بعد مناقشة “النهضة” بمجلس الأمن.. مراقبون: مصر قد تلجأ إلى الحرب


 دعا مجلس الأمن، بعد مناقشة ملف سد النهضة، أمس الإثنين، إلى مواصلة الحوار بين أطراف النزاع الثلاثة “مصر والسودان وإثيوبيا”، والابتعاد عن الإجراءات الأحادية، ويرى مراقبون أن البيان المصري جاء شديد اللهجة، مشيرين إلى أن إعلان الحرب أمر غير مستبعد وقد يكون الحل الأوحد والأخير في حل استمرار التعنت الإثيوبي.

رد فعل غاضب لإثيوبيا

يعتبر عدد من المراقبين أن مناقشة القضية في مجلس الأمن الدولي في حد ذاتها انتصاراً دبلوماسياً لمصر، وهذا واضح من كلمة الممثل الإثيوبي نفسه الذي قال نصاً: “لا نعتقد أن قضية سد النهضة لها مكان شرعي في مجلس الأمن اليوم. رفع قضية سد النهضة إلى مجلس الأمن تم على نحو غير منصف”.

وكانت مصر قد قدمت شكوى لمجلس الأمن الدولي انطلاقاً من كون أزمة النهضة تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار والسلم في المنطقة وهو ما يقع في قلب اختصاص المجلس، فيما دفعت إثيوبيا بأن السد قضية تنمية ولا تقع ضمن اختصاصات مجلس الأمن الدولي.

النقطة الثانية التي تكشف عنها القراءة المتأنية للبيانات التي أدلى بها ممثلو الدول الثلاث المعنية بالقضية وهي مصر والسودان وإثيوبيا تتعلق بمدى قدرة الأطراف على شرح موقفها بصورة كاملة على أمل الحصول على تأييد دولي لما قد تقدم عليه “بشكل أحادي”، إذا تعثر التوصل لتوافق.

استبعاد إصدار قرارات ملزمة

من المستبعد أن يصدر مجلس الأمن قرارات ملزمة تتعلق بالملف، والجلسة التي أجريت أمس تسمى “جلسة تشاورية”، وهذا الأمر ليس خافياً على أي من الأطراف الثلاثة، وبالتالي لا تنتظر مصر قراراً أممياً يلزم إثيوبيا باحترام حقوق القاهرة والخرطوم في المياه، لكن مجرد إدراج القضية على جدول أعمال المجلس يعني أن القضية أخذت بعداً دولياً بالفعل.

وفي هذا السياق هناك أيضاً ما يمكن وصفه بخطوة إيجابية أخرى حققتها مصر من الوصول بالأزمة لأروقة مجلس الأمن الدولي وهي إجبار أديس أبابا على القبول بوسيط في المفاوضات، وهو ما كانت ترفضه على مدار السنوات الماضية وخاصة بعد توقيع إعلان المبادئ عام 2015، تحت ذريعة أن الإعلان نص على إمكانية لجوء الأطراف الثلاثة لوساطة خارجية شريطة موافقتهم مجتمعين، لكن أديس أبابا أعلنت في جلسة الأمن ترحيبها هذه المرة بمبادرة الاتحاد الإفريقي، مؤكدة أن “القضايا الإفريقية يجب أن تجد حلولاً إفريقية”.

تحدثت مصر أولاً من خلال وزير الخارجية سامح شكري، الذي بدأ بيانه بالحديث عن وباء كورونا الذي يجتاح العالم وضرورة التعاون بين الدول وإعلاء القيم الإنسانية، ومن ثم انتقل لقضية السد وموقف مصر غير الرافض لتشييده والداعم للتنمية في دول حوض النيل ومنها إثيوبيا، مقدماً أدلة على ذلك الموقف منذ عام 2011 وحتى الآن.

استفاض شكري في شرح إعلان المبادئ الذي تم توقيعه عام 2015 بين الدول الثلاث، وصولاً إلى جولات التفاوض التي استضافتها ورعتها الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي، وانتهت بالتوصل لاتفاق وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى بينما رفضته أديس أبابا وانسحبت من المفاوضات بشكل مفاجئ.

السد تهديد وجودي لمصر

وبالتالي جاء لجوء مصر إلى مجلس الأمن كنتيجة لما وصفه شكري “بالتعنت الإثيوبي” في المفاوضات، ومضيفاً أن مصر تواجه “خطراً وجودياً” يتهدد المصدر الوحيد للمياه ولحياة أكثر من 100 مليون مصري بسبب السد، الذي شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق.

وهذا التسلسل للأحداث وصولاً إلى استخدام مصطلح “خطر وجودي”، تبعه ما يمكن وصفه بالخط الأحمر المصري في الملف بقول وزير الخارجية أن “ملء السد وتشغيله بشكل أحادي، ودون التوصل لاتفاق يتضمن الإجراءات الضرورية لحماية حقوق دولتي المصب، مصر والسودان، من شأنه أن يزيد من التوتر في المنطقة، وقد ينجم عنه أزمات وصراعات تهدد استقرارها”.

وقال الوزير المصري “ومع تقديرنا لأهمية هذا المشروع في تحقيق الأهداف التنموية للشعب الإثيوبي، وهو الهدف الذي نسانده وندعمه، فإنه من الضروري إدراك أن مشروعاً بهذا الحجم، والذي يعد أضخم مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، يهدد مقدرات ووجود ملايين المصريين والسودانيين”.

تطابق الموقف السوداني مع المصري

البيان السوداني، الذي ألقاه ممثل الخرطوم لدى الأمم المتحدة، جاء في مجمله مطابقاً للموقف المصري وإن كانت لغته أقل حده، لكنه أكد على مبدأ ضرورة عدم اتخاذ أديس أبابا “إجراءات أحادية” تتعلق بملء وتشغيل السد.

إثيوبيا ترفض تداول القضية بمجلس الأمن

ركز البيان الإثيوبي، على الجانب الآخر، على رفض أديس أبابا تداول القضية في مجلس الأمن على أساس أنها قضية تنمية، زاعماً أن بلاده “لن تتسبب بإلحاق الضرر بمصر أو السودان، ومضيفاً “لدينا واجب وطني بحماية شعبنا وتحقيق الرفاهية له”.

 

وأسهب البيان الإثيوبي في الحديث عن الفقر الذي يعاني منه الشعب الإثيوبي وكيف أن كثيراً منه يستخدم “الحطب” للتدفئة، مستدعياً ما أسماها تداعيات “الحقبة الاستعمارية” وكيف أن ذلك لابد أن ينتهي، ومطالباً أن يترك مجلس الأمن القضية للاتحاد الإفريقي، مشدداً على أن أي نزاع في المستقبل بشأن الحقوق المائية بين الدول الثلاث يجب أن يحال إلى رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا.

وزعمت إثيوبيا أن القاهرة قد اتخذت خطوات أحادية الجانب، مضيفاً أن بلاده ترى أنها “تقسم مياه النيل بشكل عادل” خاصة بعدما عانى الشعب الإثيوبي من الفقر، فهو حق إثيوبي لتنمية البلاد، وقال مندوب إثيوبيا: “نهر النيل هو مصدر حياة هام لإثيوبيا ومصر والسودان، كما أنه مصدر للنمو الاقتصادي لدول حوض النيل كافة”، وأضاف أن هناك اتفاقاً عام 1995 بشأن سلامة مرور المياه، لافتاً إلى أن مصر اتخذت قراراً فردياً بتنفيذ مشروع توشكى، الذي يستهلك كثيراً من المياه. “تقدمنا بشكوى عام 1995 اعتراضاً على هذا المشروع وبالتالي كانت هناك خطوات أحادية سابقة من جانب مصر”، مؤكداً أن إفريقيا تعاني من ندرة المياه ولكن هذا لا ينفي حق إثيوبيا في الاستفادة من المياه”.

وأشار إلى سعي بلاده بناء سد النهضة للتنمية، مضيفاً “كانت هناك فرص كثيرة من أجل التحدث عن كيفية الاستفادة والمشاركة من مياه نهر النيل، ويجب أن تكون هناك مباحثات عادلة بين الأطراف الثلاثة”.

هل اقتربت الحرب إذن؟

الخطوة التالية التي قد يشهدها الملف بعد جلسة مجلس الأمن التي جرت مساء أمس الإثنين وامتدت لصباح اليوم الثلاثاء 30 يونيو/حزيران عبر الفيديو كونفرانس بسبب كورونا ليست واضحة ولا يمكن لأحد أن يتكهن بها، لكن غالبية الدول التي شاركت في جلسة الاستماع ومنها فرنسا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا وإندونيسيا دعت إلى مواصلة الحوار بين أطراف الأزمة، بحسب تقرير لموقع المونيتور الأمريكي.

لكن كثيراً من المراقبين للأزمة يرون الآن أن الموقف المصري بعد جلسة مجلس الأمن أصبح أقوى من موقف إثيوبيا، وفي حالة إقدام أديس أبابا على المضي قدماً والبدء في ملء وتشغيل السد بشكل أحادي كما تردد وتكرر، فعلى الأرجح أن ذلك سيسبقه فشل وساطة الاتحاد الإفريقي، ومن ثم عودة الكرة لملعب مجلس الأمن، الذي يرى بعض المراقبين أنه قد يتخذ توصية ملزمة لإثيوبيا بالتوقف عن الإجراء الأحادي، حال عدم استخدام أي من الأعضاء الدائمين لحق الفيتو (أمريكا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا).

 أما على الجانب المصري، وبعد تأكيد وزير الخارجية على أن تشغيل السد دون اتفاق قانوني ملزم يمثل “خطراً وجودياً” على مصر، فالأمر ربما لا يحتاج للكثير من التفسيرات في حالة استمرار “التعنت الإثيوبي” على حاله طوال السنوات الخمس الماضية؛ الحرب ستكون الملاذ الأخير بغض النظر عن التداعيات، وهذا ما لا يتمناه أحد.


Comments

comments

شاهد أيضاً

تصدع وانشقاقات في “جبهة الإنقاذ” السودانية المتحالفة مع العسكر

أعلن تجمع المهنيين السودانيين، الذي ينظر اليه على انه النسخة المصرية من جبهة الانقاذ السودانية …