انفلات في الأسعار وتعويم الجنيه المصري لم يحقق أي انفراجة

سادت حالة من الهلع في السوق المصري بين المستهلكين والموردين والتجار، بعد أن فقد الجنيه المصري بوصلته، وتجاوز كل الخطوط والحواجز السعرية؛ ما أدى إلى حدوث طفرات سعرية للعديد من السلع الغذائية والاستهلاكية، حسب عربي 21.

وقال تجار جملة ومستوردون مصريون إن قرارات البنك المركزي الأخيرة، بشأن خفض قيمة الجنيه، واعتماد نظام سعر صرف مرن، وبدء إلغاء الاعتمادات المستندية في عمليات الاستيراد والتحول للنظام القديم، لم تحقق أي انفراجة حقيقية في عمليات الاستيراد.

بالتزامن مع تلك القرارات، أعلنت مصر وصندوق النقد الدولي التوصل لاتفاق تمويل جديد بقيمة 3 مليارات دولار ضمن حزمة تسهيلات ائتمانية تبلغ 9 مليارات دولار من خلال شركاء دوليين؛ من أجل إنقاذ الاقتصاد المصري، الذي يقترب أكثر من أي وقت مضى من حافة الانهيار.

وقال متعاملون في سوق العملة الموازي لـ”عربي21″: إن “الدولار تجاوز كل التوقعات، وارتفع إلى مستويات لم تكن في حسبان البنوك والتجار والمستوردين وحتى الدولة نفسها، مع استمرار زيادة الطلب وقلة المعروض في السوق”.

وأشاروا إلى أن “سعر الدولار في السوق الموازي (السوداء) قفز من 24 جنيها مطلع الشهر الجاري إلى أكثر من 27 جنيها، ما يعني أن السوق لا يزال متعطشا للعملة الصعبة”، مضيفين: “قد يصل الدولار إلى 30 جنيها خلال الشهر المقبل، وستصبح الكارثة أكبر لو تجاوز هذا الرقم”.

تحتاج مصر، بحسب وكالة بلومبيرج الأمريكية، إلى أكثر من 5 مليارات دولار من أجل تسوية الطلبات الدولارية المتراكمة من المستوردين والشركات للحصول على العملة الصعبة، ما من شأنه أن يزيد الضغوط على الجنيه، الذي أصبح صاحب أسوا أداء خلال الربع الماضي.

قاع جديد للجنيه

وما يعزز التكهنات بوصول الجنيه إلى قاع جديد عند نحو 28 جنيها، أوضحت الوكالة الأمريكية أن متداولي المشتقات عززوا رهاناتهم على أن قيمة الجنيه ستنخفض عن المستوى الحالي بأكثر من 13 بالمئة في الاثني عشر شهراً المقبلة.

إلى جانب تراكم طلبات الاستيراد، تحتاج البلاد إلى 28 مليار دولار حتى نهاية 2023 من أجل تمويل ديونها مستحقة السداد، ودفع فوائد الديون، وتمويل عجز الحساب الجاري، فضلا عن 20 مليار دولار إضافية مطلوبة عام 2024، بحسب “دويتشه بنك” الألماني.

وقال عدد من مندوبي شركات الأدوات الكهربائية في القاهرة إن “ما يجري هو خراب بيوت، سواء للشركات أو المستوردين أو التجار، لا توجد بضائع للمستهلكين، ولا يوجد تصنيع أو إنتاج جديد للمنتجات المحلية؛ بسبب نقص مدخلات الإنتاج”.

وأكدوا في تصريحات منفصلة لـ”عربي21″: أن “هناك منتجات لبعض الماركات المحلية والعالمية اختفت تماما من الأسواق، ومع بدء نفاد السلع، بدأت تختفي أخرى من قبل بعض الموزعين؛ أملا في ارتفاع أسعارها ومضاعفة الأرباح، وهذه مشكلة أخرى، نفاد السلع وارتفاع أسعارها”.

صدمة الأسعار

كان نصيب قطاع السلع الغذائية من الغلاء هو الأكبر؛ إذ ارتفعت أسعار الزيوت واللحوم الحمراء والبيضاء والحبوب والخضروات والفاكهة، إلى جانب الألبان ومنتجاتها من الأجبان والسمن والزبادي والزبدة بأكثر من 50%، وسط مخاوف من نقص المعروض وحدوث اضطرابات مجتمعية.

وكشف تجار جملة في سوق المواد الغذائية “عن حدوث قفزة في جميع الأنواع، خاصة في السلع الأساسية، ما أدى إلى صدمة لدى الكثير من المستهلكين”، مشيرين إلى ارتفاع أسعار “الأرز والمكرونات والدقيق بنسب تصل إلى أكثر من 60%، وبلغت 90% في السكر والأرز والزيوت والأجبان المحلية”.

وأعربوا في تصريحات لـ”عربي21″ عن مخاوفهم من “حدوث أي نقص في تلك السلع الاستراتيجية، مع اتجاه البعض -خاصة المحتكرين- إلى تخزين كميات كبيرة، رغم محاولات الحكومة تأمين وتوفير تلك السلع، وملاحقة أصحاب تلك المخازن، لكن وجود الفساد والمحسوبية لا يزال مهيمنا”، على حد قول البعض.

قفزة بأسعار العقارات

كما تضرر قطاع التشييد والبناء من تقلبات سعر الصرف، وارتفعت مواد البناء، وزادت تكلفة الوحدات السكنية، وفي هذا الصدد يقول مقاول بشركة “جرين لاند” لـ”عربي21″: إن “الوحدات السكنية بسعر مقبول أو معقول ولى دون رجعة، بعد أن تجاوز سعر طن الحديد 20 ألف جنيه”، لافتا إلى أن “سعر الوحدات منخفضة التكلفة 100 متر تتجاوز مليون جنيه، بعد أن ارتفعت 30% على الأقل”.

هذه المخاوف، بحسب وكالة بلومبيرج، بشأن التضخم والاستقرار الاجتماعي قد تقيد تحركات السياسة النقدية في مصر، في بلد تُعدّ فيه الأغلبية عرضة لصدمات الأسعار. 

تضرر قطاع الصحة

أما على صعيد الخدمات الصحية والطبية والدواء، فقد قفزت بدورها بنسب متفاوتة بالتوازي مع انخفاض الجنيه، وشهدت أسواق الدواء 3 زيادات دفعة واحدة في شهر  سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر الجاري.

واعتمدت هيئة الدواء المصرية، وفق صحف محلية، هذه الزيادات لمواكبة ارتفاع التكاليف في مدخلات الإنتاج الطبية، وفي كل مرة كانت تتراوح الزيادة ما بين 10% و25%، ما شكل عبئا على المرضى بصفة خاصة والمواطنين بصفة عامة.

واشتكى أطباء الأسنان من نقص مستلزمات عديدة، من بينها المواد المخدرة، التي تضاعفت أسعارها بسبب استيرادها من الخارج، إلى جانب نقص الكثير من الأدوية المستوردة لبعض الأمراض المزمنة والخطيرة مثل السكر والضغط والسرطان والأورام الخبيثة.

توقعات بمزيد من الغلاء

أرجع الخبير الاقتصادي حسام الشاذلي الانفلات في ارتفاع الأسعار إلى زيادة الطلب على الدولار، وتوقف حركة الاستيراد مجددا، وإلى أن “احتياجات مصر النقدية لتغطية خدمة الدين الخارجي كبيرة جدا، ومن الواضح أن الحكومة المصرية تصارع حتى تتمكن من الوفاء بهذه الالتزامات، في ظل نقص الموارد الدولارية وعزوف المستثمرين عن الدخول في سوق الدين المصري مجددا”.

وتوقع في تصريحات لـ”عربي21″ أن يواصل الغلاء مساره الصعودي؛ “بسبب وضع الجنيه أمام الدولار، وفقدانه ما يعادل 60% من القيمة السوقية ما بين شهري مارس ونوفمبر، في أسوا أداء للعملة بعد تعويم عام 2016، ما يؤكد فشل الدولة اقتصاديا وماليا ونقديا”.

أسهم الشركات تعاني

على صعيد أسواق المال، استفاد مؤشر البورصة المصرية من هبوط الجنيه مقابل الدولار، وارتفع المؤشر (مقوما بالجنيه) بنحو 25 بالمئة، إلا أن الكثير من أسهم الشركات ظلت عند مستوياتها الدنيا، وربما أقل بكثير، بحسب متعاملين في البورصة.

ورهنت شركات تداول الأوراق المالية جذب المستثمرين الأجانب إلى البورصة المصرية باستقرار سعر صرف الجنيه من ناحية، وطرح شركات جديدة بالبورصة ووفاء الحكومة بتعهداتها السابقة بطرح جزء من شركاتها وشركات الجيش بالسوق.

شاهد أيضاً

تايمز: السعودية بين الفجور والقمع في عهد بن سلمان

“مهندس طائرات يقدم خمور الفودكا وصديقه المثلي يلتقط الصور، وفتاة تركض نحو حشد راقص مرتدية …