الرئيسية / مقالات وأراء / مقالات / بلال فضل يكتب:رئيس بجلد حمار!

بلال فضل يكتب:رئيس بجلد حمار!


كانت تلك أول وآخر مرة أرى فيها المشير محمد عبد الغني الجمسي وزير الدفاع السابق وأحد أبطال حرب أكتوبر، كنا وقتها في ربيع عام 1998، وكان قد انتهى لتوه من تسجيل حوار أجريناه معه ضمن سلسلة حلقات وثائقية عن ذكرى مرور خمسين عاماً على نكبة العرب وفلسطين، كنت أقوم بإعدادها خلال عملي في قناة راديو وتلفزيون العرب ART.

حين اتفق معه الزميل حمدي رزق على إجراء الحوار، رجاه المشير الجمسي ألا يأتي فريق التصوير إلى بيته، لأنه تعرض لتجربة مريرة من قبل مع فريق عمل حضر للتصوير معه، واتفقنا معه على أن يحضر إلى مقر في شارع جامعة الدول العربية، وصورنا الحوار معه في مكتب الأستاذ علي بدرخان المخرج الكبير والمشرف على الإخراج في القناة، وكنا جميعاً في غاية السعادة بتشريف المشير الجمسي لنا.

لم يكن الحوار التلفزيوني مع المشير الجمسي مهمة سهلة، لأنه رجل متأمل ولا يحب الاستطراد، ويفضل الإجابات المقتضبة، ولذلك يتوجب على من يحاوره أن يمطره بالأسئلة التفصيلية لكي يحصل منه على كافة جوانب الصورة، خاصة أنه يحب أن يحيل دائماً إلى مذكراته التي سجل فيها شهادته على التاريخ بالكامل، ولولا أن الحوار كان مسجلاً ويتم معه من خلف الكاميرا، لما خرجنا منه بما نتمناه، كان ملفتاً لنا التواضع الآسر للرجل، وعدم ميله إلى المبالغة في تصوير دوره، وحرصه على الانضباط في الحديث عن كل القيادات التي شاركت في الحرب دون تهوين من دور أحد ولا تهويل من دور حسني مبارك قائد سلاح الطيران، كما كان يفعل الكثيرون وقتها.

حين انتهى الحوار، انتهزت فرصة جلوسه في انتظار سائق سيارته الذي ذهب لقضاء إحدى حاجيات الأسرة وتأخر عليه، استفزني إيثاره للصمت واكتفاؤه بهز رأسه محيياً لكل من يحاول اقتحام صمته بكلام ودود، وهو ما جعل بعضهم يفهمون ذلك رغبة منه في الاختلاء بنفسه، فغادروها بدلاً من الجلوس معه والاستماع إليه كما كانوا يأملون، لكنني فضلت البقاء أملاً في تغير مزاجه، وقلت لنفسي: هذا صمت صعب يحتاج إلى مدخل جرئ لكسره. فاقتربت منه وقلت له مبتسماً وأنا أسوق الهبل على الشيطنة: “معلهش يا افندم أنا عندي سؤال مهم وتافه في الوقت نفسه”، نظر إلي مستغرباً من دخولي المفاجئ، وقال مبتسماً بعد لحظة صمت: “هاضطر أسمعه عشان أفهم إزاي مهم وتافه في نفس الوقت”.

فرحت لأن الصنارة غمزت، وبادرته بالسؤال: “اللي أنا فاهمه إن فرق السن مش كبير بين حضرتك وبين الرئيس مبارك”، ارتسمت على وجهه تقطيبة، ثم قال لكي يستعجل دخولي في الموضوع: “يعني حوالي سبع سنوات، لكن فين السؤال؟”، فقلت وأنا حريص على توسيع عرض الضحكة لكي أتفادى أي رد فعل غاضب: “أصل أنا شفت الريس السنة دي في لقاءه مع المثقفين في معرض الكتاب وشفت قبلها المشير أبو غزالة وهو أصغر منه بسنتين تقريبا، وباشوف المشير حسين طنطاوي في التلفزيون، والنهارده تشرفت وشفت حضرتك، فمستغرب إزاي مش باين على الريس السن خالص”، وقبل أن أكمل انفجر المشير الجمسي بالضحك، فكفاني مؤونة الاستطراد في سؤالي المشاكس بشكل يثير ضيقه أو يعتبره تطاولاً مني.

حين رأيت ضحكته تنير وجهه، ندمت للحظات أنني لم أبادر بسؤاله قبل عقد الحوار، لكي يساهم السؤال في فك جمود الجزء الأول من الحوار، لكنني لم أكن أضمن أن سؤالي وقتها كان سيفضي إلى نفس النتيجة التي جعلته يضحك من قلبه قبل أن يفكر قليلا ويقول ضاحكاً: “يا ابني حسني مبارك طيار، عايز تجيبنا إحنا زي الطيارين؟”، ثم أخذ يشرح لي أن الطيارين لهم في الجيش “ميزة خاصة”، هكذا سمعتها في الأول، قبل أن يكررها ويقول إنه يقصد “ميز خاص” أي مطبخ فاخر مخصوص يمتاز بأنه مفتوح 24 ساعة، بحيث يتمكنون من دخوله في أي وقت في اليوم، بعد عودتهم من طلعاتهم التدريبية أو القتالية، أما باقي الأسلحة في الجيش فلها مواعيد محددة في الأكل، ونوعية أكلها وجودته لا يقارن على الإطلاق بأكل الطيارين، ثم قال لي ضاحكاً: “إنت عارف حسني مبارك بيفطر إيه كل يوم؟”، وقبل أن أتمالك مفاجأتي من سؤاله أجابني قائلاً: “بياكل اتنين كيلو جمبري مسلوق على الريق”، قبل أن يقول بضحكة رائقة: “أنا لو بافطر كده كل يوم كانت صحتي هتبقى أحسن بكتير”.

كنت أطمع في أن يمتد خيط الحوار بيني وبين المشير الجمسي للحديث عن علاقته بحسني مبارك وموقفه منه، لكن سائقه سامحه الله لم يتأخر أكثر، فتسبب مجيئه في قطع حبل الحكايات المنتظرة، وحين حاولت أخذ وعد بوصل ما انقطع في حوار إضافي أزور المشير الجمسي من أجله في منزله، اعتذر لي بلطف قائلاً إنه لم يعد لديه جديد يقوله، وأنه قال كل ما لديه في مذكراته، لكنه تفهم رغبة حمدي رزق في أن يشارك بشهادة مرئية في مناسبة مهمة كهذه، ثم سلم على جميع الموجودين في المكتب بمنتهى اللطف، وغادر ليتركنا فطسانين من الضحك على حكاية الجمبري المسلوق الذي يفطره مبارك كل يوم، والذي فسر لنا قدرته الفسفورية على فشخ ملايين المصريين بقراراته وسياساته، وفسر أيضاً الارتفاع المبالغ فيه لأسعار الجمبري، لكنه لم يفسر لنا ارتفاع أسعار الكابوريا التي لم يتسن لنا أن نعرف موقف حسني مبارك منها.

مع مرور الوقت وبقاء حسني مبارك على رأس الحكم دون أن يبدو على صحته أدنى تأثر، انضمت الحكاية التي سمعتها من الجمسي إلى سيل الحكايات التي تحاول تفسير قهر مبارك للزمن وتحديه لأعراض الشيخوخة، في البدء كان الاسكواش هو التفسير الأبرز لذلك، فالرجل حريص على ممارسة تلك الرياضة كل يوم، والشهادات التي يرويها من شاركوه في اللعب وكنا نسمعها من بعضهم مباشرة أو عبر رواة، كانت تجمع على لياقته الشديدة وإتعابه لمن يلعب معه، لكننا كنا نعتبر ذلك مبالغة منهم لتبرير تعمدهم الخسارة أمامه، كما يفعل كل ندماء الملوك وأفراد حاشيتهم.

لكن الإسكواش لم يكن التفسير الوحيد لصحة مبارك المستفزة، فقد انتشرت تفسيرات شعبية عديدة أذكر منها تلك الرواية التي انتشرت بشدة في مطلع الألفية الثالثة، والتي زعمت أن حسني مبارك سأل خلال إحدى زياراته لمدينة الإنتاج الإعلامي النجم حسين فهمي عن سر حفاظه على شبابه الدائم ولياقته، فقال له ضاحكاً إنه يسافر إلى الخارج ليأخذ حقنة خلايا جذعية، وأن هذه الخلايا يتم استخراجها من المشيمة التي تتخلف بعد الولادة، وأن حسني مبارك أصدر تعليماته إلى القوات المسلحة باستحضار هذه الحقن على الفور، ليقوم بحقنها في المركز الطبي العالمي الذي يقع في طريق الإسماعيلية والذي أنشئ خصيصا لعلاجه هو وكبار قادة الجيش، وحين التقيت بعدها بسنوات بالفنان حسين فهمي وسألته عن تلك الحكاية، انفجر من الضحك، وقال لي إن المسألة ليس فيها حقن خلايا جذعية ولا يحزنون، بل وراءها الجينات التي كانت حسنة الحظ معه ومع شقيقه مصطفى فهمي، ساخراً من خيال من حكى القصة، لأنه يفترض أن حسني مبارك لا تأتيه أولاً بأول أحدث الوسائل الطبية التي تساعد على زيادة اللياقة ومكافحة التقدم في العمر.

لم يكن التفسير الجيني للصحة والمرض منتشراً بشدة في تلك الأيام، وحين بدأ انتشاره بين الناس، شاع القول إن مبارك استمد صحته وبأسه من والديه وجيناتهما، وأنه سيأخذ عن والديه طول العمر “ويطلّع جين أبونا”، لأن والده كما قال البعض تجاوز المائة سنة، في حين قال آخرون إن ذلك غير صحيح، مؤكدين أن والد حسني مبارك لم يكن معمِّراً، وإنما وافته المنية بعد نهاية خدمته الوظيفية كحاجب محكمة وإحالته إلى المعاش في عام 1960، لكن والدته هي التي عُمّرت وتجاوزت المائة، وهو ما اتضح خطؤه بعد ذلك، لأن والدة مبارك توفيت عام 1978 خلال عمله كنائب للرئيس السادات. كان معروفاً بين الناس وقتها أن مبارك لا يحب الحديث عن والديه علناً، خصوصاً بعد أن شخط في مفيد فوزي خلال أحد لقاءاته التلفزيونية معه، لأنه سأله متباسطاً عن علاقته بوالده، ونتج عن ذلك الحادث التافه كم مهول من التشنيعات والإشاعات، كان أكثرها إثارة للضحك ما قيل عن منع التلفزيون لإذاعة أغنية (أمّه نعيمة نعمين) للمطربة ليلى نظمي، لأن والدة مبارك اسمها نعيمة، وكلها تشنيعات لم تكن ستظهر لو كان هناك تعامل طبيعي مع أي معلومات تخص رئيس الجمهورية، كما يحدث في الدول الطبيعية.

فجأة، تغير كل شيئ فيما يخص التعامل مع صحة حسني مبارك، حين سقط على الهواء مباشرة أثناء خطاب كان يلقيه في نوفمبر 2003 بمجلس الشعب، كانت آثار الإجهاد بادية عليه حين بدأ إلقاء خطابه، لكن الجميع تعامل مع الأمر بوصفه دور برد، خصوصاً حين كثر إخراجه لمنديل من جيبه والقيام بالنفّ فيه، ولم يكن يتوقع أحد أن يقع حسني مبارك من طوله، لينقطع إرسال التلفزيون، وتروج بعد ذلك الروايات التي نقلها الصحفيون الذين حضروا الجلسة عن قيام عمر سليمان رئيس المخابرات بالقفز من مقعده ليأمر بإغلاق أبواب القاعة الكبرى في المجلس منعاً لدخول أو خروج أحد من القاعة، في الوقت الذي تم فيه إسعاف حسني مبارك على الفور، ليعود الإرسال التلفزيوني بعد فترة قصيرة من داخل القاعة، ويدخل حسني مبارك منتصب القامة يمشي وكأن شيئاً لم يكن، ويقوم بتحية نواب مجلسي الشعب والشورى، الذين التهبت أكفهم من التصفيق، بعد أن التهبت مؤخراتهم من الجلوس مرزوعين على كراسيهم دون أن يعرفوا ما يدور خارج القاعة، وظهر بعدها على الشاشات وزير الصحة الدكتور محمد عوض تاج الدين الذي قام بإسعاف الرئيس، ليقول لمذيعة التلفزيون إن أي شخص عادي يصاب بدور البرد الذي أصيب به الرئيس، يجب أن يرقد عشرة أيام في السرير لكي يتجاوزه، أما الرئيس مبارك فإنه منذ أصيب بدور البرد قبل خمسة أيام لم يتوقف عن العمل يوماً واحداً، وكان ينقصه أن يقول إن الرئيس مبارك لم يصب بدور برد، بل دور البرد هو الذي تشرف بالحلول في جسد الرئيس.

سرت في مصر يومها الكثير من النكت والتشنيعات، لكنها كانت ولأول مرة مصحوبة بالخوف والقلق على مستقبل البلاد، وكأن ملايين المصريين اكتشفوا فجأة أن حسني مبارك بشر فانٍ يمكن أن يمرض ويموت، ولذلك تحول مزاج الحكي الشعبي من تقديم تفسيرات لصحة مبارك وعافيته المستفزة، إلى تقديم تصورات عما أصبح يفعله لوقف تدهور صحته المستمر، وحين أعلن رسمياً عن سفر مبارك في يوليو من عام 2004 للعلاج في ألمانيا، لم يصدق الكثيرون ما أعلنته الصحف الحكومية عن ذهابه للعلاج من إصابة بالانزلاق الغضروفي، مع أنهم كانوا يصدقون كل ما يقال عن قوته الخارقة في لعب الاسكواش، ولم يترك هؤلاء مرضاً خبيثاً مستعصي العلاج إلا ونسبوه إلى مبارك، متوقعين ألا يعود من ألمانيا التي ذهب ليعالج في مستشفياتها، بعد كل ما صدّع به المصريين عن إنجازاته الطبية المبهرة.

كان أغرب ما راج في تلك الفترة هو الحديث عن قيام حسني مبارك بزرع نخاع شوكي جديد، وقال هواة الإفتاء من المطلعين على بواطن الأمور إن هذا هو سر الحديث عن وجود مشكلة في ظهر الرئيس، وبالطبع لم يكن أحد يكلف نفسه عناء التساؤل عن إمكانية زرع نخاع شوكي أصلاً، ولا من أين سيأتي النخاع الشوكي الذي سيتم زرعه، فالفكرة الأهم الي تم تداولها هو أن الحاكم العجوز الذي بدأت صحته في الخسعان بعد طول تماسك، أصبح يحتاج إلى قطع غيار جديدة لكي يواصل حكم الشعب وشكمه، ولذلك كان هناك شبه إجماع على أن رحلة مبارك للعلاج لن تكون قصيرة، بل ستطول أكثر من اللازم، لأن تركيب النخاع الشوكي سيأخذ بعض الوقت.

لكن حسني مبارك خيّب آمال كارهيه، وعاد إلى الجلوس على عرشه وممارسة مهامه بأسرع مما توقع، وكان أول من دفعوا ثمن عودته رئيس الوزراء الدكتور عاطف عبيد الذي فقد منصبه فجأة، وحل محله الدكتور أحمد نظيف وزير الاتصالات، وكانت ملامح مشروع التوريث قد اتضحت وقتها، وأصبحت تخزق عين المتشكك التخين، ومع ذلك فقد حرص مبارك الأب على الإكثار من جولاته وزياراته للمحافظات، لكنها كما لاحظ الكثيرون لم تعد تذاع لفترة طويلة كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت تذاع منها مختارات قصيرة تخضع للمونتاج بعناية، وبإشراف مباشر من صفوت الشريف وزير الإعلام، ثم من خليفته أنس الفقي.

وحين راج بين الناس وقتها الحديث عن الاستخدامات الطبية المستحدثة لغاز الأوزون ودوره في تجديد الخلايا وإطالة العمر، انتشرت على الفور حكاية أن مبارك يقضي كل يوم ساعتين في غرفة مجهزة بالأوزون، تم استيرادها خصيصاً من الخارج وتركيبها في قصره، وأن قصره في شرم الشيخ مدينته المفضلة يحوي غرفة مماثلة، وأذكر أنني حين اندلعت قضية أزمة صحة الرئيس التي أثارها الأستاذ إبراهيم عيسى في صحيفة (الدستور) عام 2007، وتعرض بسببها للمحاكمة، كتبت مقالاً في (الدستور) أشرت فيه ساخراً إلى أن طبقة الأوزون اتخرمت من كثرة استهلاك الحاكم للأوزون، وأشرت في نفس المقال غامزاً إلى حكاية أكل حاكم لم أقم بتسميته “لاتنين كيلو جمبري مسلوق على الريق كل يوم”.

حين اشتد وطيس الأزمة التي خلفتها مقالات إبراهيم عيسى عن تدهور صحة الرئيس مبارك والتي استند فيها إلى مصادر لم يكشف عنها، كتبت سلسلة مقالات أناقش فيه ما أصبح يعرف بـ “قضية صحة الرئيس”، وكان من بينها مقال كتبت في مطلعه ما يلي: “هذا قانون فيزيائي جديد اكتبوه بإسمي ولاتخشوا في ذلك لومة لائم: “تتناسب درجة صحة البلاد عكسيا مع درجة تحريم الحديث عن صحة حاكمها”. فعندما يصبح الحديث عن صحة الحاكم أمرا محظورا ومثيرا لكل هذا القدر من الغضب والإستفزاز والإرهاب لاتصبح صحة الرئيس هي المثيرة للتساؤل بل صحة البلاد نفسها هي التي تستحق ألف سؤال وسؤال. لكي تكتب في أحوال السياسة المصرية في هذه الأيام المباركات تحتاج إلى أن يكون بصحبتك طيلة الوقت مدرس أحياء يقول بالنيابة عنك لمن يهمه الأمر أن الكائن الحي طالما كان حيا فهو يتعب ويصح ويصح أحيانا أن يمرض وهو كما يحيا يمكن أن يموت وهو أحيانا يتمدد بالحرارة وأحيانا ينكمش بالبرودة. على عكس مدرس الاحياء لن تحتاج إلى مدرس تاريخ طيلة الوقت، يكفي أن يكتب لك ورقة بعدد الذين حكموا مصر منذ فجر التاريخ، وكيف حكموا ووعدوا بالعدل ثم ظلموا ثم رحلوا ثم جاء غيرهم ليحكم ويعد بالعدل ويظلم ويرحل. لن تحتاج بعدها إلى مزيد من المدرسين بل ستحتاج إلى كيس ورقي لمساعدتك في حالات الغثيان التي ستنتابك حتما وأنت ترى من يحاول أن يصور للناس أن بلدا عمرها سبعة آلاف عام يمكن أن يكون مصيرها مرهونا برجل قارب على الثمانين بغض النظر عن عدد الكباري التي افتتحها طيلة حياته”.

لكن أزمة صحة الرئيس انتهت فجأة كما بدأت فجأة، حين قام مبارك في مارس 2008 بإصدار عفو رئاسي عن الأستاذ إبراهيم عيسى الذي حصل على حكم بالحبس لمدة شهرين، في حين لم تكف كل الأقلام والأصوات الموالية للنظام عن التأكيد على أن حسني مبارك في أحسن صحة يمكن تخيلها، وهو ما لم يصدقه عموم المصريون الذين رأوا أن تسريع إيقاع مشروع التوريث لم يكن سيتم إلا بعد أن أحس مبارك بقرب النهاية، وأن الأوزون والجمبري المسلوق والخلايا الجذعية والنخاعات الشوكية لم تتمكن من إصلاح ما أفسده الدهر، وأن ما انتظر الجميع طويلاً أن يحدث بعد ثورة شعبية أو انقلاب عسكري، سيحدث على يد عزرائيل، وفي ظروف كهذه عادت إلى الرواج نكتة سياسية كانت قد ارتبطت من قبل بعهد عبد الناصر، عن ذلك الرجل الذي يذهب كل صباح إلى بائع الصحف ليلقي نظرة خاطفة على مانشيتات الصحف ثم ينصرف، وحين سأله بائع الصحف لماذا لا يشتري أبداً أي صحيفة بل يكتفي بإلقاء نظرة خاطفة على المانشتات، قال له الرجل إنه ليس مهتماً إلا بأخبار الوفيات، فقال له البائع: لكن صفحة الوفيات موجودة في داخل الصحيفة، فرد عليه الرجل: “بس اللي أنا مستني خبره بيموت في الصفحة الأولى”.

لكن خبر مبارك تأخر أطول مما توقع الجميع، ولم يتح للكثيرين أن يروا صورته مسبوقة بتعبير “خبر عاجل” الذي كان موضة في تلك الفترة التي انتعشت فيها الفضائيات الإخبارية بشرائط أخبارها العاجلة أسفل الشاشة، ومع أن مبارك ذهب إلى أكثر من رحلة للعلاج في ألمانيا، من بينها رحلة قيل إنه عولج فيها من سرطان المرارة، وقالت الأخبار الرسمية أنها كانت رحلة علاج عادية لمتابعة حالة ظهره، إلا أنه كان يعود في كل مرة ليمارس مهامه الرئاسية بشكل عادي، لتتراجع الأقاويل والتشنيعات المرتبطة بتدهور صحته وقرب نهايته، وتحل محلها التشنيعات والأقاويل المفسرة لأسباب صحته الدائمة، ومقاومته لكل الأزمات الصحية التي خرج منها كالشعرة من العجين.

وبعد سبع سنوات من سقوطه المفاجئ والسريع في مجلس الشعب، وقف مبارك في نفس المكان متحدياً لمعارضيه بعبارته الشهيرة “خليهم يتسلّوا”، وأذكر أنني في تلك الفترة استمعت إلى أغرب تفسير لصمود مبارك الصحي المذهل، وكان تفسيراً سمعته من فنان نقله عن فنان، الفنان الأول هو هاني رمزي الذي كنت أعمل معه عام 2009 في فيلم كوميدي بعنوان (الرجل الغامض بسلامته) من إخراج مدير التصوير الشهير محسن أحمد، وفي إحدى جلسات قراءة السيناريو فوجئت بهاني رمزي يخرج من جيبه لصقة طبية من تلك التي توضع على الرقبة والظهر لعلاج الآلام، لكنها لم تكن من الماركات المألوفة لدينا، وكان مكتوباً على غلافها الورقي بلغة لم أحدد ما إذا كانت الصينية أو اليابانية، إلى أن قال لنا هاني إنها لصقة مستوردة من الصين، وأن الكلام المكتوب عليها يعني “اللصقة السحرية” أو عبارة مشابهة لذلك، طبقاً لما أخبره الفنان الكبير السيد راضي، الذي جاءت له تلك اللصقة من الصين عبر رجل أعمال من أصدقائه يحضرها له بانتظام.

كان هاني رمزي قد عمل من قبل مع السيد راضي في فيلم (ظاظا رئيس جمهورية)، ولفت انتباهه أن السيد راضي يتحرك بقوة ونشاط لا يتناسبان مع سنه الذي كان قد أشرف على الثمانين وقت تصوير الفيلم، وحين سأل السيد راضي عن سر ذلك النشاط وهو يمسك الخشب، حدثه عن حرصه على الاهتمام بصحته من زمان، ثم قال له ضاحكاً إن ما يساعده على حل أي مشاكل في العظام وبخاصة الركبتين، لصقة مدهشة يتم تصنيعها في الصين، وأنها برغم صينية منشأها إلا أنها تمت لنا نحن المصريين بصلة، لأنها تؤخذ من جلود الحمير المصرية البلدي، التي نعاملها أسوأ معاملة، ويأكل بعضنا لحومها بغير علمهم ـ أو بعلمهم أحياناً ـ لدى الكبابجية منعدمي الضمير، لكننا في الوقت نفسه لا نلتفت إلى أهمية جلود تلك الحمير المذبوحة، والتي يتم تصديرها إلى الصين مباشرة، وأن هذه التجارة التي بدأت منذ سنوات، كانت تحاط بالتكتم من قبل الصينيين لكي لا ينتبه المصريون إلى أهمية المادة الجيلاتينية الموجودة في جلود الحمير، والتي تستخدم في الطب التقليدي الصيني منذ قديم الأزل كعلاج لأعراض الشيخوخة، ومنشط جنسي باتع السر.

كنت قد بدأت فور سماعي لما قاله هاني في التعليق عليه بإفيهات قال لي هاني إنه سبقني إلى بعضها في حديثه مع السيد راضي، الذي أحب حينها أن يؤكد له على أهمية ما يتحدث عنه، فقال له إن أكثر مستخدم لهذه اللصقة الصينية المليئة بالمادة الجيلاتينية المأخوذة من جلود حميرنا المغدورة، هو السيد الرئيس حسني مبارك شخصياً، وأن السيد راضي يعرف الشخص الذي يقوم بتوريد هذه اللصقة وما شابهها من مستحضرات صينية إلى قصر الرئاسة، وأن هاني لو قام باستخدامها سينسى تماماً كل ما له علاقة بآلام الركبتين والظهر، وسيستمر في نشاطه وحيويته حين يصل إلى سن السيد راضي وحسني مبارك، لكن هاني تعامل مع ما قاله السيد راضي بنفس الاستخفاف الذي تعاملت به معه، ولذلك ظلت اللصقة التي أخذتها منه على سبيل التذكار مرمية في درج مكتبي، حتى وقعت ذات يوم عقب الثورة وأنا أقلب في زواريق الإنترنت على تقرير طويل عريض نشره موقع عظيم الشأن عن مادة الإيجاو التي تطارد الصين من أجلها جميع حمير أفريقيا، لا حمير مصر فقط، وأنها تخطط لشراء جميع حمير العالم من أجل الحصول على هذه المادة واستخدامها في ما تصنعه من أدوية لمكافحة الشيخوخة وإطالة العمر والبتاع.

ومن ساعتها، وأنا أتذكر “لزقة جلود الحمير”، كلما سمعت خبراً عن مرور حسني مبارك بأزمة صحية جعلته يشارف الموت، قبل أن يتضح أنه خبر مضروب ربما فبركته أسرته للمساعدة على إفلاته من المحاكمة أو التحقيقات، وحين رأيت حسني مبارك في ذكرى حرب أكتوبر الماضية، وقد ظهر بكامل لياقته الصحية ولكن دون صبغة للشعر، وتحول إلى “فلوجر” يستخدم اليوتيوب للتواصل مع الذين جعلهم فشل عبد الفتاح السيسي يحنون إلى أيامه، تذكرت المشير الجمسي وقرأت له الفاتحة، ثم قلت لنفسي في لحظة تنوير متأخرة إن الأكثر منطقية أن لا يكون لقدرة مبارك على تحدي الزمن، علاقة بأكل الجمبري المسلوق على الريق، بل بالحمار وجلده السميك الذي يساعد على اللزق في الكرسي لأطول فترة، ولعل من الإعجاز العلمي أن يكون الحمار دون غيره من الحيوانات سبباً في تمكين مبارك من حكم مصر ثلاثين عاماً، وأن يتلوه بعدها بسنوات في حكم مصر رئيس من نفس فصيلته السياسية، وكأن حمورية العقل تظل شرطاً لحكم مصر لفترة طويلة، بما أن الحمار هو أيضاً مثلها مذكور في القرآن.

  المائة سنة، في حين قال آخرون إن ذلك غير صحيح، مؤكدين أن والد حسني مبارك لم يكن معمِّراً، وإنما وافته المنية بعد نهاية خدمته الوظيفية كحاجب محكمة وإحالته إلى المعاش في عام 1960، لكن والدته هي التي عُمّرت وتجاوزت المائة، وهو ما اتضح خطؤه بعد ذلك، لأن والدة مبارك توفيت عام 1978 خلال عمله كنائب للرئيس السادات. كان معروفاً بين الناس وقتها أن مبارك لا يحب الحديث عن والديه علناً، خصوصاً بعد أن شخط في مفيد فوزي خلال أحد لقاءاته التلفزيونية معه، لأنه سأله متباسطاً عن علاقته بوالده، ونتج عن ذلك الحادث التافه كم مهول من التشنيعات والإشاعات، كان أكثرها إثارة للضحك ما قيل عن منع التلفزيون لإذاعة أغنية (أمّه نعيمة نعمين) للمطربة ليلى نظمي، لأن والدة مبارك اسمها نعيمة، وكلها تشنيعات لم تكن ستظهر لو كان هناك تعامل طبيعي مع أي معلومات تخص رئيس الجمهورية، كما يحدث في الدول الطبيعية.

فجأة، تغير كل شيئ فيما يخص التعامل مع صحة حسني مبارك، حين سقط على الهواء مباشرة أثناء خطاب كان يلقيه في نوفمبر 2003 بمجلس الشعب، كانت آثار الإجهاد بادية عليه حين بدأ إلقاء خطابه، لكن الجميع تعامل مع الأمر بوصفه دور برد، خصوصاً حين كثر إخراجه لمنديل من جيبه والقيام بالنفّ فيه، ولم يكن يتوقع أحد أن يقع حسني مبارك من طوله، لينقطع إرسال التلفزيون، وتروج بعد ذلك الروايات التي نقلها الصحفيون الذين حضروا الجلسة عن قيام عمر سليمان رئيس المخابرات بالقفز من مقعده ليأمر بإغلاق أبواب القاعة الكبرى في المجلس منعاً لدخول أو خروج أحد من القاعة، في الوقت الذي تم فيه إسعاف حسني مبارك على الفور، ليعود الإرسال التلفزيوني بعد فترة قصيرة من داخل القاعة، ويدخل حسني مبارك منتصب القامة يمشي وكأن شيئاً لم يكن، ويقوم بتحية نواب مجلسي الشعب والشورى، الذين التهبت أكفهم من التصفيق، بعد أن التهبت مؤخراتهم من الجلوس مرزوعين على كراسيهم دون أن يعرفوا ما يدور خارج القاعة، وظهر بعدها على الشاشات وزير الصحة الدكتور محمد عوض تاج الدين الذي قام بإسعاف الرئيس، ليقول لمذيعة التلفزيون إن أي شخص عادي يصاب بدور البرد الذي أصيب به الرئيس، يجب أن يرقد عشرة أيام في السرير لكي يتجاوزه، أما الرئيس مبارك فإنه منذ أصيب بدور البرد قبل خمسة أيام لم يتوقف عن العمل يوماً واحداً، وكان ينقصه أن يقول إن الرئيس مبارك لم يصب بدور برد، بل دور البرد هو الذي تشرف بالحلول في جسد الرئيس.

سرت في مصر يومها الكثير من النكت والتشنيعات، لكنها كانت ولأول مرة مصحوبة بالخوف والقلق على مستقبل البلاد، وكأن ملايين المصريين اكتشفوا فجأة أن حسني مبارك بشر فانٍ يمكن أن يمرض ويموت، ولذلك تحول مزاج الحكي الشعبي من تقديم تفسيرات لصحة مبارك وعافيته المستفزة، إلى تقديم تصورات عما أصبح يفعله لوقف تدهور صحته المستمر، وحين أعلن رسمياً عن سفر مبارك في يوليو من عام 2004 للعلاج في ألمانيا، لم يصدق الكثيرون ما أعلنته الصحف الحكومية عن ذهابه للعلاج من إصابة بالانزلاق الغضروفي، مع أنهم كانوا يصدقون كل ما يقال عن قوته الخارقة في لعب الاسكواش، ولم يترك هؤلاء مرضاً خبيثاً مستعصي العلاج إلا ونسبوه إلى مبارك، متوقعين ألا يعود من ألمانيا التي ذهب ليعالج في مستشفياتها، بعد كل ما صدّع به المصريين عن إنجازاته الطبية المبهرة.

كان أغرب ما راج في تلك الفترة هو الحديث عن قيام حسني مبارك بزرع نخاع شوكي جديد، وقال هواة الإفتاء من المطلعين على بواطن الأمور إن هذا هو سر الحديث عن وجود مشكلة في ظهر الرئيس، وبالطبع لم يكن أحد يكلف نفسه عناء التساؤل عن إمكانية زرع نخاع شوكي أصلاً، ولا من أين سيأتي النخاع الشوكي الذي سيتم زرعه، فالفكرة الأهم الي تم تداولها هو أن الحاكم العجوز الذي بدأت صحته في الخسعان بعد طول تماسك، أصبح يحتاج إلى قطع غيار جديدة لكي يواصل حكم الشعب وشكمه، ولذلك كان هناك شبه إجماع على أن رحلة مبارك للعلاج لن تكون قصيرة، بل ستطول أكثر من اللازم، لأن تركيب النخاع الشوكي سيأخذ بعض الوقت.

لكن حسني مبارك خيّب آمال كارهيه، وعاد إلى الجلوس على عرشه وممارسة مهامه بأسرع مما توقع، وكان أول من دفعوا ثمن عودته رئيس الوزراء الدكتور عاطف عبيد الذي فقد منصبه فجأة، وحل محله الدكتور أحمد نظيف وزير الاتصالات، وكانت ملامح مشروع التوريث قد اتضحت وقتها، وأصبحت تخزق عين المتشكك التخين، ومع ذلك فقد حرص مبارك الأب على الإكثار من جولاته وزياراته للمحافظات، لكنها كما لاحظ الكثيرون لم تعد تذاع لفترة طويلة كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت تذاع منها مختارات قصيرة تخضع للمونتاج بعناية، وبإشراف مباشر من صفوت الشريف وزير الإعلام، ثم من خليفته أنس الفقي.

وحين راج بين الناس وقتها الحديث عن الاستخدامات الطبية المستحدثة لغاز الأوزون ودوره في تجديد الخلايا وإطالة العمر، انتشرت على الفور حكاية أن مبارك يقضي كل يوم ساعتين في غرفة مجهزة بالأوزون، تم استيرادها خصيصاً من الخارج وتركيبها في قصره، وأن قصره في شرم الشيخ مدينته المفضلة يحوي غرفة مماثلة، وأذكر أنني حين اندلعت قضية أزمة صحة الرئيس التي أثارها الأستاذ إبراهيم عيسى في صحيفة (الدستور) عام 2007، وتعرض بسببها للمحاكمة، كتبت مقالاً في (الدستور) أشرت فيه ساخراً إلى أن طبقة الأوزون اتخرمت من كثرة استهلاك الحاكم للأوزون، وأشرت في نفس المقال غامزاً إلى حكاية أكل حاكم لم أقم بتسميته “لاتنين كيلو جمبري مسلوق على الريق كل يوم”.

حين اشتد وطيس الأزمة التي خلفتها مقالات إبراهيم عيسى عن تدهور صحة الرئيس مبارك والتي استند فيها إلى مصادر لم يكشف عنها، كتبت سلسلة مقالات أناقش فيه ما أصبح يعرف بـ “قضية صحة الرئيس”، وكان من بينها مقال كتبت في مطلعه ما يلي: “هذا قانون فيزيائي جديد اكتبوه بإسمي ولاتخشوا في ذلك لومة لائم: “تتناسب درجة صحة البلاد عكسيا مع درجة تحريم الحديث عن صحة حاكمها”. فعندما يصبح الحديث عن صحة الحاكم أمرا محظورا ومثيرا لكل هذا القدر من الغضب والإستفزاز والإرهاب لاتصبح صحة الرئيس هي المثيرة للتساؤل بل صحة البلاد نفسها هي التي تستحق ألف سؤال وسؤال. لكي تكتب في أحوال السياسة المصرية في هذه الأيام المباركات تحتاج إلى أن يكون بصحبتك طيلة الوقت مدرس أحياء يقول بالنيابة عنك لمن يهمه الأمر أن الكائن الحي طالما كان حيا فهو يتعب ويصح ويصح أحيانا أن يمرض وهو كما يحيا يمكن أن يموت وهو أحيانا يتمدد بالحرارة وأحيانا ينكمش بالبرودة. على عكس مدرس الاحياء لن تحتاج إلى مدرس تاريخ طيلة الوقت، يكفي أن يكتب لك ورقة بعدد الذين حكموا مصر منذ فجر التاريخ، وكيف حكموا ووعدوا بالعدل ثم ظلموا ثم رحلوا ثم جاء غيرهم ليحكم ويعد بالعدل ويظلم ويرحل. لن تحتاج بعدها إلى مزيد من المدرسين بل ستحتاج إلى كيس ورقي لمساعدتك في حالات الغثيان التي ستنتابك حتما وأنت ترى من يحاول أن يصور للناس أن بلدا عمرها سبعة آلاف عام يمكن أن يكون مصيرها مرهونا برجل قارب على الثمانين بغض النظر عن عدد الكباري التي افتتحها طيلة حياته”.

لكن أزمة صحة الرئيس انتهت فجأة كما بدأت فجأة، حين قام مبارك في مارس 2008 بإصدار عفو رئاسي عن الأستاذ إبراهيم عيسى الذي حصل على حكم بالحبس لمدة شهرين، في حين لم تكف كل الأقلام والأصوات الموالية للنظام عن التأكيد على أن حسني مبارك في أحسن صحة يمكن تخيلها، وهو ما لم يصدقه عموم المصريون الذين رأوا أن تسريع إيقاع مشروع التوريث لم يكن سيتم إلا بعد أن أحس مبارك بقرب النهاية، وأن الأوزون والجمبري المسلوق والخلايا الجذعية والنخاعات الشوكية لم تتمكن من إصلاح ما أفسده الدهر، وأن ما انتظر الجميع طويلاً أن يحدث بعد ثورة شعبية أو انقلاب عسكري، سيحدث على يد عزرائيل، وفي ظروف كهذه عادت إلى الرواج نكتة سياسية كانت قد ارتبطت من قبل بعهد عبد الناصر، عن ذلك الرجل الذي يذهب كل صباح إلى بائع الصحف ليلقي نظرة خاطفة على مانشيتات الصحف ثم ينصرف، وحين سأله بائع الصحف لماذا لا يشتري أبداً أي صحيفة بل يكتفي بإلقاء نظرة خاطفة على المانشتات، قال له الرجل إنه ليس مهتماً إلا بأخبار الوفيات، فقال له البائع: لكن صفحة الوفيات موجودة في داخل الصحيفة، فرد عليه الرجل: “بس اللي أنا مستني خبره بيموت في الصفحة الأولى”.

لكن خبر مبارك تأخر أطول مما توقع الجميع، ولم يتح للكثيرين أن يروا صورته مسبوقة بتعبير “خبر عاجل” الذي كان موضة في تلك الفترة التي انتعشت فيها الفضائيات الإخبارية بشرائط أخبارها العاجلة أسفل الشاشة، ومع أن مبارك ذهب إلى أكثر من رحلة للعلاج في ألمانيا، من بينها رحلة قيل إنه عولج فيها من سرطان المرارة، وقالت الأخبار الرسمية أنها كانت رحلة علاج عادية لمتابعة حالة ظهره، إلا أنه كان يعود في كل مرة ليمارس مهامه الرئاسية بشكل عادي، لتتراجع الأقاويل والتشنيعات المرتبطة بتدهور صحته وقرب نهايته، وتحل محلها التشنيعات والأقاويل المفسرة لأسباب صحته الدائمة، ومقاومته لكل الأزمات الصحية التي خرج منها كالشعرة من العجين.

وبعد سبع سنوات من سقوطه المفاجئ والسريع في مجلس الشعب، وقف مبارك في نفس المكان متحدياً لمعارضيه بعبارته الشهيرة “خليهم يتسلّوا”، وأذكر أنني في تلك الفترة استمعت إلى أغرب تفسير لصمود مبارك الصحي المذهل، وكان تفسيراً سمعته من فنان نقله عن فنان، الفنان الأول هو هاني رمزي الذي كنت أعمل معه عام 2009 في فيلم كوميدي بعنوان (الرجل الغامض بسلامته) من إخراج مدير التصوير الشهير محسن أحمد، وفي إحدى جلسات قراءة السيناريو فوجئت بهاني رمزي يخرج من جيبه لصقة طبية من تلك التي توضع على الرقبة والظهر لعلاج الآلام، لكنها لم تكن من الماركات المألوفة لدينا، وكان مكتوباً على غلافها الورقي بلغة لم أحدد ما إذا كانت الصينية أو اليابانية، إلى أن قال لنا هاني إنها لصقة مستوردة من الصين، وأن الكلام المكتوب عليها يعني “اللصقة السحرية” أو عبارة مشابهة لذلك، طبقاً لما أخبره الفنان الكبير السيد راضي، الذي جاءت له تلك اللصقة من الصين عبر رجل أعمال من أصدقائه يحضرها له بانتظام.

كان هاني رمزي قد عمل من قبل مع السيد راضي في فيلم (ظاظا رئيس جمهورية)، ولفت انتباهه أن السيد راضي يتحرك بقوة ونشاط لا يتناسبان مع سنه الذي كان قد أشرف على الثمانين وقت تصوير الفيلم، وحين سأل السيد راضي عن سر ذلك النشاط وهو يمسك الخشب، حدثه عن حرصه على الاهتمام بصحته من زمان، ثم قال له ضاحكاً إن ما يساعده على حل أي مشاكل في العظام وبخاصة الركبتين، لصقة مدهشة يتم تصنيعها في الصين، وأنها برغم صينية منشأها إلا أنها تمت لنا نحن المصريين بصلة، لأنها تؤخذ من جلود الحمير المصرية البلدي، التي نعاملها أسوأ معاملة، ويأكل بعضنا لحومها بغير علمهم ـ أو بعلمهم أحياناً ـ لدى الكبابجية منعدمي الضمير، لكننا في الوقت نفسه لا نلتفت إلى أهمية جلود تلك الحمير المذبوحة، والتي يتم تصديرها إلى الصين مباشرة، وأن هذه التجارة التي بدأت منذ سنوات، كانت تحاط بالتكتم من قبل الصينيين لكي لا ينتبه المصريون إلى أهمية المادة الجيلاتينية الموجودة في جلود الحمير، والتي تستخدم في الطب التقليدي الصيني منذ قديم الأزل كعلاج لأعراض الشيخوخة، ومنشط جنسي باتع السر.

كنت قد بدأت فور سماعي لما قاله هاني في التعليق عليه بإفيهات قال لي هاني إنه سبقني إلى بعضها في حديثه مع السيد راضي، الذي أحب حينها أن يؤكد له على أهمية ما يتحدث عنه، فقال له إن أكثر مستخدم لهذه اللصقة الصينية المليئة بالمادة الجيلاتينية المأخوذة من جلود حميرنا المغدورة، هو السيد الرئيس حسني مبارك شخصياً، وأن السيد راضي يعرف الشخص الذي يقوم بتوريد هذه اللصقة وما شابهها من مستحضرات صينية إلى قصر الرئاسة، وأن هاني لو قام باستخدامها سينسى تماماً كل ما له علاقة بآلام الركبتين والظهر، وسيستمر في نشاطه وحيويته حين يصل إلى سن السيد راضي وحسني مبارك، لكن هاني تعامل مع ما قاله السيد راضي بنفس الاستخفاف الذي تعاملت به معه، ولذلك ظلت اللصقة التي أخذتها منه على سبيل التذكار مرمية في درج مكتبي، حتى وقعت ذات يوم عقب الثورة وأنا أقلب في زواريق الإنترنت على تقرير طويل عريض نشره موقع عظيم الشأن عن مادة الإيجاو التي تطارد الصين من أجلها جميع حمير أفريقيا، لا حمير مصر فقط، وأنها تخطط لشراء جميع حمير العالم من أجل الحصول على هذه المادة واستخدامها في ما تصنعه من أدوية لمكافحة الشيخوخة وإطالة العمر والبتاع.

ومن ساعتها، وأنا أتذكر “لزقة جلود الحمير”، كلما سمعت خبراً عن مرور حسني مبارك بأزمة صحية جعلته يشارف الموت، قبل أن يتضح أنه خبر مضروب ربما فبركته أسرته للمساعدة على إفلاته من المحاكمة أو التحقيقات، وحين رأيت حسني مبارك في ذكرى حرب أكتوبر الماضية، وقد ظهر بكامل لياقته الصحية ولكن دون صبغة للشعر، وتحول إلى “فلوجر” يستخدم اليوتيوب للتواصل مع الذين جعلهم فشل عبد الفتاح السيسي يحنون إلى أيامه، تذكرت المشير الجمسي وقرأت له الفاتحة، ثم قلت لنفسي في لحظة تنوير متأخرة إن الأكثر منطقية أن لا يكون لقدرة مبارك على تحدي الزمن، علاقة بأكل الجمبري المسلوق على الريق، بل بالحمار وجلده السميك الذي يساعد على اللزق في الكرسي لأطول فترة، ولعل من الإعجاز العلمي أن يكون الحمار دون غيره من الحيوانات سبباً في تمكين مبارك من حكم مصر ثلاثين عاماً، وأن يتلوه بعدها بسنوات في حكم مصر رئيس من نفس فصيلته السياسية، وكأن حمورية العقل تظل شرطاً لحكم مصر لفترة طويلة، بما أن الحمار هو أيضاً مثلها مذكور في القرآن.

  


Comments

comments

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب:الرجل الذي قال له مبارك “اللي ياكل لوحده يزور”!

قلب علينا خبر وفاة النائب العام المصري الأسبق “رجائي العربي” المواجع، وذكرنا بحالة رجل الأعمال …