المستشار عماد أبو هاشم يكتب: أحلام الفتى الطائر .. أحمد الزند

امتلك عبد الفتاح السيسى قوة القمع متمثلةً فى الجيش والشرطة، وامتلك أحمد الزند (وزير العدل المُقال) الأداة التى توفر الغطاء القانونىَّ الظالم لأعمال القمع, وتُضفى الشرعية الزائفة على ممارسيها ممثلةً فى النيابة والقضاء، وإن كان السيسى قد حظى بدعم بنيامين نيتنياهو فى إسرائيل فقد حظي الزند بدعم أحمد شفيق فى الإمارات؛ الأمر الذى جعل كليهما يقفان معًا على قدم المساواة رأسًا برأس، فكلاهما أحد ثوابت معادلة القهر التى لن تكتمل المعادلة رياضيًّا بدونه.

هكذا رتَّب الزند حساباته مقتنعًا أنه أحد ثوابت النظام التى لا تقبل التغيير وإن تغير النظام ذاتُه، وربما ظن أنه حتى إن أطيح به فإن اتزان المعادلة السياسية سيُحتّم إعادته ثانيةً بأىِّ وسيلةٍ كانت، وهو فى ذلك يستند إلى تأييدٍ تاريخىٍّ واسع النطاق داخل أركان دولة مبارك العميقة على خلفية تعاونه معها فى الإطاحة بتيار استقلال القضاء, ونتيجةً لمواقفه المعادية لنظام الرئيس محمد مرسى انتهاءًا بإدارة العدالة لتصفية الحسابات السياسية لدولة السيسي وفلول مبارك مع خصومهم من الإخوان المسلمين وغيرهم  .

الأهم من ذلك أن سرَّ تنامي القوة الناعمة التى كان وما زال يحظى بها الزند داخل دولة مبارك العميقة يكمن فى دعم الفريق أحمد شفيق له منذ وقتٍ مبكرٍ إبان حكم مرسي، ولا يخفى على أحدٍ أن شفيق هو أحد حَمَلَةِ مفاتيح خزانة أسرار ترسانة مبارك فى الداخل والخارج، الأمر الذى استتبع اتصالًا ما بشكلٍ أو بآخر بين الزند وبين قوىً سياسيةٍ فى الخارج تنسق تحركاتها مع شفيق وأسرة مبارك.

لقد طمح الزند إلى القفز إلى سدة الرئاسة أو على الأقل إلى مستوياتٍ أرفع من منصب وزيرٍ للعدل مستغًلا الدعاوى المتكررة التى يطلقها رجال مبارك لانتخاباتٍ رئاسيةٍ مبكرةٍ يستطيع أن ينقض ـ من خلالها ـ بكتيبة التزوير التى دشنها من عددٍ كبيرٍ من خلصائه فى الهيئات القضائية ليزوِّر نتيجة الانتخاب التى سبق أن زوَّرها للسيسي، لكن هذه المرة سيكون التزوير لصالحه هو إن تمكن من ترشيح نفسه لهذا المنصب أو لصالح مرشحٍ آخر تأتى به دولة مبارك العميقة، وهذه هي غاية دعاة انتخابات الرئاسة المبكرة، وقد استخدم ذات السيناريو مع الرئيس مرسي قبل الانقلاب عليه.

لقد كان بإمكان الزند أن يسلب الشرعية الزائفة التى اختلسها لنظام السيسى بذات الطريقة التى منحه إياها ولاسيما أن الظروف الراهنة تجعل من قوة البطش التى يمتلكها السيسى قوةً غاشمةً فى أمس الحاجة إلى غطاءٍ من الشرعية والقانون اللذين يوفرهما لها قضاء الزند بسسخاءٍ، بحيث أنه إن أزيح ذلك الغطاء عن جسد نظامه العارى عن الشرعية فإنه لن يصمد أبدًا فى وجه لسعات البرد التى ستهب عليه من أوروبا وأمريكا، كما أنه لن يصمد أمام قيظ شمس أعدائه فى الداخل.

ولعل ذلك يفسر الخطاب الإعلامىَّ الذى كان ينتهجه الزند كزعيمٍ سياسىٍّ لا مجرد وزير عدل، ويفسر ـ أيضًا ـ سر جرأته على السيسى ونظامه وثقته الزائدة عن الحد، ويمكننا كذلك ـ فى ضوء ما تقدم ـ أن نؤكد أن تصريحات الزند الصادمة بما فى ذلك اعترافه بمقتل الشاب الإيطالى ريجينى على أيدى الشرطة المصرية كانت متعمدةً بإيعازٍ من شفيق, وكان الهدف منها إحراج نظام السيسى وتقويض أركانه.

لكن .. استبق السيسى الزند وأطاح به، وربما كان الزند ومَن خلفَه يتوقعون ذلك وقد أعدوا العدة لخوض حربٍ من الكرِّ والفرِّ بينهم وبين نظام السيسى، نعم طار الزند إلى الإمارات ولم يستطع نادى القضاة أن يُكشِّر علانيةً عن أنيابه للسيسى كما فعل ـ من قبل ـ مع مرسي، لكن بقى مفتاح ترسانة التزوير التى بناها الزند بدعمً من قوى الظلام داخل جيبه، وبقى أفراد عصابة التزوير فى الجسد القضائىِّ لنظام السيسي على أهبة الاستعداد للانتقام منه فى أول فرصةٍ تتاح لهم للتكشير له عن أنيابهم أو من خلال أول انتخاباتٍ يُدعى لها الناخبون بإشارةٍ واحدةٍ من الزند؛ ليعود ـ بعدها ـ الزند فوق أشلاء السيسي حاملًا على جناحيه نظام مبارك فى ثوبه الجديد.
فهل سينجح الزند فى ذلك أم سيكون مصيره على يد السيسي كمصير ” عادل إمام ” فى مسلسل ” أحلام الفتى الطائر”؟

Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب : الملك تشارلز والدفاع عن الدين البروتستانتي

قضية فصل الدين عن الدولة لا تجد لها مروجين إلا في بلادنا، فأوربا مرتبطة بالمسيحية، …