المشروع “القومي” للبلازما .. بيزنس جديد لاحتكار جيش السيسي


في ظروف غامضة بعيدة عن الإجراءات الدستورية والقانونية الاعتيادية، أعلن الجيش المصري منذ أيام افتتاح “أول مركز متكامل في أفريقيا والشرق الأوسط لتجميع البلازما بمدينة السادس من أكتوبر لتحقيق الاكتفاء الذاتي للأدوية المشتقة من البلازما، بالتعاون بين جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة وشركة غريفولز الإسبانية”.

وكرّس الجيش بذلك إدارته وسيطرته المطلقة على ما يسمى “المشروع القومي لإنتاج أدوية مشتقات بلازما الدم”، والذي وضعت الدولة نواته بعدما اكتشفت خلال تفشي وباء كورونا وجود قصور ونقص في المخصصات والمنجزات الحكومية في هذا المجال العلاجي الحيوي.

الوسط الطبي والعلمي المصري كان يرحب بتدشين مشروع حكومي كبير لتلبية الاحتياجات الصحية للمواطنين من البلازما، إذا كان المشروع مرتبطاً بالاحتياجات والمراكز الحكومية العاملة في هذا المجال بالفعل منذ سنوات.

لكن ما حدث هو صدور قرار شفهي من عبد الفتاح السيسي بإسناد هذا المشروع “القومي” إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، والذي أنشأ بدوره شركة استثمارية سيتبعها هذا المركز، خارجة عن نطاق سيطرة الأجهزة المعنية، وتابعة لوزارة الدفاع فقط، هي “غريفولز إيجيبت” بالشراكة مع شركة إسبانية تحمل الاسم نفسه.

بيزنس طب الجيش

وتُعتبر الشركة الجديدة امتداداً للمنظومة الطبية للجيش، من دون أي تغيير أو دمج لمراكز أو شخصيات حكومية أو مستقلة، ويرأس مجلس إدارتها اللواء طبيب مجدي أمين مبارك، الذي كان يشغل منصب مدير إدارة الخدمات الطبية بالقوات المسلحة حتى الشهر الماضي.

وقالت مصادر مطلعة لصحيفة “العربي الجديد” إن وزير الدفاع الفريق أول محمد زكي كان سيبقي على “مبارك” في المنصبين، لكن السيسي تدخل وأمر برئاسته للشركة فقط باعتبارها “كياناً سيعمل تحت إشراف مباشر من رئاسة الجمهورية”، فتم اختيار اللواء هشام الششتاوي الذي كان رئيساً لأركان إدارة الخدمات الطبية مديراً جديداً لها.

وحتى الآن تحاول الرئاسة ومجلس الوزراء ووزارة الدفاع التعتيم على هوية مبارك كرئيس للشركة الجديدة، حتى يظهر الأمر للرأي العام ودوائر الصحة والبحث العلمي والأعمال أن الشركة الجديدة مجرد فرع للشركة الإسبانية تحت إدارة وزارة الدفاع.

وهو أمر مختلف عن الواقع وهيكلية الشركة التابعة تماماً للجيش، وتستخدم فقط اسم وتكنولوجيا الشركة الإسبانية.

وينوي الجيش إنشاء 20 مركزاً للتبرع بالبلازما تابعاً للشركة الجديدة، وإنشاء مصانع ومخزن مركزي للبلازما، ومختبر معملي لاختبار عينات البلازما، بالإضافة إلى مركز تدريب وتطوير تابع لأكاديمية الشركة الإسبانية.

 أما الهدف

النهائي للمشروع فهو أن تكون هذه الشركة هي المركز الرئيس لعمليات الدم والبلازما في مصر، بدلاً من منشآت وزارة الصحة والجامعات التي كانت مؤهلة للقيام بهذا الدور بالفعل، في حال توفير الإمكانات المالية والتسهيلات التشريعية المطلوبة منذ عقود لتمكينها من التعاقد مع الشركات الأجنبية النشطة في هذا المجال، ثم ستتجه الشركة العسكرية إلى تصدير المنتجات في مرحلة لاحقة.

وستصب ممارسة هذه الأنشطة بصورة احتكارية في مصلحة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزير الدفاع مباشرة، شأنه شأن المشروعات الأخرى التابعة للجهاز ذاته، في مجالات الوقود والإنتاج الزراعي والحيواني والغذائي. وكل الأرباح ستصبّ لصالح الجيش الذي يحصل على الأراضي والتسهيلات المختلفة من الدولة بموجب إجراءات استثنائية وغير شفافة، وتحول دون حرية المنافسة.

وسبق افتتاح المركز بأيام إصدار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اللائحة التنفيذية لقانون عمليات الدم والبلازما، والذي صدر في فبراير/ شباط الماضي.

وذكرت الحكومة آنذاك أنها تهدف به إلى “تشجيع الجهات الرسمية والمستثمرين في المجال الطبي على خوض هذا النشاط، ثم العمل في مرحلة لاحقة على تصدير تلك المنتجات للخارج”.

ولا يتعامل القانون الجديد مع هذا المجال باعتباره خدمياً من الدرجة الأولى، رغم أنه ينص على فكرة تدشين “المشروع القومي” لأنه يربط التجميع والإنتاج بإمكانية البيع والتصدير للخارج، على الرغم من أن الحصول على البلازما من المواطنين سيكون عن طريق التبّرع فحسب.

ويمهد القانون ولائحته الطريق لسيطرة الجيش على هذا المجال بالكامل، فبداية ستتشكل لجنة برئاسة رئيس الوزراء، وعضوية وزيري الصحة هالة زايد والتعليم العالي خالد عبد الغفار ورئيس هيئة الدواء المصرية تامر عصام، ورئيس هيئة الشراء الموحد (التابعة للجيش) بهاء زيدان، وممثل آخر لوزارة الدفاع.

وتختص اللجنة بوضع خطة لإنشاء المصانع ومراكز تجميع البلازما وأماكنها ووضع المعادلة السعرية للتصرف في البلازما بصورة دورية، وربط سعر التصرف بالسوق المحلي بالأسعار العالمية، وإصدار التوصيات اللازمة لموجبات تحقيق توطين الصناعة.

وتعني هذه الخطوات تأمين سيطرة فعلية للجيش على أعمال اللجنة من خلال ممثلين اثنين، وغياب تمثيل المجتمع الطبي والعلمي والاستثماري، إلا بوجود الوزراء الخاضعين لتوجيهات السيسي.

وبينما وضعت اللائحة أسعاراً عالية للرسوم المطلوب سدادها من المستثمرين في مجال الخدمات الطبية للحصول على ترخيص تشغيل مراكز خدمات الدم والبلازما، من أول فحص الطلب ثم المعاينات ثم الترخيص النهائي، تعفي اللائحة الجهات الحكومية (والتي من بينها جهاز مشروعات الخدمة

الوطنية) من أي رسوم.

كما أن تزامن افتتاح مركز بهذا الحجم مع صدور اللائحة قبل استعداد باقي المستثمرين الذين ينوون الدخول في هذه السوق الجديدة، سيعطي جهاز الخدمة الوطنية أفضلية كبيرة، إلى جانب التسهيلات الأخرى المضمونة في عمليات الفحص والتراخيص واستيراد الأجهزة والمواد ثم تصدير المنتجات.

وللأسباب نفسها، أصبح الجهاز يمتلك أفضلية كبيرة على حساب الجهات الحكومية والعلمية الأخرى والشركات الخاصة التي تساهم فيها الدولة وأي من الوزارات بحصة حاكمة، التي يمنحها القانون حق العمل في هذا المجال، لأن هناك شرطاً لذلك هو أن يكون العمل تحت إشراف فني لشركة عالمية متخصصة في مجال تصنيع مشتقات البلازما.

ويعني هذا الأمر أن باقي الجهات الراغبة في المنافسة سيكون عليها البحث عن شركة مثل “غريفولز” الإسبانية لإجراء التعاقد معها.

كما أن دخول الجيش كمستثمر أكبر في هذا المجال سيصعّب استفادة المستشفيات التابعة لوزارة الصحة والجامعات مباشرة من الفوائد المتوقعة لهذا المشروع، تماماً كما حدث عندما استورد الجيش لحسابه كميات من لقاح فيروس كورونا وعقاقير وأدوية ووجهها فقط للمستشفيات والمراكز التابعة له.

وكما حدث سابقاً عندما فتحت الدولة الباب لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية لاستيراد الأجهزة الطبية فجعل الأولوية لنفس المستشفيات، وفي المرتبة التالية جاءت المستشفيات الحكومية التي يرتادها السواد الأعظم من المصريين.

وأصدر السيسي عام 2015 قراراً جمهورياً، يعتبر مفصلياً في تكريس قوة الجيش الاقتصادية، منحه به صراحةً صلاحية “تأسيس الشركات بكافة صورها، سواءً بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي”، وذلك بهدف تجهيز وإعداد مدن ومناطق عسكرية، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تحقيق أهدافه وتنمية موارده، وذلك بواسطة الأجهزة التابعة لوزير الدفاع، ويطبق هذا القرار على مشروع البلازما.

وخلال العام الحالي واصل الجيش توسعه الاقتصادي بصور مختلفة، أبرزها إنشاء مدينة “سايلو فودز” التي ستدخل بقوة مجال الصناعات الغذائية الاستثمارية مع تخصيص جزء من القمح المستورد رسمياً لها، ومنحها عقود توريد التغذية المدرسية مستقبلاً.

وفي يوليو/ تموز الماضي أقامت شركة “ڤيكا” للإسمنت المساهم الرئيسي في شركة “إسمنت سيناء” منذ عام 2003، دعوى ضد الحكومة المصرية أمام مركز تسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي “إكسيد”.

وتطالب الشركة بتعويض مالي كبير، جراء ما وصفته بالتضييق على مصالحها ودفعها للتخلي عن أسهمها، ليستحوذ عليها الجيش

بحجة “الحفاظ على الأمن القومي المصري” ومنعها من ممارسة صلاحياتها القانونية، بدعوى تعارض تملكها لحصة الأكثرية من المؤسسة مع قانون محلي يحظر تمليك الأجانب أراضي شبه جزيرة سيناء.

وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، واجه وزير الخارجية ‫المصري سامح شكري خلال زيارته إلى نيويورك أسئلة صعبة وانتقادات حادة على مستوى مستقبل الاقتصاد المصري في ظل الهيمنة العسكرية على الأنشطة الصناعية والتجارية والإنتاجية المختلفة، وتأخر وعدم جدية النظام في ما وعد به نهاية عام 2019 من طرح شركات القوات المسلحة في البورصة ضمن برنامج الطروحات الحكومية. في المقابل، تعمل شركات قطاع الأعمال العام وبعض الشركات المملوكة للهيئات الاقتصادية في البورصة.

وهو ما يظهر استمرار الهيكلية الغامضة لجميع شركات الجيش، لأنها ليست مؤسسة كشركات مساهمة من الأصل وغير خاضعة لأي نوع من الرقابة الفعلية. وتغيب الجدية في إشراك القطاع الخاص المحلي والدولي في المشروعات المرفقية المختلفة التي ينفذها الجيش والشركات الحكومية، واقتصار أعمال المستثمرين على المقاولات الصغيرة والتوريدات وغيرها من الأنشطة غير الإنتاجية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

البرهان: عودة السودان للمجتمع الدولي جاء عبر علاقتنا مع “إسرائيل”

اعتبر قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أن الاحتلال الإسرائيلي “دولة مثل كل الدول” من …