العلاقات التركية الروسية .. ما بعد الخصام المر

أدت التحولات والمتغيرات العالمية التي استجدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م , كالحرب على الإرهاب وتراجع المركزية الأمريكية باتجاه واضح نحو ( نظام تعددي قطبي فضفاض يبدو فيه العالم على شكل تحالفات مصالح تحافظ فيها تلك الدول على مرونة قدرتها على تغيير شركائها, أو عبر تشكيل تحالفات جديدة ردا على التغيرات الحاصلة في تطلعات نظرائها وقدراتهم ) (1) إلى تغيرات جذرية مهمة للغاية على صعيد أنماط التفكير السياسي للدول, وكذلك حقل العلاقات الدولية, وهو ما أدى بدوره إلى بروز الكثير من الفلسفات السياسية, والسياسات والتوجهات العالمية على رقعة الشطرنج الجيوسياسية.

والمتتبع لتلك المتغيرات والتحولات الجيوسياسية العالمية لا يمكن له فهمها بشكل جيد وواقعي خصوصا حينما يتعلق ذلك بحقل العلاقات الدولية خارج سياقات أخرى ذات علاقة متلازمة بالتأثير في أنماط التفكير السياسي للكثير من الدول, كالتاريخ السياسي والجغرافيا السياسية ونماذج تفكير قياداتها السياسية من جهة, وكذلك تأثير الأحداث والمتغيرات العابرة للحدود الوطنية نفسها عليها.

كما أنه ومن جهة أخرى, لا يمكن تفكيك وتحليل تلك التوجهات والمتغيرات والأبعاد السياسية للدول في علاقاتها مع الآخرين, وفهم توجهاتها وسياساتها بقراءة تحليلية تحاول فهم تلك الأبعاد من دائرة ضيقة لا تتجاوز إطار الأحداث, لذلك ولكي نفهم السياسة الدولية لابد من النظر إليها من خارج ذلك الإطار الضيق, بحيث لا نقع تحت تأثير الأحداث فنصبح جزءًا منها.

و(تعتبر السياسة الخارجية؛ المرآة التي تعكس آراء الدولة وتوجهاتها نحو المواقف المختلفة في الساحة الدولية، لكن؛ لهذه السياسة مجموعة من المحددات التي تشكلها وتصبغها في اتجاه معين يخدم مصلحة الدولة بشكل عام، كما أن هذه السياسة تتعدد جهات تشكيلها. فتتأثر السياسة الخارجية للدولة بعدة محددات أهمها القيادة السياسية وجماعات المصالح والأحزاب السياسية والرأي العام, كما تتعدد الأدوات لدى صانع القرار في السياسة الخارجية للدولة ما بين الأداة العسكرية التقليدية والأداة الدبلوماسية والأداة الاقتصادية، كلاً بما يتناسب مع الموقف الدولي )(2)

على ضوء ذلك, نحاول تسليط مجهر البحث والتحليل على أبعاد المتغيرات والتحولات التي استجدت في العلاقة السياسية بين روسيا (بوتين) وتركيا (اردوغان), وإذ نصبغ تلك الدول بصبغة رؤسائها, فإننا بذلك نؤكد على جانب تأثير شخصية القيادة السياسية ودورها القوي ونموذج تفكيرها على توجهات الدول. عليه وفي هذا السياق, سنطرح السؤال التالي:

ما الدوافع والمتغيرات التي يمكن أن تساهم في إعادة إحياء تقارب العلاقات بين الروس والأتراك بعد توترها (الخصام المر) نتيجة إسقاط تركيا لطائرة عسكرية روسية على الحدود السورية ما دفع روسيا إلى فرض عقوبات اقتصادية، وتعليق رحلاتها السياحية إلى تركيا, وتشنج ملحوظ على صعيد العلاقات الثنائية؟

إلا أنه قبل الدخول إلى تحليل بعض الجوانب المتعلقة بالدوافع والمتغيرات سالفة الذكر, نحاول تلخيص أبرز القضايا التي تعد منطلق الخلاف والتنافر في المصالح والتوجهات والسياسات بين الدولتين, ومنها ستبرز نقاط الالتقاء والتقارب بين الطرفين:

1- الأسباب السياسية والجيوسياسية: التي تتعلق بشكل رئيسي بالصراع في سوريا وانعكاساته على المصالح الجيوسياسية لكلا الدولتين, وكذلك تأثيره على الأمن القومي التركي على وجه الخصوص من خلال (التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية لاحتواء إرهاب تنظيم داعش القادم من الأراضي السورية), وكذلك في سياق صراع المصالح الجيوسياسية في المنطقة بين أبرز أقطابها وقواها الرئيسية ( روسيا – تركيا – إيران), سواء كان ذلك فيما بينهم, أو في مواجهة الغرب والولايات المتحدة.

2- الأسباب الاقتصادية: والتي تدور حول تأثر كلا الدولتين من الناحية الاقتصادية بهذه القطيعة وهذا الخصام وتوتر العلاقات بينهما, خصوصا في جوانب التجارة والسياحة وما يتعلق بمجالات النفط والغاز, ويمكن القول باختصار إن الاقتصاد هو المحرك الأبرز والأهم في العلاقات بين البلدين, بالإضافة إلى المصالح المشتركة الأخرى, وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي من مؤسسة بروكينجز؛ ريتشارد كاوزلاريتش: إن من أهم أسباب عودة العلاقات الروسية التركية إلى طبيعتها, توجس موسكو من أن تفقد حصتها من الغاز في السوق التركية الضخمة على حساب الغاز الإسرائيلي, لا سيما بعد تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية.

بالتالي يمكن تلخيص جوانب التقارب المحتملة والتي سيلعب عليها الطرفان بلا شك, وستكون الأوراق التفاوضية الرابحة أو نقاط التقاء المصالح الحيوية التي ستعيد ضخ الأوكسجين إلى رئة العلاقات التي تقاطعت ولكن لم تصل إلى مرحلة القطيعة بين الطرفين الروسي والتركي في ظل وجود قيادتين سياسيتين متقاربتين في الكثير من جوانب التفكير السياسي والطموحات الجيوسياسية على رقعة الشطرنج الأوراسية, وتلك الجوانب هي:

1- بروز تفاهمات على صعيد الصراع في الأرض العربية السورية, مع استبعاد أن يكون ذلك على حساب مستقبل النظام السوري, ولكن ربما سيكون على حساب مصالح أخرى كمستقبل الكيان الكردي في شمال سوريا على سبيل المثال, والتنسيق الأمني لضرب تنظيم داعش.

2- محاولة البحث عن نقاط التقاء للمصالح الجيوسياسية الخاصة بكلا الدولتين في منطقة الشرق الأوسط, وأوراسيا في ظل تراجع الدور الأمريكي – الغربي في المنطقة, وهو أمر هام للغاية لتلاقي الأهداف الجيوسياسية لخلق توازنات بين تحالفات قارية لها مصالح مشتركة يمكنها أن تواجه أطماع وطموحات الإمبراطورية الأمريكية على رقعة الشطرنج الأوراسية خصوصا في ظل تراجع دور المركزية الأمريكية , ولا شك أن كلا الدولتين تعلمان أنه ما من صداقات أو عداوات دائمة في العلاقات الدولية, وبالفعل قد اتضحت انعكاسات هذا التقارب سريعا على الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ولو من الناحية النفسية كما وصفتها صحيفة نيويورك تايمز (9 أغسطس/2016م ): أن روسيا وتركيا تعهدتا بتحسين علاقاتهما، بينما يراقب الغرب الأمر بعصبية وتوتر.

3- من أبرز الأهداف الجيوسياسية التي استشعرت  الدولتان خطورة أثرها المستقبلي على مصالحهما نتيجة حالة القطيعة المؤقتة بينهما هو إمكانية إضعاف التحالف الثلاثي القائم بفرضية المصالح المشتركة (الهش أصلا لوجود تاريخ من الصراع بين تلك الأطراف) فيما يطلق عليه بالمباراة المركبة) بين كل من إيران وتركيا وروسيا خصوصا في ما يتعلق بمنطقة البلقان, وفيما يتعلق بالصراع في سوريا, وفي بناء تحالف ثلاثي بينهما لا يُستبعد أن تنضم إليه الصين فيما بعد, وفوائد ذلك التحالف من الناحية الجيوبوليتيكية (3), لذا فإن وجود تحالف ثلاثي سيكون بمثابة صمام الأمان لمستقبل تواجد تلك الدول في المنطقة, وهو تحالف مصالح تحافظ فيه تلك الدول على مرونة قدرتها على تغيير شركائها, أو عبر تشكيل تحالفات جديدة ردا على التغيرات الحاصلة في تطلعات نظرائها وقدراتهم.

4- إعادة التناغم والتقارب الاقتصادي الكبير على الصعيد السياحي والتجاري , خصوصا أن حجم التبادل التجاري بين الدولتين يزيد عن 40 مليار دولار سنويا, والمتضرر الأكبر على هذا الصعيد هو الجانب التركي, خصوصا فيما يتعلق باستئناف مشروع نقل الغاز الروسي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا .

باختصار, فترة القطيعة المؤقتة أو الخصام المر بين روسيا وتركيا جعلت كلا منهما يعرف أكثر, قيمة الطرف الآخر بالنسبة إليه ولمصالحه الجيوسياسية والجيوبوليتيكية في الشرق الأوسط وأوراسيا ( قارة أسيا وأوربا), وإن كنت لا استطيع أن أجزم بتحول مفصلي في قضايا المنطقة وخصوصا الصراع في سوريا نتيجة ذلك التقارب والتفاهم خصوصا على المدى القصير, نظرا لاختلاف وجهات النظر والمصالح بشكل كبير بين الطرفين, ولكن ما استطيع أن ألمسه من هذا التقارب والمراجعة التي حدثت في فترة القطيعة هو تفاهمات أمنية ( الحرب على الإرهاب ), تنظيم داعش, والتفاهم حول القضية الكردية, كما أرجح التأكيد على ولادة تحالف ثلاثي قادم بين كل من روسيا وتركيا وإيران, وربما الصين خلال الفترة القادمة, وتفاهمات أكبر حول القضايا والمصالح الاقتصادية على وجه الخصوص, وهو أمر لن يطول كثيرا حتى يظهر للعيان من خلال تفاهمات واتفاقيات.

1- محمد بن سعيد الفطيسي, العالم على تخوم نظام حكم الكثرة ( البولياركي), جريدة الوطن العمانية, بتاريخ 27/4/2015م

2- أسماء أحمد شوكت, القيادة السياسية والتغير فى السياسة الخارجية الروسية تجاه دول آسيا الوسطى 2000-2015, المركز الديمقراطي العربي , بتاريخ 26/7/2016م

3- للمزيد, يمكن الاطلاع على كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى لزبجنيو بريجنسكي”, ترجمة: أمل الشرقي, الأهلية للنشر والتوزيع , ط1/1999م

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …