القاعدة الروسية في السودان.. صراع القوى الكبرى وديناميات السياسة المحلية


حاول هذه الورقة البحث في خلفيات الصراع الروسي الأميركي حول البحر الأحمر، من مدخل حساسية موقع السودان في التركيب الجيوسياسي لأحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، وتداخل هذا الصراع مع أدوار اللاعبين المحليين في الفترة الانتقالية التي تمر بها البلاد، والسيناريوهات المتوقعة.
عبد القادر محمد علي

أعادت التطورات المتعلقة بإنشاء مركز الدعم الروسي(1) على الشاطئ السوداني خلال الأشهر الأخيرة، الصراع الروسي الأميركي على البحر الأحمر إلى الأضواء مجدداً.

تحاول هذه الورقة البحث في خلفيات هذا الصراع من مدخل حساسية موقع السودان في التركيب الجيوسياسي لأحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، وتداخل هذا الصراع مع أدوار اللاعبين المحليين في الفترة الانتقالية التي يمر بها السودان، والسيناريوهات المتوقعة بعد تعليق الاتفاقية السودانية الروسية وخروج جنود روسيا من قاعدة “فلامنغو” السودانية.

السودان والقيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر

يعد البحر الأحمر من أهم المسطحات المائية اليوم، بسبب عوامل مرتبطة بموقعه الجغرافي الذي جعله “قناة رئيسية للتجارة بين الأسواق الأميركية والأوروبية من جهة، والأسواق الآسيوية من جهة أخرى”(2)، حيث تتدفق من خلاله ما قيمته 700 مليار دولار من البضائع سنوياً(3).

كما أن التوقعات المستقبلية تزيد من أهمية هذا البحر ومحيطه، وقد لخص ذلك تقرير أعدته لجنة من الكونغرس الأميركي، بيّن أن “القيمة الاستراتيجية لموقع النفوذ والتأثير اللذين يتراكمان لأي جهات خارجية قادرة على السيطرة على البحر الأحمر أو إدارته”؛ ستتصاعد في ضوء التطورات الجيواقتصادية الأوسع نطاقاً، وفي ظل “حقيقة أن النفوذ التجاري (وكذلك السياسي والأمني) يتم التنازع عليه داخل المناطق التي يربطها البحر الأحمر؛ أي المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط”(4).

الأهمية الجيوستراتيجية للبحر الأحمر تُرجمت فعلياً بتنافس القوى الدولية والإقليمية على إقامة قواعد عسكرية لها على شواطئه، ويُعد سودان ما بعد ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 إحدى نقاط “الاشتباك” الساخنة بين واشنطن وموسكو، حيث تحرص الأخيرة على تثبيت اتفاقية تتيح لها فتح مركز دعم لوجيستي على الساحل السوداني.

هذا المركز ينظر إلى أهميته في إطار رغبة موسكو في الحفاظ على مصالحها الحيوية بالبحر الأحمر. فمثلا، تشير بيانات وزارة الطاقة الأميركية في تقرير صادر عام 2019، إلى أن صادرات النفط من روسيا شكلت الحصة الكبرى (24%) من حركة النفط المتجهة جنوب السويس(5).

كما أن هذه الخطوة تأتي في سياق انتشار روسيا البحري وإنشاء سلسلة من نقاط الدعم لقواتها البحرية، بدءاً من ميناء سيفاستوبول على البحر الأسود، مروراً بالقاعدة البحرية في طرطوس، وانتهاء بالمركز المخطط له في بورتسودان.

ووفقاً لوثائق روسية مسربة، ثمة مشاريع روسية متعلقة بإنشاء ممرات استراتيجية داخل القارة الإفريقية تتضمن شبكات طرق وسكك حديدية، تربط بورتسودان بكل من دكار في السنغال ودوالا في الكاميرون(6)

وتوفر هذه القاعدة مدخلاً لروسيا إلى المحيط الهندي الذي تزداد أهميته الاستراتيجية، وقد صنفته العقيدة البحرية الروسية عام 2015 بأنه منطقة تتمتع بالأولوية(7).

كل ما سبق، بالإضافة إلى كون الساحل السوداني مدخلاً هاماً إلى إفريقيا، لم يغب عن واضعي الاستراتيجيات في واشنطن، التي وجدت في سقوط نظام الإنقاذ فرصة استراتيجية للعودة إلى السودان وإضعاف النفوذ الروسي والصيني هناك، حيث وضعت القيادة العسكرية للجيش الأميركي في إفريقيا (أفريكوم) غلق القاعدة الروسية في السودان ضمن أهم أربع أولويات على أجندتها(8).

موسكو والعسكريون وطموح الوصول إلى المياه الحارة

ساهمت العلاقة المتوترة بين الخرطوم وواشنطن، والحصار الذي مارسته الأخيرة على السودان، في إتاحة الفرصة أمام موسكو لبناء علاقات سياسية وثيقة مع السودان في عهد الإنقاذ، حيث تعد روسيا المزود الأول للجيش السوداني بصنوف الأسلحة التي كان في أمس الحاجة إليها لمواجهة جبهات الحرب المشتعلة في جنوب البلاد وغربها.

اكتسبت العلاقة بين الطرفين بعداً استراتيجياً جديداً بعد عرض الرئيس السابق عمر البشير على نظيره الروسي فلاديمير بوتين إقامة قاعدة عسكرية على الشاطئ السوداني، وقد تذرع البشير بالرغبة في حماية بلاده من العدوان الأميركي.

توافق هذا مع طموح روسيا إلى إنشاء وجود عسكري لها في البحر الأحمر، حيث عرضت موسكو ذلك سابقاً على اليمن (عام 2008) وعلى جيبوتي (عام 2014)، وتكللت محاولاتها بالفشل في البلدين، بينما تظل فرص المحاولة الروسية مع إريتريا قائمة(9).

أدركت روسيا الخطورة التي تحملها الثورة السودانية على حضورها في البلاد، فعملت على تسريع التوقيع على اتفاقية المركز اللوجيستي على البحر الأحمر في مايو/أيار 2019، وصادقت عليها الحكومة السودانية في يوليو/تموز من العام نفسه(10).

تميزت الحياة السياسية ما بعد البشير “بحالة تشاكس بين مكونات السلطة المدنية والعسكرية”(11)، واعتمدت مقاربة موسكو على تمتين علاقاتها بالمجلس العسكري الانتقالي، وتجلى ذلك في خطوات عدة منها انضمام روسيا إلى الصين في تعطيل إقرار مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي يُدين قتل الحكومة العسكرية السودانية للمدنيين في يونيو/حزيران 2019.

وفي المقابل، أقر المجلس العسكري العمل بالاتفاقيات السابقة، ووقع في مايو/أيار 2019 على اتفاقيتين عسكريتين جديدتين مع روسيا، تهدف إحداهما إلى تعزيز التعاون في المجال البحري.

وفي هذا السياق، استخدمت موسكو حاجة الجيش السوداني في تعزيز علاقات الطرفين، حيث تساهم الاتفاقيات في تعزيز قدرات السودان الدفاعية، وتلبي رغبته في الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية مجانية من موسكو، وتعزيز أسطوله البحري، بالإضافة إلى المساهمة الروسية في تأمين المياه الإقليمية السودانية وتوفير منظومات دفاع جوي للقاعدة، فضلا عن توفير الحماية لسواحله على البحر الأحمر، وللمنطقة الشرقية التي تشهد تهديدات إقليمية(12).

ويبدو أن روسيا لم تكتف بالعمل على تدعيم علاقتها بالجيش وحده، فتواصلت “بشكل رئيسي مع قوات الدعم السريع”(13) وفقاً للموظف السابق لدى وكالة المخابرات المركزية والخارجية الأميركية كاميرون هدسون. وبحسب خلود خير، الباحثة السودانية في مركز “إنسايت ستراتيجي بارتنرز” (Insight Strategy Partners)، فقد “واصلت روسيا اتصالاتها مع الخرطوم بفضل الجنرال محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي”، الذي وصفته بأنه “الرجل الأكثر نفوذاً في البلاد.”

وعزت الباحثة هذا الدعم الروسي للجنرال دقلو إلى استثمارات موسكو في الذهب السوداني، مضيفة أن “هناك مصادر موثوقة للغاية تفيد بأن جنوداً روساً وشركات أمنية خاصة روسية تحرس مناجم الذهب في الشمال، التي يقال إنها مرتبطة بحميدتي”(14).

ويرى مراقبون أن الرفض الروسي في مجلس الأمن (يونيو/حزيران) لوجود قوة بعثة حفظ السلام الأممية في دارفور، كان يصب بشكل غير مباشر في دعم نفوذ قوات الدعم السريع في تلك المنطقة(15).

وفي المقابل، فقد صرح قائد الدعم السريع لوكالة سبوتنيك الروسية بأن “الروس ليس لديهم أجندة في السودان”(16)، ويذهب مراقبون إلى أن حميدتي من الداعمين لإنشاء القاعدة الروسية على الساحل السوداني.

وقبل تولي جون بايدن زمام السلطة في البيت الأبيض، استثمرت روسيا في مخاوف العسكريين في مجلس السيادة السوداني من تركيز الإدارة الأميركية القادمة على ملفات حقوقية مرتبطة ببعض أفراده، كفض الاعتصام وتسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية وسيادة المدنيين على الحكم(17)، وهو ما أدى إلى تسريع سريان الاتفاقيات العسكرية مع الخرطوم، ومنح الرئاسة الروسية الضوء الأخضر في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 لبدء العمل في إنشاء القاعدة البحرية في السودان.

ورغم انفتاح روسيا اللاحق على المكون المدني في السلطة السودانية، فإن تصريح وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين بأنه لم يطلع على نص اتفاقية إنشاء القاعدة الروسية، يعد أبرز معالم اعتماد موسكو على تقوية روابطها بالمكون العسكري للسلطة، وتعزيز دوره السياسي في قيادة المرحلة الانتقالية(18).

واشنطن.. دعم الانتقال الديمقراطي لإزاحة الخصوم

رأت واشنطن في الثورة السودانية متغيراً استراتيجياً هاماً لتوسيع نفوذها الجيوستراتيجي وإضعاف الوجود الصيني والروسي في السودان، واعتمدت لذلك مقاربة سياسية قامت على دعم الانتقال الديمقراطي والحكومة المدنية أمام جناح السلطة الآخر العسكري ذي الصلات الوثيقة بموسكو.

فقد أعلنت ماكيلا جيمس نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإفريقية في أبريل/نيسان 2019، تأييد بلادها لحكومة في السودان يقودها المدنيون(19). كما زار وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الخرطوم في أغسطس/آب من العام نفسه، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 15 عاما(20).

برز الدعم الأميركي للحكومة السودانية التي توصف بأنها “موالية للغرب بشدة”(21) اقتصادياً وسياسياً، فوقعت مع واشنطن على قرض بقيمة 1.2 مليار دولار، ووقعت على مذكرة تفاهم من شأنها تمكين السودان من الحصول على تمويل يتجاوز المليار دولار من البنك الدولي، كما أصبحت واشنطن أكبر مانح للمساعدات الإنسانية للسودان عام 2020 بما يقرب من 437 مليون دولار.

وفي إطار التنافس الجيوستراتيجي الدولي، فُسر الإلغاء المفاجئ لوفد مجلس الأمن القومي الأميركي زيارة كانت مقررة إلى الخرطوم في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بأنه تم بعد شيوع خبر إعادة التفاوض بين السودان وروسيا على اتفاقية القاعدة الروسية على البحر الأحمر(22).

كما كان لافتا رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في ديسمبر/كانون الأول 2020 بعد فترة وجيزة من الإعلان الروسي عن بدء العمل في إنشاء القاعدة على الساحل السوداني.

وأقر الكونغرس الأميركي في يناير/كانون الثاني 2021 “قانون الانتقال الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية المالية للعام 2021″، الذي يتضمن استراتيجية الدعم الأميركي لعملية انتقالية نحو حكومة بقيادة مدنية في السودان، كما يشدد الرقابة على قوى الأمن والاستخبارات في البلاد، ويعزز السيطرة المدنية على القوات العسكرية(23).

وفي سياق موازٍ، انفتحت الولايات المتحدة على المؤسسة العسكرية السودانية، فبعد أسابيع محدودة على إعلان البدء في إنشاء القاعدة الروسية، أعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم أنها ترغب في تعزيز تعاون عسكري وثيق بين جيشي البلدين، وأن الملحق العسكري الأميركي جاكوب داي يعمل مع القوات المسلحة السودانية لتعزيز العلاقات الثنائية.

كما التقى جاكوب داي قائدَ القوات البحرية السودانية المكلف اللواء بحري حاج أحمد يوسف بابكر في القاعدة البحرية السودانية على البحر الأحمر، وبحث معه سبل الدفع بالعلاقات العسكرية الثنائية، ولا سيما المعنية منها بمجال عمل القوات البحرية السودانية، استناداً إلى ما أسماها خصوصية “الدور الذي تؤديه”(24).

وتتابعت بعد ذلك زيارات المسؤولين العسكريين الأميركيين إلى الخرطوم، فقد نشر أندرو يونغ نائب قائد المشاركة المدنية العسكرية في القيادة الأميركية في إفريقيا، مقالاً هاماً بعد زيارته الخرطوم في مارس/آذار 2021، ذكر فيه أنه ناقش في لقاءاته مع كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين هناك “جهود السودان لبناء جيش بقيادة مدنية أكثر قدرة وشفافية وخضوعا للمساءلة”، و”تطوير شراكة عسكرية مستقبلية” بين البلدين(25).

هذا الانفتاح على المؤسسة العسكرية يُعزى إلى إدراك الولايات المتحدة أن كبح النفوذ الروسي يتطلب مباركة الجيش السوداني الذي يقود السلطة الانتقالية حالياً(26)، وبذلك أيضاً تُفسر العروض الأميركية للتعاون وتطوير القوات المسلحة السودانية عتاداً وتدريباً، ولكن ضمن الرؤية الأميركية لبناء جيش سوداني محترف تابع للحكومة المدنية.

رسائل وتصريحات

منذ إعلان قرار البدء بإنشاء القاعدة الروسية في السودان، برزت مجموعة من المؤشرات على تحولها إلى بؤرة تنازع على مساحات النفوذ الجيوستراتيجي على شاطئ البحر الأحمر السوداني.

فقد تم تبادل رسائل بين موسكو وواشنطن من خلال رحلات سفنهما الحربية إلى ميناء بورتسودان، الذي وصلته سفينة النقل السريع التابعة لقيادة النقل البحري العسكرية (الأميركية) يوم 24 فبراير/شباط 2021، ثم وصلته السفينة الحربية الأميركية “ونستون تشرتشل” بعد ذلك بثلاثة أيام، حسبما أعلنته السفارة الأميركية في الخرطوم(27).

ولم تتأخر موسكو، حيث أعلنت وكالة إنترفاكس الروسية نقلاً عن بيان للأسطول الروسي، وصول المدمرة “الأدميرال غريغوروفتش” إلى نفس الميناء في اليوم التالي. وذكر البيان أن “هذه أول سفينة حربية (روسية) تدخل ميناء بورتسودان”، وأنها “وصلت إلى ميناء سوداني تنوي روسيا إقامة قاعدة بحرية فيه”.

وكان ملاحظا تكرار تصريحات سودانية خلال الشهور الماضية، تلقي بظلال من الغموض على إنشاء القاعدة، ثم يتم في الغالب “تصحيحها” أو نفي مضمونها من الخرطوم أو موسكو. فمثلا، قال رئيس الأركان السوداني الفريق الركن محمد عثمان الحسين يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2020: “حتى الآن ليس لدينا اتفاق كامل مع روسيا حول إنشاء قاعدة بحرية في البحر الأحمر، لكن التعاون العسكري بيننا ممتد”(28).

وفي 15 أبريل/نيسان 2021، نفى مجلس الدفاع والأمن السوداني (أعلى هيئة أمنية في البلاد) أثناء اجتماع برئاسة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، دقة الأنباء المتداولة بشأن إنشاء قاعدة روسية في البلاد(29).

وفي 28 من الشهر نفسه، صرح مسؤولون سودانيون بتجميد العمل بعدة اتفاقيات مع موسكو، من بينها اتفاقية إنشاء القاعدة العسكرية(30).

في مطلع يونيو/حزيران 2021، أعلن رئيس الأركان السوداني شروع الخرطوم في مراجعة اتفاقية بناء القاعدة التي وصف بعض بنودها بأنها مضرة بالبلاد، وأن الاتفاقية إن لم تُعرض على المجلس التشريعي السوداني “فهي غير ملزمة لنا”(31). وأضاف أن “تعاون بلاده العسكري لن يقتصر بعد الآن؛ على روسيا والصين”(32).

هذه التجاذبات بين التصريح والنفي، يمكن عزوها إلى حراجة موقف السودان بين القيود القانونية للاتفاقيات وبين الضغوط الأميركية لإثنائه عن المضي في تنفيذها. وهذه الضغوط لم ينفها وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم في إجابته عن سؤال وجه إليه على هامش مشاركته في مؤتمر موسكو للأمن الدولي في يونيو/حزيران 2021، حول وجود ضغوط من قبل الولايات المتحدة وراء قرار الخرطوم مراجعة الاتفاقية، حيث اكتفى بالقول إن السودان بات منفتحاً على العالم أجمع(33)، وشدد على متانة علاقاته مع روسيا(34).

السيناريوهات المتوقعة

وسط هذه التجاذبات حول مصير القاعدة الروسية، ورغبة الخرطوم في عدم وضع بيضها كله في سلة واحدة،  تلوح مجموعة من السيناريوهات:

1- تمسك روسيا بإنفاذ الاتفاقية، ويبدو أنها تسير فعلياً في هذا المسار رغم الإعلان السوداني الأخير بمراجعتها، وما تداولته وسائل إعلام حول انسحاب القوات الروسية من قاعدة “فلامنغو” السودانية(35)، وهو ما يبدو من تصديق الحكومة الروسية على اتفاقية إنشاء القاعدة يوم 23 يونيو/حزيران 2021(36). وهذا السيناريو يبدو محرجاً للحكومة السودانية ويزيد من حجم الضغوط عليها، وربما تلجأ إلى عدم التصديق على الاتفاقية من خلال المجلس التشريعي لاحقاً.

2- تغيير بعض بنود الاتفاقية بما يمكّن من الوصول إلى “حل وسط”(37) بحسب تعبير الدبلوماسي الروسي ميخائيل بوغدانوف، يضمن وجوداً للروس على شاطئ البحر الأحمر، ويخفف في الوقت نفسه من الضغوط الأميركية على السودان. وكانت الخرطوم قد تقدمت باقتراح تضمّن إمكانية السماح بوجود روسي محدود في قاعدة “فلامنغو” دون آليات عسكرية كبيرة أو بطاريات صواريخ أو مطار حربي، ويكون التعاون في إطار الصيانة والدعم الفني، وهو ما يعني أن جوهر القاعدة المطلوبة يصبح “مدنياً ويقدم خدمات لوجيستية للبواخر، دون عتاد عسكري يُحرج السودان أمام شركائه الغربيين”(38). والحل الوسط يبدو أنه الأوفق لجميع الأطراف، وإن كان تجريد القاعدة من “أنيابها” سيقلل من جدواها بالنسبة لموسكو.

3- أن يعمل الروس على إنشاء القاعدة في موقع آخر خارج السودان تحسباً لعواقب الضغط الأميركي، وهنا يبرز اسم إريتريا التي أعلن سفيرها لدى موسكو في فبراير/شباط الماضي ترحيب بلاده باستضافة المركز اللوجيستي الروسي(39). ويرتبط تحقق هذا السيناريو بمسار العلاقات الأميركية الإريترية التي تشهد توتراً كبيراً على خلفية الحرب في إقليم تيغراي. وفي حال تحققه، فإنه سيزيد من هذا التوتر ومن ضغوط الولايات المتحدة على حكومة أسمرا.

نقلا عن  مركز  الجزيرة  للدراسات 


Comments

comments

شاهد أيضاً

“الحلم المسروق”.. كتاب يكشف أسرار وخفايا فترة حكم الرئيس مرسي

في الذكرى الثانية لوفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي، أصدر مركز الحضارة للبحوث والدراسات كتابا توثيقيا …