بعد مرور 10 سنوات على ثورة يناير الخوف يكمم أفواه المصريين


يعيش المصريون في مستوى قمع غير مسبوق منذ وصول السيسي إلى السلطة، من خلال انقلاب عسكري على الراحل محمد مرسي، وبعد مرور 10 سنوات على الانتفاضة الشعبية، ما يزال الخوف يكمم أفواه المصريين.

هذا ما قاله إدوارد دروبساي في مقال نشرته صحيفة “ليبراسيون” (liberation) الفرنسية، وحيال هذا الشأن، يقول شخص أطلقت عليه الصحيفة اسم (محمد) “أتذكر جيدا يوم سقوط حكم حسني مبارك”، بينما كان ينظر حوله بقلق، مؤكدا أنه رغم دوي الأصوات التي تمجد السيسي، “ما زال صدى اسم مبارك يتردد بين المصريين”.

وخوفا من تعرضه للملاحقة في حال اكتُشف أمره، اقترح محمد (30 عاما) مواصلة المحادثة في مكان آخر، وعلى بعد 10 أمتار في مكان آمن في شقته، استأنف محمد الحديث عن قصته، موضحا “إن المخبرين في الشارع بالمرصاد، أو ما نطلق عليه لقب “المواطنون الصالحون”، وسينقلون كل ما يسمعونه إلى الجهات الأمنية، لذلك طلبت تغيير المكان”.

 محمد مثل عشرات الآلاف من المصريين، شارك في احتجاجات ميدان التحرير قبل 10 سنوات للمطالبة بإسقاط النظام، وتظل أحداث يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط من عام 2011 محفورة في ذاكرته وذاكرة جميع الذين عاشوا تلك الأيام المشحونة بالأمل.

وينقل الكاتب عن “محمد” قوله “كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها أبناء جيلي تحركات منادية بالحرية، وقد حالت حالة والدي الصحية دون حضوره إلى ميدان التحرير، ومع سقوط مبارك في 11 فبراير/شباط، اتصلت به وزففت له خبر كسر حاجز الخوف”.

توفي والد محمد بعد بضعة أشهر، وبالتالي لم يعش ليشهد وصول “الإخوان المسلمين” إلى السلطة عام 2012 وعودة الجيش إلى السلطة خلال فترة وجيزة، بعد الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، وقد استمرت الاحتجاجات خلال العامين الأولين من الفترة الانتقالية، حيث شارك محمد في الاحتجاجات إلى أن أصيب ذات يوم بذراعه وساقيه بطلقات من بندقية الكرات الوامضة.

قمع السيسي

نقل الكاتب عن مواطن مصري آخر رفض الكشف عن هويته “في الحقيقة، لم تعهد مصر هذا النوع من القمع حتى في فترات حكم جمال عبد الناصر أو حسني مبارك، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تجعل تدوينة صغيرة المواطن المصري رهن الاعتقال، ويخشى جميع المصريين السيسي اليوم، وذلك دليل على ضعف السلطة لا العكس”.

ويقول الكاتب: بعد عام من حكم الإخوان، انقلب الجيش على الرئيس الراحل محمد مرسي. وحدثت مذبحة رابعة، وكانت حصيلة ذلك 800 قتيل على الأقل، وفق أرقام منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية، وتأسس نظام عبد الفتاح السيسي على مذبحة وصفتها “هيومن رايتس ووتش” (Human Rights Watch) في ذلك الوقت بالأكبر في تاريخ مصر الحديث.

سجن طرة

بالتالي، كان من الواضح أنه سيقع قمع أي احتجاج، إثر ذلك، صُنفت جماعة الإخوان المسلمين منظمة “إرهابية”، وتعددت المحاكمات التي لم تكن سوى مهازل، وبات السجن المؤبد عقوبة دارجة، وعندما يناقش المصريون الثورة يكون ذلك بكلمات مشفرة.

وكتب أحد رواد ميدان التحرير السابقين “أريد الإدلاء برأيي؛ لكن على تطبيق “سيغنال” (Signal)، لا أريد أن ينتهي بي المطاف في سجن طرة” (المعروف بسجن العقرب)، يتحدث هذا الشخص باسم آلاف المصريين الآخرين، حيث إن طرة هو السجن الأشهر في القاهرة، والذي يمكن دخوله بسهولة؛ لكن لا يُعرف موعد الخروج منه، حتى أن البعض يغادرونه في نعوش أحيانا.

 قضى مصطفى 10 أيام هناك عام 2019، ووافق على الإدلاء بشهادته، بدون الكشف عن هويته، ويتذكر أنه دخل إلى مدخل مترو الأنفاق قبل أن يقوم رجال الشرطة بتفتيشه وتفحص هاتفه، اكتشف ضباط الأمن منشورات قديمة تنتقد النظام، فقاموا بتحويله إلى مركز الشرطة، حيث أمضى 3 أيام، وخلال اليومين المقبلين، ظل محبوسا مع حوالي 60 شخصا، قبل أن يُنقل إلى طرة.

وبمجرد وصوله إلى هناك، انضم إلى 85 شخصا محشورين في زنزانة، كانت فيها الإنارة مستمرة لمدة يوم كامل، ويسترجع ذكريات حبسه موردا “لقد أخذوا منا كل شيء؛ أموالنا وأشياءنا الثمينة، لم يكن لدينا ما نأكله وبدأ الناس بالصراخ.

وعلى عكس كل التوقعات، أُطلق سراح مصطفى وعدد كبير من رفاقه بعد أسبوعين، على أمل أن يتمكن من مغادرة بلاده.

تجريم أي انتقاد للسلطة

يقبع اليوم ما لا يقل عن 60 ألف سجين سياسي في السجون المصرية، ويقول محمد لطفي، مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وهي إحدى آخر المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان الموجودة في مصر “بالتأكيد، يتجاوز الرقم الحقيقي هذه الإحصائيات بكثير”، وتتواصل حقبة الخوف في هذا البلد، حيث تسلم السيسي من إيمانويل ماكرون وسام الصليب الأعظم لجوقة الشرف الوطني في شهر ديسمبر/كانون الأول خلال زيارته الرسمية لباريس.

لكن محمد لطفي لم يلتزم الصمت رغم سجن زوجته عام 2019، ويعترف أن ذلك كان “طريقة اعتمدها النظام لإسكاته”، ويفيد بأنه خائف هو أيضا، وعلى مدى سنوات، وثّق حالات الاختفاء القسري والسجن السياسي، بحجة مكافحة الإرهاب وباسم قانون عام 2015 الذي يجرم أي انتقاد للسلطة.

وأضاف “لقد شهدنا زيادة سريعة جدا في اتهامات من قبيل الانتماء إلى جماعة إرهابية أو نشر معلومات تمس أمن الدولة، خاصة بعد إقرار هذا القانون، وبالنسبة للحكومة، فإن كل صوت يعلو بانتقادها يعد إرهابا”.

ويتابع لطفي بأن النظام خائف هو الآخر، فهو “يشعر بعدم الأمان؛ لأن تجربة 2011 ترسخت في الذاكرة، وتبعا لذلك، يرى أنه يملك شرعية قمع أي صوت يمكن أن يؤدي على المدى المتوسط أو البعيد إلى تغيير نحو الديمقراطية”، وبعد أسبوعين من ذكرى هذه الثورة المصادرة، تنشر السلطة حاليا قواتها الأمنية لحماية “المواطن الصالح” ونظام السيسي.


Comments

comments

شاهد أيضاً

الامن يعتقل سيدات بعد حفل بنادي الجزيرة به جاتوه علي شكل أعضاء تناسلية

قال مصدر أمني في تصريحات لموقع “القاهرة 24″، إن قوات الأمن ألقت القبض على سيدة …