تجاهل إعلامي ليوم الصحفي في مصر في ظل غياب الحريات وسجن 70 صحافي


مرت الذكرى الـ 26 للاحتفال بيوم الصحفي المصري، وهو اليوم الذي اختارته الجمعية العمومية للصحافيين، ليكون عيداً سنوياً لحرية الصحافة، لتزامنه مع ذكرى انتفاضة الصحافيين المصريين ضد القانون رقم 93 لسنة 1995، دون أن يتذكرها أحد، باستثناء شخص واحد وهو النقابي المخضرم الذي تقاعد إجبارياً عن ممارسه دوره النقابي، وهو يحيى قلاش.

وكتب قلاش مذكراً بيوم انعقاد الجمعية العمومية الحاشدة، التي حضرها عدد كبير من الصحافيين، في 10 يونيو/حزيران 1995، للتنديد بالقانون رقم 93، الذي أُطلق عليه “قانون اغتيال حرية الصحافة وحماية الفساد”، في وقت تمر فيه الصحافة المصرية بأسوأ أحوالها، إذ تم تأميم كل الصحف والمواقع والقنوات تقريباً لصالح جهة وحيدة أصبحت تتحكم فيما ينشر وما لا ينشر بواسطة رسائل تصل إلى المسؤولين بالصحف عن طريق ما عرف بجهاز “السامسونغ”

وذكر النقيب السابق أن اليوم الخميس العاشر من يونيو/حزيران “يوم الصحافي” الذي يوافق مرور الذكرى السادسة والعشرين على عقد الجمعية العمومية للصحافيين، لرفض القانون 93 لسنة 1995 الذي صدر بليل من مجلس الشعب، لوضع مزيد من القيود على حرية الصحافة وشدد العقوبات على الصحافيين. وهي الجمعية التي ظلت منعقدة لمدة عام حتى انتصرت إرادة الصحافيين بسقوط القانون.

وقال قلاش إن هذه المعركة ستظل إحدى المعارك الملهمة والنموذج في كيفية إدارة مجلس النقابة لأزمة كبرى، وقوة والتفاف جمعية عمومية نابضة، وتضامن قطاعات وقوى حية من المجتمع أدركت أن الصحافة ملك للشعب ولا تخص جماعة مهنية، لذلك أطلق عليه اسم “قانون حماية الفساد”

ولم يجد المقال الذي نشره نقيب الصحافيين السابق يحيى قلاش على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تفاعلاً يذكر من زملائه، إذ لم تتجاوز علامات الإعجاب العشرة أفراد منذ نشره أمس الأربعاء.

وكان قلاش قد اتهم في العام 2016 بـ”إيواء مطلوبين أمنياً داخل مقر النقابة”، وحكم عليه بالحبس لمدة عام، مع الإيقاف لمدة 3 سنوات، وذلك بعد أن اقتحمت مجموعة من قوات الأمن نقابة الصحافيين وألقت القبض على الصحافيين المعتصمين بها عمرو بدر، ومحمود السقا لمعارضتهما اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. وهو ما دعا قلاش لعقد اجتماع طارئ للجمعية العمومية لبحث الواقعة، وطالبت الجمعية بإقالة وزير الداخلية، كما تقدمت ببلاغ إلى النائب العام عن تفاصيل الاقتحام، وطلبت اتخاذ الإجراءات القانونية حيالها، وكان ذلك في 2 مايو/أيار 2016.

وفي 4 مايو/أيار 2016، جددت نقابة الصحافيين مطالبها بإقالة وزير الداخلية، وتقديم رئاسة الجمهورية اعتذاراً واضحاً لجموع الصحافيين، والإفراج عن جميع الصحافيين المحبوسين في قضايا الرأي، وبتشريعات تحمي الصحافيين عند ممارستهم لمهنتهم، والإسراع في إصدار تشريع عدم حبس الصحافيين وقانون الإعلام الموحد.

بعد أيام وتحديداً في 28 مايو/أيار 2016، استدعت نيابة وسط القاهرة كلاً من يحيى قلاش وخالد البلشي وكيل النقابة وجمال عبد الرحيم، لسماع أقوالهم في القضية رقم 515 لسنة 2016، والخاصة بحضور كل من الصحافيين، عمرو بدر ومحمود السقا، لمبنى النقابة وما تبعه من اقتحام قوات الأمن للمبنى.

وفي 25 مارس/آذار 2017، قضت محكمة جنح مستأنف قصر النيل، في استئناف نقيب الصحافيين السابق وعضوي المجلس الحالي والسابق الحبس عاماً، مع الإيقاف لمدة 3 سنوات في تهمة إيواء مطلوبين أمنياً.

70 صحافياً وإعلامياً في السجون

ومنذ ذلك التاريخ تعيش الصحافة المصرية ظروفاً بالغة السوء، حيث يقبع إلى الآن ما يقرب من 70 صحافياً وإعلامياً في السجون المصرية، حسب حصر “المرصد العربي لحرية الإعلام”، يقضي بعضهم أحكاماً بالحبس تصل إلى المؤبد، بينما يقضي غالبيتهم في حبس احتياطي على ذمة اتهامات ولم تتم إحالتهم إلى المحاكم، وقد قضى غالبية هؤلاء الفترات القصوى للحبس الاحتياطي التي ينص عليها القانون (سنتين) ولم يتم إخلاء سبيلهم، بل تمت إعادة حبسهم باتهامات جديدة؛ ليصبح الحبس الاحتياطي الذي هو مجرد إجراء احترازي عقوبة سالبة للحرية طويلة المدى من دون حكم قضائي.

كل هؤلاء الصحافيين في السجون في الوقت الذي تنص فيه القوانين المصرية والدستور على حق ممارسة العمل الصحافي أو التعبير السلمي عن آرائهم، بل إن الدستور المصري في المادة 71 يمنع تماماً الحبس في قضايا النشر الصحافي، كما يمنع إغلاق الصحف.

ولا يمكن الحديث عن حرية الصحافة من دون ذكر أن السلطات المصرية، حجبت 546 موقعًا على الأقل، بينها 103 مواقع صحافية، وفقاً لآخر حصر “مؤسسة حرية الفكر والتعبير”، على الرغم من أن الدستور المصري أعطى الصحافة بأنواعها المختلفة حرية مطلقة، حيث نص على أنه “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة”

إلا أن القانون رقم 180 لسنة 2018، والمسمى بقانون تنظيم الصحافة واﻹعلام والمجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام، وضع قيوداً مكبِّلة لحرية الصحافة، في مخالفةٍ ﻷحكام الدستور.

إلى جانب سياسات الحجب، توسعت السلطات المصرية في هيمنتها على وسائل الإعلام، حيث تمكنت أخيراً من ضم قناة “المحور” (قناة خاصة يملكها رجل الأعمال حسن راتب)، وصحيفة “المصري اليوم” (صحيفة يومية خاصة يملكها رجل الأعمال صلاح دياب)، إلى الإمبراطورية الإعلامية الجديدة المملوكة للمخابرات المصرية تحت غطاء الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (تضم العديد من القنوات الفضائية والإذاعية والصحف والمواقع الإلكترونية وشركات الإنتاج الفني والسينمائي والإعلاني).

ويرى “المرصد العربي لحرية الإعلام” أن “السلطات المصرية تستهدف من خلال هذه الهيمنة، ضمان نشر وتسويق روايتها الرسمية”

الحصار الذي لاحق الصحافيين والصحف والمحطات الفضائية، امتد أيضاً لحصار نقابة الصحافيين المصريين نفسها. فمبنى نقابة الصحافيين المصريين يقع خلف قضبان السقالات منذ ثلاث سنوات، وأمامه عناصر أمنية دائمة التمركز على الرصيف المقابل للنقابة، منذ أن أعلن سكرتير عام مجلس نقابة الصحافيين المصريين محمد شبانة بدء عمليات تطوير المبنى وترميم واجهته، وحتى الآن لا تزال السقالات موضوعة رغم عدم وجود تطوير ولا عمال ولا حتى دراسة جدوى أو خطة زمنية لإنهاء التطوير.

حصار المبنى نفسه كان مجرد موقف رمزي لحصار الصحافة المصرية بشكل عام، لكن الدولة أصرت على تحويل الموقف الرمزي لموقف فعلي بحصار أعضاء مجلس النقابة المحسوبين على تيار الاستقلال، بتهميشهم تماماً وحرمانهم من تولي الإشراف على أي من لجان النقابة.

وفي واقعة جديدة على نقابة الصحافيين المصريين، استبعد 4 أعضاء من مجلس النقابة، محسوبين على المعارضة، من تشكيل هيئة مكتب مجلس النقابة ولجانه المختلفة، وهم هشام يونس، ومحمود كامل، ومحمد سعد عبد الحفيظ، ومحمد خراجة، ووزعت اللجان كلها على باقي أعضاء المجلس، على أن يتولى كل منهم إدارة لجنتين.

العشرات مسجونون

أوضاع امتدت على مدار سنوات، مكنت مصر من الحفاظ على مرتبتها المتأخرة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، حسب تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2021، حيث حافظت مصر على تراجعها في المركز 166 الذي يقيم الوضع الإعلامي في 180 بلداً، انطلاقاً من منهجية تُقيم مدى تعددية وسائل الإعلام واستقلاليتها وبيئة عمل الصحافيين ومستويات الرقابة الذاتية، فضلا عما يحيط بعملية إنتاج الأخبار من آليات داعمة، مثل الإطار القانوني ومستوى الشفافية وجودة البنية التحتية.

خلال شهر إبريل/نيسان الماضي وحده وثّق “المرصد العربي لحرية الإعلام” 20 انتهاكاً بحق الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام، وتوزعت كالتالي: انتهاكات المحاكم والنيابات (8)، وانتهاكات المنع من التغطية (3)، والحبس والاحتجاز المؤقت (3)، والقرارات الإدارية التعسفية (3)، وانتهاكات السجون (2)، والتدابير الاحترازية (1).

“مراسلون بلا حدود” أشارت أيضاً إلى أن أكثر دول الشرق الأوسط “استبداداً”، السعودية ومصر وسورية، كثفت ممارساتها القمعية المتمثلة في “تكميم الصحافة، لتحكم قبضتها على وسائل الإعلام في سياق جائحة “كوفيد-19″، حيث جاءت الأزمة الصحية لتعمق جراح الصحافة العميقة أصلاً في هذه المنطقة”، التي لا تزال الأصعب والأخطر في العالم بالنسبة للصحافيين.


Comments

comments

شاهد أيضاً

الجزائر.. حركة مجتمع السلم تحصد 64 مقعدا بالبرلمان

أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر، اليوم الثلاثاء، فوز حزب جبهة التحرير الوطني الموالية …