القرار (444) .. مصالح وبيزنس على أشلاء أهل النوبة

“نصر النوبة” اسم على غير مسمى، وجملة ملغمة بالنتوءات الإنسانية والشقوق التاريخية، عندما تقوم بتفكيك أطرافها تدلك على المعني الذي كان يسبح في بطن “الشاويش” صاحب الابتكار، وهى تعني انتصار عسكر “النكسة” على أهل النوبة، وتهجيرهم من قراهم، في أسوأ شتات شهدته مصر.

هو ذلك المكان الذي تم نقل أهالي النوبة له من قراهم الأصلية، التي كانوا يقيمون فيها على مر تاريخهم الطويل، على ضفاف النيل جنوب السد العالي، قبل أن يوجد هذا السد، فمركز نصر النوبة مقام على أرض صحراوية شديدة الحرارة، تكاد تنعدم فيها مظاهر الحياة الإنسانية الكريمة، حيث المنازل مقامة على أرض متحركة ، وما أن يتم بناؤها حتى تتشقق، ولا يوجد به خدمات تذكر للدولة، ولا مشروعات استثمارية من أي نوع، حتى أن أهالي النوبة دأبوا على الهجرة سواء إلى باقي محافظات مصر أو خارجها .

ميديا كاذبة!

في أغنية شركة موبينيل الشهيرة “دايماً مع بعض”، ظهر ذلك الرجل النوبي في جلبابه الأبيض الجميل، يقطع رغيف خبز شمسي طازج ومكتنز، مع طفلة ترتدي الزي النوبي المزركش وبجوارهم النيل، تلك اللوحة المبهرة “الخيالية” التي صدرها إعلام الانقلاب عن أهل النوبة، المبسوطين وحياتهم الهادئة الخالية من أي متاعب!

استطاع نظام العسكر وعلى مدار 50 عاماً أن يخلق حالة، أن النوبيين عايشين ومرتاحين، وبيوتهم ملونة والجو ربيع عندهم، بمعنى أصح فتت الحشد المجتمعي تجاه القضية النوبية؛ لدرجة أن الناس تحسد أهل النوبة على الكذب الذي روجه العسكر. الأدهى من ذلك أن الانقلاب استطاع خداع أهل النوبة مرة أخرى في دستور 2013 / 2014، عندما أقرّ على الورق فقط بحق النوبيين بالعودة إلى موطنهم الأصلي، وتنمية النوبة في 10 سنوات!

بعدها صدم قرار الشاويش العسكري رقم “444” لعام 2014 أهل النوبة، والخاص بتحديد المناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر العربية مع دولة السودان والقواعد المنظمة لها, والقرار يلغى حق أهل النوبة في مواقعهم الأصلية بالمنطقة الشرقية لضفاف بحيرة ناصر.

والسؤال المهم: ما هي الأسباب التي تدفع قادة الانقلاب بالجيش المصري لتنفيذ خطط تهجير لكل من أهالي سيناء والآن أهالي النوبة؟ أهي أجندة أجنبية للتقسيم بملامح صهيوأمريكية ينفذونها عبر مراحل! أم هي مصالح و”بيزنس عسكري” للاستثمار والاستحواذ على أراضي مصرية ذات خصائص مميزة كالتي على ضفاف نهر النيل لإقامة مشروعات استثمارية تقوي إمبراطورية العسكر؟

 

النوبة أم إسرائيل أيهما أخطر؟!

القرار رقم “444” يعني ببساطة تخوين أهل النوبة ويتهم أناسا شرفاء بأنهم عملاء وجواسيس، ويقضي بأن 16 قرية من قرى النوبة القديمة منطقة حدودية محظورة، وتخضع ” لبطش” العسكر بطول 110 كيلو متر شرق بحيرة السد، و 25 كيلو متر غرب بحيرة السد، على الرغم من أن المنطقة الحدودية بين مصر وكيان الاحتلال الإسرائيلي من 4 – 5 كيلو متر فقط !!

وبعيداً عن بطلان القرار نفسه المخالف لدستور الانقلاب 2014 ، وبعيداً عن برلمان “الدم” الذي طبقاً لنفس الدستور رفض خلال المدة القانونية قانون الخدمة المدينة، وبدون الخوض في تفاصيل كثيرة فإن قانون 444 يعتبر 16 قرية نوبية بجرة قلم منطقة محظورة .. وقد تم تمريره!

القضية هنا ليست مخالفة العسكر الصريحة لدستورهم الانقلابي، ولا قضية برلمان “دم” أشبه بـ”كيس جوافة” عديم الفائدة، وإنما القضيّة قضية حق يجب عودته للنوبيين الذين تم تهجيرهم 5 مرات من أراضيهم:

– مرة عام 1898 ميلادية في عملية بناء أساسات خزان أسوان.

– ومرة عام 1902 ميلادية في عملية بناء خزان أسوان.

– ومرة عام 1912 ميلادية بسبب تعلية المياه في الخزان.

– ومرة عام 1934 ميلادية بسبب التعلية الثانية للخزان.

– وأخيرا في عام 1963 لأجل بناء السد العالي، وكانت هذه أكبر عملية تهجير حدثت في تاريخ مصر بالكامل؛ فتم تهجير أكتر من 100 ألف لخارج الأراضي النوبية.

بالعربي الفصيح

يقول الناشط النوبي “سمير حسون”، أحد المهتمين بالتراث النوبي، إن “النوبة المصرية والنوبة السودانية يجتمعان عبر التاريخ ويربطهما تراث وتاريخ وإرث اجتماعي وهناك اتصال وأواصر وترابط عائلي وأسري وانتم ليه عايزين توجدوا فصل؟ بالعكس انت حاليا عندك مشكلة مياه النيل لأنك اديت ظهرك لافريقيا منذ عام من 1995 ومازلت تفكر بعقلية 1995”!

ويضيف “حسون” موجها كلامه لقائد الانقلاب العسكري :”انتم فتحتوا معبر السودان الشرقي عشان حركة التجارة بينك وبين الغربي وعايز تفتح الغربي وعايز تُخلي المكان وتعزله.. ازاي يعني؟..انتم المفروض تعملوا منطقة سوق حر ومنطقة تجارة حرة، ففي مؤتمر اثيوبيا كانت هناك افكار لعمل قطار سريع بين افريقيا ومصر ..عايز اعمل قطار اربط افريقيا كلها وبعدين آجي اقول المنطقة الجنوبية مافيش فيها عمران؟..ايه فكرة القرار ده؟ مالوش مبررغير انك انت مخوني ؟؟قول لي عبر تاريخ مصر اذا كان هناك واحد نوبي استطاعت اي مخابرات على مستوى العالم تجنيده ضد مصر؟”.

بينما يعلق الكاتب الصحفي النوبي “محمد توماس”، بالقول:”ما لم يسع على العسكر فهمه.. حضراتكم اشربوا الشاي في مكاتبكم براحتكم .. افتحوا التليفزيون وشوفوا النوبه بتاعتكم .. روحوا مجلس الشعب واطلعوا لنا بحاجة نضحك عليها .. ورقة الكوتشينة بتاعتكم بإننا خاينين للوطن وعايزين ننفصل مش هتخوفنا .. وبالعربي الفصيح إحنا بنرفض قرار 444”.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …