بسام ناصر يكتب: رأس الثورة هو المطلوب

بات دور الولايات المتحدة في سورية يظهر بوضوح في الأسابيع الأخيرة، فأمريكا التي كانت تراوغ من قبل، وتظهر بمظهر المطالب برحيل الرئيس السوري، لم تعد كذلك بل باتت تمارس ضغوطا على المعارضة السورية للمشاركة في المفاوضات من أجل الاتفاق على مرحلة انتقالية مع النظام.

ووفقا لسفير الائتلاف الوطني في العاصمة الفرنسية باريس، منذر ماخوس، «فإن تراجعا أمريكيا مخيفا إزاء الثورة السورية» قد حدث. وقال في مداخلة على قناة الجزيرة الفضائية، إن الولايات المتحدة تضغط على المعارضة للذهاب إلى جنيف وفق الشروط المعروضة.

وتابع «يهددونا وإلا سوف تفقدون الفرصة»، وأشار إلى أن «كيري قال بأن أمريكا اتفقت مع روسيا وإيران على ملامح انتقالية». كما أشار «ماخوس» إلى أن وزير الخارجية الأمريكي، أخطرهم في عدّة مناسبات بوجوب التوقف عن “حديث رحيل الأسد”.

في الوقت الذي تظهر فيه تحولات عميقة في الموقف الأمريكي من الثورة السورية، وتخليها عن مطلب رحيل الأسد، وتوافقها مع روسيا وإيران، يصر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير على أن “بلاده تعمل مع الولايات المتحدة لإيجاد سبل لإزاحة الأسد عن السلطة”.

وقلل الجبير في تصريحات صحفية مؤخرا من أهمية أي تغير في العلاقات الأمريكية وأوضح “نعمل مع أصدقائنا الأمريكيين على الإطاحة ببشار الأسد من سورية، وتوجيه البلاد صوب مستقبل أفضل”.

بعد عامها الخامس تواجه الثورة السورية تحديات خطيرة جدا، تتمثل في تفاهمات دولية وإقليمية للإبقاء على النظام السوري، وإجبار المعارضة على المشاركة في مفاوضات للاتفاق على ملامح مرحلة جديدة تبقي الأسد في السلطة، ضمن حزمة ترتيبات سياسية واقتصادية يتفق عليها.

من الواضح أن الضغوط السياسية الأمريكية تتزامن مع التقدم العسكري الذي أحرزه النظام في الآونة الأخيرة، بعد خسارة فصائل المعارضة السورية لمنطقة الشيخ مسكين الإستراتيجية جنوب درعا، بتغطية جوية روسية، وكذلك خسارة المعارضة لآخر معاقلها في اللاذقية.

وفي الوقت الذي تقف فيه إيران بكل قوتها وإمكاناتها وراء النظام السوري، والمليشيات الشيعية المشاركة إلى جانب النظام، فإن مواقف بعض الدول السنية اتسمت بالتردد والتلكؤ في دعم فصائل الثورة السورية، مع امتناعها عن تقديم المساعدات النوعية للفصائل التي تصفها بالمعتدلة، ما جعل المعادلة تميل لصالح النظام وحلفائه المحليين والإقليميين والدوليين.

ولا يمكن بحال تجاهل التحولات العميقة في المواقف الأمريكية من الثورة السورية، خاصة تنسيقها مع روسيا وإيران وتفاهماتها مع الجانبين، وكذلك موقفها من الرئيس السوري، حيث باتت تلح على فصائل المعارضة بالتوقف عن المطالبة برحيل الأسد، ما يعني أنها لم تعد تقبل مجرد الحديث عن رحيله، على خلاف تقديرات الموقف السعودي الرسمي.

أليس من الوهم القاتل تعلق بعض الدول العربية بالدور الأمريكي في محاولتها الإطاحة بالأسد؟ وهل تحول الموقف الأمريكي ما زال خافيا على تلك الدول بعد أن أضحت الممارسة الأمريكية الرسمية تمارس نشاطاتها المتوافقة مع السياسة الإيرانية والروسية والنظام السوري علانية وبشكل واضح؟

ما قيمة تلك التطمينات اللفظية التي يقدمها وزير الخارجية الأمريكية لدول الخليج، في الوقت الذي تأتي ممارسات أمريكا العملية مناقضة لها تماما؟ وهل تقدير عدم «إمكانية حدوث انفتاح حقيقي بين الولايات المتحدة وإيران» مبني على وقائع صحيحة أم أن الوقائع المؤكدة تعزز إمكانية حدوث ذلك؟

لعل خطأ بعض التقديرات والحسابات يكمن في توهم إمكانية الدبلوماسية الخليجية من إقناع الولايات المتحدة بأن «إيران ما زالت راعية الإرهاب في العالم» ما يعني ضرورة التصدي لتصرفاتها المؤذية وفعالياتها الشريرة» في المنطقة. فأمريكا ترى وترصد ممارسة ميليشيات إيران في العراق وسوريا، وتعرف تماما تلك الممارسات الدموية التي تقترفها بحق أهل السنة في كلا البلدين، لكنها تغض الطرف عن ذلك، ولا تتعرض له أبدا.

أمام هذا التنسيق الإقليمي والدولي الرامي إلى اجتثاث قوى الثورة السورية الفاعلة والمؤثرة، لم يعد أمام فصائل المعارضة السورية، إلا الاندماج والاتحاد، والتوافق على خطط عسكرية وسياسية موحدة، تقوي موقفهم في هذه المواجهة المفتوحة بعد تدويل القضية، لعلهم بذلك يتمكنون من تحقيق أهداف ثورة الشعب السوري ومقاصدها، ولا تذهب تلك التضحيات الغالية أدراج الرياح.

Comments

comments

شاهد أيضاً

د عزالدين الكومي يكتب : العودة الآمنة والمبادرة المشبوهة

طرح رئيس حزب الإصلاح والتنمية “محمد أنور السادات” دعوة مشبوهة يلفها الغموض للمصريين المعارضين بالخارج …