المقاول عرفة الشواف


حالة من اليأس سيطرت على كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعد مرور “جمعة الخلاص” على عكس ما يبغون. فلم تكن خلاصا ولم يكن الحشد كما كان مطلوبا أن يكون. سادت حالة من التفاؤل والثقة الكبيرة في أن هذا اليوم، سيكون فارقا وحاسما والسبب الوحيد برايي هو الثقة الشديدة أن خلف الفنان والمقاول “محمد علي” ركن شديد، قادر على التدخل والحسم.

الموقف ذكرني بمسرحية “وجهة نظر”، التي صاغها بعبقرية “لينين الرملي”. تعامل كل المقيمين في دار رعاية المكفوفين مع الوافد الجديد “عرفة الشواف” بكثير من الشك في بداية انضمامه إليهم، لكن مع الوقت ولأنه الوحيد الذي أعمل عقله، ظن الجميع بدءا من مدير الدار، مرورا بالموظفين، وانتهاءا بالمكفوفين أنفسهم أنه يرى، حتى كانت الصدمة كبيرة حين اكتشف الجميع إنه كفيف مثلهم وكانوا قد علقوا عليه آمالا عريضة في التخلص من استغلالهم، والحصول على حقوقهم المسلوبة.

هنا يأتي السؤال: هل وراء محمد علي جهة أو شخص ما؟، من الصعوبة بمكان حسم الأمر رغم أن الإجابة واحدة من اثنتين لا ثالث لهما، إما نعم وإما لا. المنحازون للاحتمال الأول، لتصريحه هو نفسه أن هناك قادة من الجيش والشرطة المصريين قد تواصلا معه وأبدو مسادنتهم له في حراكه، وأن في الجهازين هناك شرفاء ملوا من الظلم واستغلال النفوذ، وإهدرا المال العام.

أما لا فقد كان احتمالا ضعيفا عند الأغلبية، عززه السرعة التي تم بها الدعوة للحشد والنزول إلى الشارع، بعد أقل من شهر من بداية كشف جزء من فساد الهيئة الهندسية في قطاع المقاولات فقط، والتي استجابت لها أماكن لا بأس بها تمركزت في محافظات الوجه البحري.

حتى مع تصريحات محمد علي المتكررة، من أنه مداوم على تغيير أماكن إقامته في أسبانيا، خوفا من تعرضه لمحاولات اغتيال، لم تمح من الأذهان وجود جهة ما تعمل معه وتنسق له، وتمده بمعلومات إضافية.

لكن مع انتهاء اليوم ساد الاحباط. الأمر برأيي سببه الرئيسي هو السرعة في طلب الحشد والنزول، الأمر كان بجاجة لعمل ضغط بمدة أطول، لحشد معنوي أكثر، واستغلال لواقع الحال على الأرض أكثر، من استمرار كشف المساوئ واستغلال الشعب ورمي الفتات لهم، في حين أنهم ينعمون بخير البلد ويحتكروه لأنفسهم، كان يجب استغلال تصريحات الرئيس السيسي من استمراره في بناء القصور الرئاسية، في حين زيادة الأسعار مستمرة، والشعب في حاجة لمستشفيات بها كل الإمكانيات، ومدارس ليست مكدسة ولا يجلس الطلبة بها على الأرض، الأمر كان بحاجة لنشر التناقضات والفروق بين ما يعيشه الشعب، والرفاهية التي يحياها سارقو البلد.

كان هناك كذلك غياب تام للنشطاء وثوار 25 يناير 2011، والسبب هو ما أفصح عنه اثنان منهما، وهما “وائل عباس” و”أسماء محفوظ” من السخرية من “محمد علي” كونه فاسدا وتعامل مع الفسدة من داخل المؤسسة العسكرية، ويريد أن يلبس ثوب المناضل وهو ما لا يقارن مع التضحيات التي قدموها.

ليأتي موقف النخبة حيث أبدى أستاذ العلوم السياسية المعتقل حاليا، “د. حسن نافعة”، رفضه أن يتصدى للمشهد السياسي مقاول محدود التعليم والخبرة السياسية، ووافقه “د. عمار علي حسن” و”حسام بدراوي”. وغاب عن المشهد “حمدين صباحي” و “د. محمد البرادعي”، والاثنان كانا في مرمى نيران وسخرية المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، مذكرين بما فعلاه تجاه جماعة “الإخوان المسلمون”، في العام الذي تولوا فيه الحكم، مقابل صمت القبور تجاه أداء الرئيس السيسي، وإن كان للبرادعي تغريدات لا تسمن ولا تغن من جوع، لكن ما تصدر “محمد علي” للمشهد قام بتجاهل الأمر تماما، وهنا وجب ذكر موقف الكاتب والروائي “علاء الأسواني” الذي أيد “محمد علي” واعتبره بطلا شعبيا.

أي متابع للمشهد السياسي المصري، لا يخفى عليه تأثير جماعة “الإخوان المسلمون” في التنظيم والحشد، والمنصفون ممن عاصروا الأيام الصعبة وقت ثورة 25 يناير، يتذكرون جيدا وبعرفان أن ميدان التحرير لم يكن ليصمد، وقت موقعة الجمل لولاهم.

وهنا تثار عدة أسئلة:
– هل بقي من الجماعة أعضاء قادرون على التجمع والتنظيم؟
-هل تعمدت الجماعة التجاهل خاصة مع حالة “الشيطنة” التي مورست ضدهم على مدار ست سنوات هي عمر الانقلاب العسكري؟، ومن الجميع على السواء، من المؤسسات الرسمية وأبواقها الإعلامية، وكذلك من رفقاء الميدان على مختلف توجاهتهم، ويكاد يكونوا هم الفصيل الوحيد الذي دفع الثمن دما وتشريدا؟
-هل تصريح “محمد علي” برفض عودتهم إلى الحكم، ووجوب ابتعادهم عن المشهد لمدة خمس سنوات قد تطول لعشر سنوات، كان مدعاه لترك الساحة؟

هم فقط الذين يملكون الإجابة على تلك الأسئلة، ولكن من المؤكد أن حكما عسكريا مستمرا 65 عاما لن يستسلم أو يسقط في يوم أو يومين، نظام له سيطرة كاملة على مفصلات الدولة ومقدراتها، وخلفهم جيش من أصحاب المصالح والمنتفعين، والآكلين على كل الموائد ولن يتركوا كل هذا بسهولة.

ومن المؤكد كذلك أن “المقاول” قد ألقى حجرا حرك به المياه الراكدة، وأحيا أملا، ألقى ببذرة في أرض مازالت خصبة يمكن تغذيتها، والعمل عليها لتتحرك كرة الثلج وتكبر، فقط لو تم العمل مع الناس في الشارع والحواري والأزقة، في القرى والنجوع بالتوعية بما يستطيعون فهمه، حتى يزيد الزخم والرفض لاستمرار استنزاف البلد لمصلحة قلة.

المصدر مونة حنة


Comments

comments

شاهد أيضاً

السفير د. عبدالله الأشعل يكتب :الثغرات الأساسية فى منهج معالجة مصر لملف سد النهضة

تدرك مصر من البداية أن سد النهضة سوف يؤثر على حصة مصر من مياه النيل …