بسام ناصر يكتب: لقد ضاع دمها بين القبائل!

بعد كل التضحيات التي قدمتها قطاعات واسعة من الشعب السوري، وبعد كل الدمار الذي لحق بالعمران السوري، والقتل الذي حل بالإنسان السوري، تأتي تصورات الحل النهائي بالإبقاء على رأس النظام سالما في مكانه، وكأن شيئا لم يحدث!.

هكذا رأى الإعلامي الأمريكي المعروف، توماس فريدمان، «الطريق الوحيد للوصول إلى نهاية الحرب السورية “بالإبقاء على بشار الأسد في المدى القريب، وتطمين الموالين له وقبيلته في سوريا بأنهم لن يطردوا من البلاد”, مصرحا بكل وضوح بأن “فكرة إزاحة الأسد في الوقت الحالي فكرة مجنونة”.

وقال فريدمان في مقابلة معه على شبكة: CNN “لا أدعم بأي شكل من الأشكال سقوط بشار الأسد في الوقت الحالي، هذا لا ينفي اعتقادي بأنه شخص فظيع وقائد قاتل، ولكن الأمر كان واضحا لي منذ البداية وهو أن ما يجري حرب أهلية، والطريقة الوحيدة التي ستنتهي بها هو كما انتهت الحرب الأهلية في لبنان، وهذا يتمثل بعدم وجود منتصر أو منهزم، وتمثيل عالٍ للأقليات في سوريا، كالعلويين والمسيحيين إلى حد ما”.

هكذا عبر فريدمان المقرب من الإدارة الأمريكية، وصانعي القرار فيها، بكل وضوح فـ«الشخص الفظيع والقائد القاتل» سيبقى رئيسا لسوريا، ولا حل للحرب المستعرة إلا بذلك، فأمريكا ليست جادة ولا راغبة في المرحلة الراهنة بإزاحة الأسد وإسقاطه، وهي تتطلع لترتيب سوريا بعد هذه السنوات الدامية بالإبقاء على الأسد رئيسا للبلاد، مع إعطاء تطمينات للموالين له بأنهم لن يطردوا من البلاد.

تصور يصطف اصطفافا كاملا مع القاتل، ويتغاضى عن كل أفعاله وجرائمه، بل يتغاضى عن جرائم كل الأطراف المتحالفة معه، كجرائم الميليشيات الشيعية التابعة لإيران وحزب الله، وكجرائم روسيا التي باتت تستهدف البشر والحجر والشجر، والمستشفيات والأسواق والأماكن العامة، وكل مظاهر الحياة على الأرض السورية.

هكذا بكل صفاقة وبرودة أعصاب، تضيع كل تلك التضحيات التي قدمها أبناء الشعب السوري، طلبا للحرية والعدالة والكرامة، وتتفرق دماء شهدائها وضحاياها بين قبائل اللاعبين في لعبة الأمم، فكل طرف من أولئك اللاعبين يسعى لإنجاز أجنداته الخاصة به، ويستميت من أجل تحقيق مصالحه والمحافظة عليها، ولا بواكي للدم السوري النازف، ولا ناصر ولا معين.

حتى أولئك الذين حملوا السلاح لمواجهة النظام وقتاله، أرهقوا الثورة السورية برؤاهم وتصوراتهم وأهدافهم، فتقاتلوا على تصدر المشهد والتحكم بمساراته، وسعوا بكل قوتهم لفرض تصوراتهم على باقي الفصائل المسلحة الأخرى، فكان التحاقهم بالثورة في طورها العسكري، مع ما أمدها بالقوة والشوكة من جهة، إلا إنه أضعفها بما أحدثه من اختلافات داخلية طاحنة من جهة أخرى، أفضى إلى تفريق الصف، وإضعاف التماسك الداخلي للثورة والثوار.

مؤسف جدا أن يكون تصور الدول المؤثرة للحل النهائي في الملف السوري، على غرار ما جرى في لبنان، والتعامل مع الحرب السورية كحرب أهلية، لا سبيل لحلها إلا بنظام المحاصصة الطائفية، لأن أخطر ما في هذا التصور أن أهل السنة لا يوجد لهم من يسندهم ويدافع عنهم، لا إقليميا ولا دوليا، فيصبحوا هم الأضعف والأذل في المعادلة القائمة.

لئن كانت مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين تقتضي منهم سياسات براجماتية نفعية، فإن مصلحة فصائل المعارضة السورية تقتضي منهم تدابير تشاركية تعاونية بين كل الفصائل المسلحة، والقوى السياسية المعارضة، لتقوية صفهم الداخلي، وتصليب جبهتهم الداخلية، فلا سبيل لمواجهة العدوان الهمجي إلا برص الصفوف، والاجتماع على خطة واضحة سياسيا وعسكريا تحت قيادة واعية وحكيمة، تصون الدم عن المتاجرة به، أو هدره في أسواق المتنافسين على لعبة الأمم.

Comments

comments

شاهد أيضاً

وصفي عاشور أبو زيد يكتب : رحيل القرضاوي.. الإمام المجتهد والإنسان النبيل

نزل عليّ خبر وفاة شيخنا الإمام يوسف القرضاوي اليوم 30 صفر 1444هـ الموافق 26 سبتمبر/أيلول …