ايكومنوميست: أزمة اقتصادية متفاقمة في مصر وتونس لتوفير العملة الصعبة

يرى تحليل “إيكونوميست” إنه في حين كان النقص حقيقة في جميع أنحاء العالم منذ عام 2020، بسبب نتيجة خلل في سلسلة التوريد، لكن المشكلة في مصر وتونس مختلفة، وتدل على أن حكومتي البلدين مثقلتان بالديون وتعانيان من ضائقة مالية لدفع ثمن الواردات الأساسية.

وتقول المجلة إن “الشحنات عالقة في الموانئ التونسية، لأن الموزعين غير قادرين على دفع ثمنها”

أما القاهرة، فأزمتها ليست في المواد الأساسية مثل السكر أو الخضراوات “لأننا ننتج معظمها، لكن الأزمة في ارتفاع الأسعار ونقص في بعض البضائع المستوردة”، بحسب الخبير الاقتصادي والمصرفي، طارق إسماعيل لموقع “الحرة”

وفي مراكز التسوق في القاهرة، عرض الكثير من تجار الملابس والأثاث بضائع قديمة مخزنة من العام الماضي لعدم شراء مواد جديدة بسبب عدم توفر الدولار، في حين أغلق البعض محالهم.

وبلغ معدل التضخم السنوي للغذاء 23 في المئة الشهر الماضي ووصلت نسبة الديون إلى إجمالي الناتج المحلي إلى 94 في المئة، بحسب مجلة “إيكونوميست”

ومنذ يناير الماضي، انخفضت الاحتياطيات الأجنبية من 41 مليار دولار إلى 33 مليار دولار (أربعة أشهر ونصف من الواردات).

وتعاني كل من تونس ومصر لتوفير ما يلزمهما من العملة الصعبة لشراء وارداتهما، ما أفقدهما الكثير من احتياطاتهما النقدية الأجنبية، وذلك في ظل محادثات البلدين مع صندوق النقد الدولي للحصول على قروض، وخوف وترقب من المواطنين من الأسعار الآخذة في الارتفاع في كل القطاعات.

رفوف محلات البقالة في تونس فارغة من بعض الأصناف الرئيسية، وبات المواطنون يعانون من عدم وجود مواد مثل السكر وبعض منتجات الحليب والزبدة، وحتى المياه المعبأة، فضلا عن الشاي والقهوة، بحسب رئيس الجمعية التونسية للحوكمة وأستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، معز الجودي في حديثه مع موقع “الحرة”

وفي بعض الأحيان، تكون هناك علامات على الأرفف بعدم إمكانية حصول العملاء على أكثر من كيس واحد من الدقيق أو لترين من الحليب.

هيمنة الدولة

ومنذ مارس الماضي، أعلن سعيد “حربا دون هوادة” على محتكري المواد الغذائية والأساسية كالطحين والسكر إثر تواصل فقدانها لأسابيع في الأسواق المحلية. وأصدر الرئيس الذي علق البرلمان منذ أكثر من عام مرسوما غامض الصياغة يحظر نشر “معلومات كاذبة” قد تخيف المستهلكين أو ترفع الأسعار.

ورغم مرور نحو ستة اشهر على إطلاق الحملة، فإن الكثير من المواد اختفت تماما من الأسواق.

يعزو الجودي في حديثه مع موقع “الحرة”، النقص الكبير في المواد الأساسية في تونس إلى أن “كثيرا منها تحتكر الدولة استيرادها من خلال ديوان التجارة، الذي يحصل على الأموال من خزينة الدولة التي تعاني بدورها من شح في السيولة والاحتياطي النقدي الأجنبي، ووضع اقتصادي ومالي صعب جدا”

وقال إن “هيمنة الدولة على القطاعات الاقتصادية وضع أصبحنا نعاني من مساوئه، ولابد لإعطاء الحرية للمستورين والمصنعين لاستيراد ما يلزمهم”

واتهم الجودي أيضا الدولة، بمعالجة الأزمة الاقتصادية بتبني “طرق غير سليمة” أدت إلى توقف الكثير من المصانع عن العمل.

وقال: “إلى جانب مشكلة السيولة والعملة الصعبة، هناك أزمة نعاني منها على مستوى منظومات الإنتاج مثل الحليب والدواجن لأن كلفة الإنتاج زادت بحكم الأزمة العالمية وسلاسل التوريد، مما جعل أسعار المواد الأولية ترتفع، في حين أن الدولة تفرض أسعار بيع معينة، بأقل من سعر التكلفة في بعض الأحيان، أو لا تعطي هامشا للربح، وهذا غير معقول”

وتقول الحكومة إنها تهدف إلى خفض التضخم ومحاربة ارتفاع الأسعار، لكن الجودي يقول: “نعم الدولة تتدخل في محاولة منها للحد من ارتفاع التضخم ومؤشر ارتفاع الأسعار، لكن هذه طريقة غير سليمة، ستؤدي إلى نتائج سلبية، وستجعل المنتج يتوقف عن الإنتاج، والمستثمر يتوقف عن الاستثمار”

وقال: “يمكن للدولة أن تعالج التضخم من خلال مستوى الإنتاجية وتنظيم الأسواق ومسالك التوزيع ومحاربة التهريب، والعمل على تحسين سعر صرف الدينار التونسي، الذي انخفضت قيمته في السنوات الأخيرة”

في مصر دفع أموال إضافية

وفي مصر، على سبيل المثال، يكافح تجار السيارات لتسليم الطلبات للعملاء، الذين دفع بعضهم ثمن سياراتهم قبل ستة أشهر، وتم تسجيل عدد سيارات أقل بنسبة 43 في المئة في يوليو مقارنة بالعام الماضي، بحسب مجلة “إيكونوميست”

لكن إسماعيل خلال حديثه مع موقع “الحرة”، يقول إن بعض العملاء أصبحوا يدفعون نحو خمسين في المئة كأموال إضافية (أوفر برايس) على سعر السيارة المعروض بالفعل، للحصول عليها.

لكنه يشير إلى أنه كما أن بعض التجار لا يجدون الدولار، “أنا أعرف بعضهم يخزنون السيارات حتى ترتفع قيمة الدولار أكثر فيبيعونها بسعر أكبر ويكسبون الكثير من الأموال الإضافية”.

ويهدد النقص أيضا الشاي والقهوة، المشروبين الأكثر شعبية في مصر.

أعرب رئيس شعبة البن بالغرفة التجارية، حسن فوزي، عن خشيته من أن يفقد المستهلك المصري “فنجان قهوته ومزاجه” قريبا، بسبب “نقص في المخزون”.

وانخفضت قيمة الجنيه المصري بنحو 20 في المئة خلال الأشهر الأخيرة أمام الدولار.

ويعزو إسماعيل سبب نقص احتياطي مصر من العملة الصعبة بنحو 8 مليارات دولار خلال ثمانية أشهر إلى الكثير من المديونيات الواجب سدادها التي كانت تتراوح بنحو 24 مليار دولار، إلى جانب فاتورة استيراد سلع غذائية أساسية مثل القمح، فضلا عن أزمة خروج الأموال الساخنة من البلاد.

وترى مجلة إيكونوميست أن “الحكومة حريصة على توفير ما لديها من العملة الصعبة، حيث منعت في أبريل الماضي مئات الشركات من استيراد البضائع، كما فرض البنك المركزي قيودًا خاصة به على الواردات”.

تعالت أصوات مخاوف وتحذيرات من عدم تمكن مصر من تسديد أكثر من 26 مليار دولار كديون خلال العامين المقبلين في ظل أزمة اقتصادية تمر بها البلاد وطول مدة التفاوض مع صندوق النقد للحصول على قرض جديد، مع انخفاض في الاحتياطي النقدي الأجنبي.

وساعدت هذه الإجراءات على خفض فاتورة الواردات، حيث اشترت مصر بما قيمته 7 مليارات دولار من السلع الأجنبية في يونيو، بانخفاض ثمانية في المئة عن مثيله العام الماضي، رغم ارتفاع أسعار النفط والقمح، كما انخفض العجز التجاري بنسبة 12 في المئة، لكن القرارات أحدثت أضرارا كبيرة لدى الشركات التي لم تجد بدائل محلية، بحسب المجلة.

واتفق إسماعيل على أن هذه القرارات، التي تغيرت مؤخرا، أدت إلى أزمة كبيرة في المصانع، بدلا من تشجيع الصناعات لتصديرها والحصول على العملة الصعبة.

وقال إسماعيل إن الحكومة كانت أعلنت عن مباردة لرفع أسعار صادراتها الصناعية إلى مئة مليار دولار، لكنها فشلت في تحقيق ذلك، مشيرا إلى أن صادرات مصر غير البترولية في أول ستة أشهر بلغت 19 مليار دولار فقط.

وأمضى عبد الفتاح السيسي معظم فصل الصيف في الاجتماع مع رجال الأعمال لمناقشة الأوضاع المالية المتردية للبلاد، كما أنه من المقرر تنظيم مؤتمر اقتصادي أواخر الشهر الجاري، لعرض رؤية الحكومة وجذب الاستثمارات إلى البلاد.

والشهر الماضي، بدل السيسي محافظ البنك المركزي الذي عارض تخفيض قيمة العملة، كما أعلن عن تعديل وزاري، وضع فيه رجلا اقتصاديا على رأس وزارة السياحة، “لتعظم الاستفادة من هذا القطاع اقتصاديا”، بحسب إسماعيل.

صندوق النقد الدولي

وفي السياق ذاته، بدأت كل من مصر وتونس محادثات مع صندوق النقد الدولي، من أجل الحصول على قرض جديد. وفي حين بدأت الأولى المناقشات في مارس والثانية منذ يوليو، فإن أيا منهما لم ينفذ الإصلاحات المطلوبة.

وقال الجودي لموقع “الحرة”: إننا في تونس لدينا شح في السيولة والاقتراض الخارجي معطل ومعلق في ظل وضع اقتصادي ومالي صعب جدا”، مشيرا إلى أن البرنامج الإصلاحي الذي تنفذه الحكومة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي هو الثالث من نوعه منذ ثورة 2011.

وأضاف أنه “حتى الآن، تونس لم تنفذ الإصلاحات الاقتصادية اللازمة فيما يخص المؤسسات العمومية والتوازنات المالية والإصلاح الجبائي ومنظومة الدعم، رغم أن الأخيرة تنفذ تدريجيا من خلال رفع الدعم تدريجيا في كل ما يعتبر مواد بترولية ومحروقات، لكن الإصلاح لم يتبلور بعد على أرض الواقع بالكيفية اللازمة وبحسب التعهدات التي قدمتها تونس لصندوق النقد الدولي”

وأشار إلى أن بلاده باتت تنتظر قرض صندوق النقد الدولي “من أجل جذب العملة الصعبة لأن الصادرات انخفضت وهناك عجز كبير في الميزان التجاري، سيصل إلى رقم قياسي يتجاوز الـ20 مليار دينار هذا العام، فضلا عن أن هناك حاجة لدفع ما علينا من قروض بالعملة الصعبة”

تتطلب الاتفاقية تخفيضات في كل من الدعم وفاتورة أجور القطاع العام، التي نمت من 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2010، إلى 18 في المئة في عام 2020.

ويعارض اتحاد العمال القوي، كلا الإجراءين، بحجة أنهما سيزيدان الفقر، و”تواجه البلاد خيارا مؤلما، وهو ارتفاع أكثر لأسعار السلع المدعومة، أو عدم وجود سلع على الإطلاق”، بحسب “إيكونوميست”

بدائل القروض لتوفير العملة الصعبة

وفي مصر، يقدر بنك غولدمان ساكس أنه سيتعين على مصر سداد 13 مليار دولار لصندوق النقد الدولي على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وفي نفس الوقت تسعى مصر للحصول على قرض جديد منه للوفاء بالتزاماتها وجلب الواردات الأساسية.

ويؤكد إسماعيل أنه ليس ضد الاقتراض، لكنه يشير إلى أن بلاده يمكنها زيادة وارداتها من العملة الصعبة، من دون قرض جديد سيتعين عليها دفعه عاجلا أو آجلا.

يرى إسماعيل أنه يتعين على بلاده العمل على ثلاثة ملفات أساسية، لتعظيم الموارد الدولارية، وهي العاملين بالخارج، والصناعة والتصدير، والسياحة.

وأفاد البنك المركزي المصري، الخميس الماضي، بأن تحويلات العاملين بالخارج، انخفضت خلال شهر يوليو الماضي، مقارنة بنفس الشهر العام الماضي، حيث بلغت نحو 2.38 مليار دولار مقابل 2.79 مليار دولار خلال يوليو 2021.

لكن بالنسبة للعام المالي 2021-2022 والمنتهي في يونيو، فقد بلغت تحويلات المصريين بالخارج 31.9 مليار دولار، بزيادة قدرها 1.6 بالمئة مقارنة بالعام السابق.

يعتبر إسماعيل أن المصريين بالخارج هم “كلمة السر، لإنعاش سريع للموارد الدولارية المصرية في حين تظل تعظيم صادراتنا هي الحل الأعظم، إلا أننا لا نمتلك رفاهية الوقت لحلول قد تستدعى شهور لتفعيلها”

ويرى أن “الحل في غرفة عمليات بين كلا من: البنك المركزي المصري، ووزارة الهجرة وشئون المصريين بالخارج، وجهاز التمثيل التجاري التابع لوزارة التجارة والصناعة، والمفترض أن يكون له الدور الأكبر في دعم مواردنا الدولارية من خلال التصدير، والجاليات المصرية بالخارج”

واقترح إسماعيل أن تصدر شهادات دولارية بعائد أكبر من المعروض حاليا بالبنوك المصرية، وشهادات بالجنيه المصري بعائد أكبر أيضا.

أما في الصناعة، فيؤكد أن مصر يجب عليها أن تفتح أسواقا جديدة، وتسهيل عمل المستثمرين في الداخل.

كما طالب بإنعاش قطاع السياحة، وتطوير الخدمات المقدمة في الفنادق، وتحسين شبكات الإنترنت

وفي تونس، يرى الجودي أنه “لابد من العمل على تنويع منابع العملة الصعبة مثل السياحة وتحويلات العاملين بالخارج”.

وأكد أن تحويلات العاملين بالخارج “تحسنت في العام الجاري، لكن هناك تراجعا على مستوى الاستثمارات الخارجية المباشرة، ويجب علينا تحسين مناخ الأعمال وتحفيز وتشجيع المستثمر من خلال منحه أراضي الصناعية وبعض التمويلات والمنح خاصة أن لدينا موارد بشرية مهمة تحتاج للعمل، كما أن على الحكومة العمل على زيادة الصادرات من مواد مثل الفوسفات”

Comments

comments

شاهد أيضاً

معيط: مفاوضات صندوق النقد قد تنتهي في غضون شهر أو شهرين

قال وزير المالية محمد معيط لوكالة بلومبرج أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قد تنتهي في …