته واحتضانه والتصالح معه، وبعيدا عن أعين الناس يلقونه في الجب ويأتون للملأ بقميصه وأكاذيبهم.

هل هي خطيئة أن نجمل أنفسنا للآخرين؟ قد نختلف على الإجابة..

هل تدخل التغييرات في باب الكذب والخديعة وشهادة الزور؟

لماذا نقبل لأنفسنا شيئا من الخداع البسيط والكذب الأبيض ونستنكر على ولاة أمرنا أن يعاملونا بالمثل؟

ألم يقل مثلما تكونون يُولى عليكم؟

ألم يُحرم الدين التدليس ولوكان بإخفاء بقعة من بهاق (تغير لون الجلد) عن الآخرين؟

لقد أصبحنا ننظر الى الخداع كفهلوة وشطارة وسرعة بديهة، وأصبحنا نتداول أمثلة من شاكلة “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”، ونسينا التحذيرات من الكذب وتحرّيه التي تجعل المرء يُكتب في سجل الكّذابين عند الله.

لم يعد الفوتوشوب برنامجا على الحاسوب ولكن أصبح واقعا حياتيا وتنافسا محموما، وأصبح البشر بنسخ قَبْلية وبعدية لا تكاد تعرف معها الأصل، ووقع في الشرك ناقصو وناقصات العقل والدين، والرجال أطلقوا غرائزهم فلم تعد ترضيهم سارة بجمالها لو تمثلت في أنثى!

ان الفوتوشوب والصورة والبرستيج لم تكن موجودة في الزمن الذي ذهب فيه بلال بن رباح مع أخ له في جاهته، والجاهة في فوتوشوب زماننا لا تقول إلا خيرا وفضلا ولو عرفت من الشر صنوفا، ولكن بلال كان يضع نفسه في إطار الصدق، فقال لأهل العروس: هذا أخي وهو امرؤ سوء في الخُلُق والدين, فإن شئتم أن تزوجوه وإن شئتم أن تدعوا فدعوا، فقالوا من تكون أخاه نزوجه فزوجوه.

في غير زمان الفوتوشوب كان الجمال للتقوى؛ لا لعربي ولا أعجمي، ولا أسود ولا أبيض، والتقوى في القلب جمال لا يعرفه الا الله.

في غير زمان الفوتوشوب كان إعلاميو ذاك الزمان من الشعراء لا يقتنعون بالتزويق والمكياج ويصرحون:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة   وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده   فلم يبقى إلا صورة اللحم والــدم

ويحذّرون:

احذر محاسن أوجه فقدت   محاسن أنفس ولو أنها أقمار

سرج تلوح إذا نظرت  فـــــنور وإذا مســـســــت فـــنار

وكانوا يقولون إن الأجسام قد تبدو كالبغال ولكن الأحلام والطموحات كالعصافير، وأن الحسن ليس الدليل على الفتى كما ليست كل السيوف المصقولة سيوفا يمانية.

في زمن عمر الفاروق كانت الصورة لا تأبه لعيون الناس التي تنام وعين الله لم تنم، فراقبت الفتاة من رعيته عين الله فحفظت الأمانة ولم تخلط اللبن بالماء، وسوّى عمر الطريق لدابة في العراق، وهي بهيمة وليست بشرا، في بلد بعيدة عن عاصمة الخلافة ومركز الحكم حيث لا حسيب ولا رقيب إلا الله.

 في زماننا أصبح الفوتوشوب عنوان الحياة وشعار كل المتعاملين به: أنا لا أكذب ولكني أتجمل!

فهل أصبح الكذب جمالا؟!

شاهد أيضاً

فهمي هويدي: واقعة حرق نسخة من القرآن تظهر ضعف المسلمين

قال الكاتب والمفكر الإسلامي المصري، فهمي هويدي، إن واقعة حرق نسخة من القرآن الكريم في …