القدرة الإلهية تحسم القضية

كم من مظلوم لا حيلة له سوى أن يمد يديه بالدعاء حتى تبلغ عنان السماء .

وكم من ثكلى فقدت فلذة كبدها ولا حيلة لها سوى الدموع الحارقة تسكبها في الليالي الظلماء.

وكم من يتيم ضعيف لا يستطيع سوى أن يُلمْلِم حروف كلمات تخترق بروج السماء.

وكم من أرملة تفجِّر لوعة الحزن وحُرقة الأسى ومرارة الفِراق بدعاء تئط منه السماء.  

إن هؤلاء جميعهم ما يفعلون ذلك إلا ثقة بقدرة الخالق سبحانه وتعالى الذي يسمع الأنين ويستجيب الدعاء. فالظلم له مرارة ولوعة لا يشعر بهما ولا يصفهما إلا من جرَّبهما واكتوى بنارهما. فالظلم وإن كان ظلمات على المظلوم في الدنيا بفقدان مال أو بمفارقة حبيب أو بحرمان من متاع زائل فإنه أشد ظلاماً على الظالم في الدنيا والآخرة؛ فشتان الفرق بين فعل البشر وفعل خالق البشر سبحانه وتعالى.

فالظالم يُعذَّب في الدنيا وهو ينتظر وعد الله تعالى بهلاك مُلكه وتبديد ظلمه ونفاد قوته وجعله عبرة لمن بعده، كما أنه سيُعذب في الآخرة عذاباً أشد وأنكى. فالله تعالى أعلم بالظالمين ولا يحب الظالمين ووعد بإهلاكهم.                                                    

وإهلاك الظالمين يكون بقسط من العذاب من جنس أعمالهم في الدنيا تطييباً لجراح المظلومين وبشارة لهم بأن قيوم السماوات والأرض يُمهل ولا يُهمل، والعذاب الأكبر للظالمين ولمن تشيع لهم يكون يوم القيامة.  إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ

عندما يسمع المظلوم أو يقرأ ويتدبر قول الله تعالى في كتابه العزيز: ” إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ” ( الفجر 14) تنزل الآية على صدره فتضمد الجراح وتزيل الآلام وتزيد البشارة والثقة في وعد الله تعالى.

– إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد: المِرْصادُ: طريق الرَّصْدِ والمُراقبة، أَو موضِعه وهو لك بالمِرْصاد: يراقِبُك ولا تَفُوتُه .

جاء في تفسير القرطبي: يرصد ربك عملَ كل إنسان حتى يُجازيه به.    

وجاء في تفسير الرازي: أي يرصد لأهل الظلم والمعصية.

وجاء في تفسير السيوطي: إذا كان يوم القيامة يأمر الرب بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ثم يقول: أنا الملك الديان وعزتي وجلالي لا يتجاوز اليوم ذو مظلمة بظلامته ولو ضربة بيد فذلك قوله: ” إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ”.            

 – وجاء في تفسير الشوكاني: أي أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيراً، وبالشرّ شرّاً.   

وجاء في أيسر التفاسير: وَاللهُ سُبْحَانَهُ عَالِمُ بِمَا يَفْعَلُهُ الطُّغَاةُ، وَهُوَ يَرْصُدُ تَصَرِّفَاتِهِمْ وَيُرَاقِبُهَا، وَلا يَفُوتُهُ شَيءٌ مِنْهَا، فَأَخَذَ هَؤُلاءِ العُتَاةَ الطُّغَاةَ الكَافِرِينَ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ .

وجاء في تفسير النابلسي: أي إن كل حركاتك وسكناتك، وخواطرك، ونياتك، وطموحاتك، وما تنوي أن تفعله وما تفعله، وما تكنُّه وما تسرّه وما تعلنه، مرصودٌ من الله عزَّ وجل؛ أي مراقب مراقبة دقيقة، أنت تحت المراقبة الإلهية .

وجاء في تفسير الظلال: فربك راصدٌ لهم ومُسجلٌ لأعمالهم. فلما أن كثر الفساد وزاد, صب عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحِي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصَّب؛ حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان ومكان. ومن قوله تعالى: ” إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ” تفيض طمأنينة خاصة, فربك هناك, راصد لا يفوته شيء, مُراقب لا يند عنه شيء, فليطمئن بال المؤمن، ولينم ملء جفونه, فإن ربك هناك! بالمرصاد للطغيان والشر والفساد. ” إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ” يرى ويحسب ويحاسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يُخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء.

– وجاء في مختصر تفسير ابن كثير للصابوني: قال ابن عباس: يسمع ويرى يعني يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلاً بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقابل كلاً بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور.                   

– وبعد استعراض ما ورد في التفاسير عن هذه الآية الكريمة نجد أن الواقع خير شاهد على ذلك, ففي الصحيحين عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ” إن اللّه ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته”، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: ” وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ …… الآية “.

إن العاقل من اعتبر بغيره ولم يكن هو عِبْرَة لغيره فإن الله عز وجل قد جعل من بعض خلقه الظالمين والجاحدين والغافلين عِبْرَة لغيرهم من الخلائق لينزجروا بهم كما قال الله عز وجل: ” قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ” ( آل عمران 137 ). والله تعالى يختم أخبار هلاك الظالمين من الأمم المُكذِّبة لرسلهم بقوله تعالى: ” إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، الألباب، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، يذكرون، يعقلون” لنعلم أن المراد من ذلك هو العظة والاعتبار .

القدرة الإلهية تحسم القضية

إن الواقع لخير شاهد على انتقام الله تعالى من الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عِوَجاً، فهو سبحانه وتعالى شاهد على ما يُمارسونه من باطل وقادر على دحضه وتفنيده. شاهد على ما يُمارسونه من بطش وتنكيل بالعباد وقادر على الصد والدفاع عن عباده. شاهد على ما يُمارسونه من زور وبُهتان وإلصاق تهم زائفة وادعاءات كاذبة بالعباد وقادر على إظهار براءتهم وتطهير ساحتهم. شاهد على ما يُمارسونه من ذنوب ومعاصٍ وفواحش وقادر على رفع ستره عنهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد.

إلى المظلومين                                                        

– فيا أيها المظلوم استبشر بيوم ترى فيه ظالمك ذليلاً صاغراً يتمنى أن تمور به الأرض مَوراً فتسكب العبرات التي تنسيك الزفرات.

– ويا أيتها الثكلى قري عيناً، فدموعك الحارقة قد تلقتها القدرة الإلهية وحولتها إلى بَرْد يُثلج الصدور.

 – ويا أيها الضعيف أنت قوي بالقوي العزيز الجبار المُتجبر المنتقم الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

– ويا أيها اليتيم لا تجزع فلقد فتح الله تعالى لك قلوب العباد. ألا تراهم يتزاحمون على بابك ويتنافسون على خدمتك لينالوا رضا الله عز وجل وكفاك عِزاً وفخراً بأن نبيك كان يتيماً.

– ويا أيتها الأرملة؛ ألم يكفيك أن يجعل الله تعالى الساعي على خدمتك ورعاية شئونك وتدبير أمرك كالمجاهد في سبيل الله؟ ألم يكفك أن تبادري رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أنا أول من يفتح باب الجنة، فأرى امرأة تبادرني – أي تسرع خلفي لتدخل معي إلى الجنة – فأقول لها: مالكِ؟ من أنتِ؟ فتقول المرأة: أنا امرأة قعدت على أيتام لي ” ( أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم ووافقه الذهبي) والمراد بقوله: (قعدت) أي عن الزواج. أليس هذا كفيل بتطبيب الجراح وتطييب النفوس؟   

مسكين أيها الظالم    

– مسكين أيها الظالم فكم أنت مخدوع بإمهال الله تعالى لك.

– مسكين أيها الظالم فلن يُغني عنك ملكك الخادع وغرورك الزائف ولن ينفعك مالُك.

– مسكين أيها الظالم وأنت تتشبث بمُلك فيه حتفك وهو لا يساوي عند الله جناح بعوضة ولا يساوي شربة ماء تشرق بها أو يحبسها الله تعالى في أحشائك فلا تستطيع أنت أن تصرفها ولو أنفقت كنوز الأرض ثمناً لذلك.

– مسكين وأنت تحصن نفسك وذويك في قصور منيعة وكأنها سجون ضاقت بأهلها مهما اتسعت ومهما زُينت ومهما حُصِّنَت.

– مسكين أيها الظالم وأنت تُغدق على حاشيتك وحُراسك من عطاياك لتأمن جانبهم وتتقي مكرهم وشرهم.

– مسكين وأنت تطاردك لعنات المظلومين فتقض مضجعك وتنغص يقظتك.

 – مسكين أيها الظالم وأنت تفزع من خيال هِرَّة وينخلع فؤادك من هتافات المظلومين.

– مسكين حين يرفع الله تعالى عنك ستره ويفضح أمرك على رؤوس الأشهاد.

– مسكين أيها الظالم حين تنفض عنك بطانتك ويتبرأ منك أتباعك وذووك.

–  مسكين حين يطمس الله تعالى على بصرك وبصيرتك فلا تعتبر بمن سبقوك وأنت ترى عروشهم قد نُكست, وملكهم قد زال ولا يُذكرون إلا وقد لحقت بهم اللعنات.

–  مسكين أيها الظالم حين تتمنى الموت فلا تجده.

– مسكين حين تستغيث ولا مُغيث, وتصرخ ولا مُجيب .

– مسكين أيها الظالم حين تُوصد في وجهك أبواب الرحمة وتُجر إلى العذاب جراً.

– مسكين حين تنقطع بك الأسباب وتقطع لك ثياب من نار وتلقى في جهنم فتلقى سعيراً.

اللهم جنبنا الظلم والظالمين وجنبنا حالهم ومردهم وسوء مآلهم.

Comments

comments

شاهد أيضاً

ما هي ملة إبراهيم عليه السلام التي أمر الله باتباعها؟

جاء الأمر في القرآن الكريم، بأكثر من آية، باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: …