العنف في مواجهة القمع .. الدروس العشرة من تجربة الجماعة الإسلامية (7)

6- نجاحات وقتية لم تحل دون تحقق الخسارة الراجحة في النهاية

رغم انتهاء المواجهة العنيفة بين الدولة والجماعة الإسلامية فى التسعينات بإلحاق الهزيمة بالجماعة، وبمشروعها على النحو المعروف, فقد كان هناك بعض المواقف خلال فترة الصدام بدا فيها أن الجماعة قد كسبتها بالنقاط، بالرغم من امتلاك الدولة لأجهزة سيطرة وقمع متنوعة لا يمكن تجاهل قدراتها. وقد ترجع النجاحات الوقتية التى أحرزتها الجماعة فى هذه المواقف إلى الطبيعة البيروقراطية والمترهلة لبنية أجهزة الدولة القيادية والتنفيذية والتى تفرض عليها الحاجة إلى مزيد من الوقت واستجماع الإرادة لتحقيق الاحتشاد، والتقدم نحو الخصم؛ على مستوى أخذ القرار بالمواجهة أولا، وعلى مستوى تحويل هذا القرار إلى إجراءات تنفيذية على أرض الواقع ثانيا، وهو ما يتسبب فى وجود فروق فى توقيت الفعل بين الإجراءات الحكومية والأمنية لدولةٍ تلك هي حالتها، وبين حركة جماعة عقائدية صغيرة تنفرد بتحديد متى وأين وكيف تباغت هذه الدولة بهجومها.

وبالرجوع لتجربة الجماعة الإسلامية فى الصدام العنيف مع الدولة فى سنوات التسعينات من القرن الماضي, يمكن لنا أن نرصد بعض هذه المواقف التي أحرزت فيها الجماعة تفوقا وقتيا:-

أولا: اغتيال د. رفعت المحجوب

كان مقتل الدكتور رفعت المحجوب مثالا لعمليات الاغتيال النموذجية فى تنفيذها باحترافية، غطت على الخطأ الفادح الذى وقع فيه منفذوها, إذ كان المستهدف من القتل هو اللواء عبدالحليم موسى؛ وزير الداخلية فى ذلك الحين. وعلى وجه العموم فقد بدا- وقتها- أن الثمن الذى دفعته الجماعة الإسلامية كان محدودا بالقياس لتصفية الرجل الثاني في الدولة – وفق القواعد البروتوكولية – فقد أدى عنصر المفاجأه دوره بصورة مثالية, فلم يتم القبض على المنفذين فى حينه, وكان من الواضح وقتها أن الدولة لم تأخذ قرارًا بإطلاق حملة قمع وانتقام من الجماعة، بل يمكن القول بأن الدولة قابلت مقتله بحالة من الفتور غير المتوقع، ولعل خصومه فى دوائر الحكم كانوا وراء هذا الفتور، وقد قدر الله للمتهمين قاضيا يقظ الضمير تشكك فى أدلة الاتهام لثبوت تعرض المتهمين للتعذيب, فقضى ببراءتهم من تهمة القتل رغم أنهم كانوا يفتخرون أمام أجهزة الإعلام – وهم فى قفص الاتهام – بأنهم هم من قتلوا المحجوب.

وعلى أية حال, فقد بدا لقيادات الجماعة أن مثل هذه العملية مرتفعة العوائد وقليلة التكاليف يمكن تكرارها والسير على نسقها، وذلك دون انتباه إلى خصوصية الظروف التى أحاطت بتنفيذها. ووفق ملاحظة الأستاذ/ كمال حبيب؛ الباحث والقيادي الجهادي السابق فإنه: (مع قتل المحجوب باحترافية فقد تصورت قيادات الجماعة أنها قادرة على منازلة الدولة، ورد الصاع إليها صاعين)[1]… ومن الزاوية المقابلة فقد رصد الأستاذ عبد الرحيم علي ذات الظاهرة بصورة أكثر تفصيلا: (شكلت حادثة اغتيال المحجوب علامة مهمة، وأكدت أن تنظيم الجماعة الإسلامية من القوة، وحسن التدريب بحيث يستطيع أن ينال من أي مسئول، حتى ولو كان الرجل الثاني في الدولة، وفى وضح النهار. وقد أعطت الحادثة ثقة كبيرة للقائمين على النشاط العسكري بالجماعة، ومن ثم فقد وُضعت بعده خطة تشمل استهداف ضباط النشاط الديني بجهاز أمن الدولة، ومهاجمة السياحة، والضغط بورقة الأقباط)[2]. ومما يؤكد استثنائية هذه العملية النموذجية؛ ذلك الفشل المتكرر الذى لحق بمجموعات المجاهدين من أبناء الجماعة العائدين من الخارج بعد أن تم تدريبهم فى افغانستان. وفى هذا الشأن يتعجب الدكتور صفوت عبدالغنى من انهيار هذه المجموعات: (لم أكن أتوقع أن القوة التى كانت تعول عليها الجماعة فى التغيير ستنهار بهذه السرعة، فمجموعات الخارج تم القبض على معظمها قبل أن يقوموا بأي عملية عسكرية اللهم إلا عمليتين فقط, وللمفارقة كانتا عمليتين فاشلتين)[3]

ثانيا: ضرب الدولة فى خاصرتها.. مهاجمة النشاط السياحي

للباحث جيل كيبل تعبير بارع عن إدراكه لطبيعة التحدى الذي مثله ضرب النشاط السياحي كاختبار لكل من الجماعة الإسلامية والدولة من زاويتين:

الزاوية الأولى: أن تكاليف ضرب السياحة زهيدة بالقياس لحجم النتائج المحققة، ووفق تعبير جيل كيبل: (كانت وسائل الحرب ضد السياحة ضعيفة للغاية، ولكنها كانت مؤلمة جدا للدولة المصرية من الناحية الاقتصادية، ومن ناحية صورتها في الخارج أيضا )[4].

الزاوية الثانية: أن مخاطر ضرب السياحة عالية على كلا الطرفين، ووفق عبارة جيل كيبل: (كانت الحرب ضد السياحة بمثابه رهان يخسر فيه من يقوم به كل شئ ، أو يضاعف مكاسبه)[5] .. فالتحدي الذي واجه الدولة هنا يكمن فى ضخامة المخاطر الحقيقية التي يتعرض لها النشاط السياحي، والصدى الضخم الذي تحققه تلك العمليات في الداخل والخارج، والأعباء الضخمة لمحاولة الوقاية من هذه العمليات البسيطة والمنتشرة لما يتطلبه ذلك من موارد بشرية ومادية هائلة, أما التحدي الذي واجه الجماعة الإسلامية فلا علاقة له – بالطبع – بتوفير الامكانات المحدودة اللازمة للقيام بهذه العمليات، ولكنه يتعلق بصعوبة الاختبار الذي وضعت فيه الدولة، فالدولة لن تستطيع مواجهة ضرب السياحة من خلال البحث عن مجموعات محدودة الأعداد، وبسيطة التسليح، وواسعة الانتشار بقدر انتشار المقاصد السياحية على اتساع الدولة, ومن ثم فلم يكن للدولة خيار إلا بحسم موقف التنظيم الذي يقف خلف هذه العمليات من أعلى وليس من أسفل، باستهداف القيادات الموجهة للعمليات؛ تصفية أو اعتقالا، وتحطيم الهياكل التنظيمية التى تتولى نقل التعليمات وتوفيرالمتطلبات وإداره العمليات… تحطيمها بكل الوسائل المشروعة، وغير المشروعة, وهو ما قد كان… وتحولت النجاحات التي قابلت هجمات الجماعة على النشاط السياحي فى البداية إلى انتكاسة لعموم مشروع الجماعة ومحنة ممتدة لأبنائها.

وقد ساهمت الضجة التي صاحبت عمليات الهجوم على السياحة في إيهام قيادات الجماعة أنه يمكن إسقاط النظام تحت تأثير مثل هذه الضربات, وهو ما انزلقت إليه الجماعة دون تحسب لما سوف يترتب عليه من دخول في مواجهة مفتوحة مع الدولة، وهو المعنى الذي التفت إليه الأستاذ كمال حبيب: ( دلفت الجماعة في إطار اختبار الإرادات والقوى المتبادلة – مع الدولة – إلى منطقةٍ جد حساسة وهي ضرب السياح … وهو ما فتح المواجهة بين الفريقين على أوسع الأابواب، ولم تعد هناك قواعد تضبط الصراع بين الفريقين)[6]

ثالثا: تصفيه ضباط وجنود الشرطة

من الملفت أن هناك تضاربا فى أعداد من تم تصفيتهم من رجال الأمن خلال فترة التسعينات موضوع الدراسة فيما بين المراجع والدراسات المختلفة, وعموما فهي تدور حول الـ150 ضحية، وقد تراوحت مستوياتهم مابين اللواءات أصحاب المواقع الحساسة، وحتى المخبرين وأفراد الشرطة البسطاء, والمسأله التى تهمنا هنا هى كيف تأثر هذا الجهاز الوظيفي – أفرادًا ومنظومة– بهذه الإصابات فيما يخص درجة الإقدام أو الفتور في ممارسة القمع. الحقيقه أنه لا توجد تحت أيدينا مؤشرات واقعية لطبيعة وحجم هذا التأثر, لكننا يمكن أن نستنتج من متابعة مسار الأحداث وقتها أن حجم التأثر لم يمثل رادعا -على وجه العموم- لقيام رجال الأمن بدورهم المعتاد في مصر على ما فيه من تجاوزات معروفة. وبالطبع فمن المنطقي أن تكون هناك حالات فردية دفعها التأثر للارتداع أو للإمعان فى التجاوز, ولكن الحديث هنا عن الاتجاهات العامة.

والإشكالية الهامة هنا ترتبط بحدود مستويات العنف التي يمكن أن تزيد احتمالات تحقق الردع عن التجاوزات لدى رجال الأمن.. ولنا أن نثبت هنا أنه مع تفلت شباب الجماعة الإسلامية من الضوابط الشرعيه التى تحكم مسائل الدماء على النحو الذى أثبتناه فى موضع آخر فإنه رغم هذا التفلت – المؤثم شرعا – فإن ما تحقق فى حينه بخصوص ردع رجال الأمن عن القيام بتجاوزات’ يجعلنا نقرر أن تحقيق هذا الردع يتطلب مستويات مرتفعة من العنف, إن أمكن تسويغها شرعا، فإنه يصعب تحمل ما يترتب عليها من تصعيد لعمليات القمع المضاد لمستويات غير مسبوقة, وهو التصعيد الذي أثبت فاعليته فى إيقاع الهزيمة بالجماعة الإسلامية فى التسعينات.

ولعل الخلاصة التي نخرج بها من النظر إلى تجربة الجماعة الإسلامية في الصدام العنيف مع الدولة أنه من الوارد أن تتعرض الدولة من جراء هذا الصدام لأن يرتبك أداؤها بدرجة ملحوظة, لمرحلة قد تطول أو تقصر, غير أن الخبرة المصرية تشير إلى أن مثل هذه الحالة تشكل تحديا للدولة المصرية تستفز لديها خبرتها التاريخية فى عدم الرضوخ للعنف الموجه لها من رعاياها، وفى عدم الانهزام أمام ماتراه بمعاييرها ووفق ثقافتها العامة – أجهزة وأفرادا – تمردًا مجرمًا من تابعيها الذين يتعين عليهم أن يخضعوا لها، وأن لها كدولة من المشروعية التاريخية والواقعية ما يسمح لها بأن تستخدم من العنف المفتوح ما يكفى للوصول لهذه النتيجة دون خشيةٍ من عقاب الخالق، أو حتى من تأنيب الضمير.

……………..

[1] ) كمال حبيب, تحولات الحركة الإسلامية, ص  137

[2]  ) عبد الرحيم على,  كتاب المخاطرة,  ص 127

[3] )  حوار مع موقع الجماعة الإسلامية, بدون تاريخ وغالبا  تم عام 2007

[4] ) جيل كيبل, الجهاد.. ازدهار وانحسار الإسلام السياسي, ص 346

[5] ) جيل كيبل –  الجهاد.. ازدهار وانحسار الإسلام السياسي,  ص  346

[6] ) كمال حبيب, كتاب تحولات الحركة الإسلامية, ص 140

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …