تزايد التطبيع التجاري بين مصر وإسرائيل .. لأهداف اقتصادية أم سياسية؟

فيما يبدو توجه من جانب النظام المصري للاستفادة من التطبيع مع إسرائيل في توفير موارد للاقتصاد المصري المتدهور الذي يئن من وطأة الديون وفوائدها، صادقت الحكومة الإسرائيلية، في 29 مايو/ أيار 2022 على خطة لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع القاهرة.

بالتزامن مع ذلك، كشفت الموازنة العامة المصرية للعام المالي (2022-2023)، منتصف مايو، بلوغ فوائد الدين العام المحلي والخارجي الواجب سدادها خلال 2023، نحو 690.2 مليار جنيه (37.1 مليار دولار)، وقيمة الأقساط عن نفس العام 965.5 مليار جنيه (51.9 مليار دولار)، بإجمالي تريليون و655.7 مليار جنيه (89 مليار دولار).

وتعليقا على هذا التطور، ذكرت وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية، في بيان، أن “الخطة تهدف إلى توسيع التعاون الاقتصادي وفتح مصر مشاريع البنى التحتية أمام الشركات الإسرائيلية و”إدخال القدرات التكنولوجية والابتكار والريادة الإسرائيلية في الجهاز الاقتصادي المصري”

واحتفت إسرائيل بالخطة على مستوى الحكومة ووسائل الإعلام، بينما لم يلق الخبر أي اهتمام رسمي مصري أو لدي الصحف وقنوات التلفاز التي تتحكم فيما تنشره أجهزة الأمن والمخابرات، بحسب موقع “الاستقلال”.

وتنوعت التحليلات عن الأهداف الحقيقية وراء هذا التطبيع الاقتصادي، ومدى جدواه في إنقاذ الاقتصاد المصري من الأزمة الكبيرة التي يعاني منها حاليا، بينما يؤكد خبراء أن هذه التطورات في أصلها سياسية أكثر منها اقتصادية.

تطبيع اقتصادي

وتزامنت هذه الخطة مع إعلان دائرة التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد الإسرائيلية، في 29 مايو، أن حجم التجارة السنوية بين إسرائيل ومصر (لا يشمل السياحة وصادرات الغاز الطبيعي) بلغ عام 2021 حوالي 330 مليون دولار بزيادة بنحو 60 بالمئة مقارنة بعام 2020.

ولا يعرف الكثير عن عوائد السياحة الإسرائيلية لمصر أو صادرات الغاز الطبيعي بسبب عدم نشر معلومات دقيقة بشأنها.

كما أكدت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 29 مايو، سعي مصر وإسرائيل لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 700 مليون دولار بحلول 2025.

من جانبها، كشفت وكالة “بلومبرغ” الأميركية في 26 مايو، ترتيب الاتحاد الأوروبي صفقة لاستيراد الغاز الإسرائيلي عبر مصر.

وتتضمن الصفقة تحويل الوقود إلى غاز طبيعي مسال في مصانع المعالجة في مصر قبل شحنه إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني مزيدا من توسيع التعاون بين إسرائيل ومصر في مشروعات الطاقة.

وفي نفس اليوم، أكد وزير البترول المصري طارق الملا لبلومبرغ، أن القاهرة وتل أبيب يستعدان لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي المسال، لتقليل اعتمادها على الإمدادات الروسية، إذ تمد موسكو القارة الباردة بنحو 40 في المئة من حاجتها من الغاز.

وبحسب بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري في فبراير/شباط 2022، وصل حجم إنتاج الغاز المصري في عام 2020/2021 إلى 66.2 مليار متر مكعب، والاستهلاك 62.9 مليار متر مكعب، والفائض 3.3 مليار متر مكعب.

وكشفت وكالة رويترز البريطانية في 31 مايو، ارتفاع قيمة صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال خلال أول أربعة أشهر من عام 2022 بنسبة 98 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من 2021 لتصل إلى 3.892 مليارات دولار.

ومن القاهرة، أعلنت وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الحرار، في فبراير 2022، أن إسرائيل زادت صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر بنحو 50 بالمئة لترتفع من 5 مليارات متر مكعب سنويا إلى 6.5 مليارات متر مكعب بحلول 2023.

وعادت الوزيرة الإسرائيلية لتأكيد أن إسرائيل تستعد لزيادة التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، بغرض توقيع اتفاق لتصدير الغاز الاسرائيلي إلى أوروبا عبر مصر، وفقا لرويترز في 30 مايو 2022.

وأوضحت أنه يجرى “تشكيل فريق عمل بين إسرائيل ومصر وأوروبا لإعداد ترتيبات تصدير الغاز لأوروبا”

وفي فبراير/شباط 2018، وقعت مصر اتفاقا لاستيراد الغاز الإسرائيلي في صفقة وصفها السيسي، آنذاك، بأنها “هدف” أحرزته بلاده التي تستهدف أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة في الشرق المتوسط.

وتنص الصفقة القابلة للتجديد على استيراد مصر الغاز الإسرائيلي لمدة عشر سنوات بما قيمته 15-30 مليار دولار.

دوافع التطبيع

دائما ما كان السلام المصري الإسرائيلي يوصف بأنه “بارد” لعدم قبول الشعب المصري بأي تطبيع اقتصادي أو ثقافي، لكن العلاقات في هذه المجالات تحسنت بين القاهرة وتل أبيب بصورة كبيرة في حكم عبد الفتاح السيسي.

وبحسب دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، “أظهرت مصر انفتاحا متزايدا على توثيق العلاقات مع إسرائيل، بناء على المصالح الاقتصادية المشتركة، لا سيما في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة”

إلا أن “اتفاقيات إبراهام التطبيعية خلقت مناخا إقليميا جديدا منافسا، ما دفع مصر إلى السعي للحصول على نصيبها من المكافآت الاقتصادية للسلام مع إسرائيل، ومنحها مزيدا من الشرعية للقيام بذلك”، وفق المعهد الإسرائيلي.

لذا أثار سعى مصر أخيرا لتوسيع التعاون الاقتصادي مع إسرائيل وإعلان عدة خطط لذلك، تساؤلات متنوعة عن علاقة ذلك بالبحث عن موارد للاقتصاد المنهار، في ظل سعي النظام لطرق كل الأبواب للحصول على أموال بعدما دمر مقدرات البلاد.

الخبير المصري في الشؤون الإسرائيلية، محمد سيف الدولة يؤكد أنه يجب النظر إلى كل هذا التطبيع الاقتصادي “بنظارة السياسة وليس الاقتصاد”

ويضيف لـ “الاستقلال”، أن “مصر تعتمد بشكل رئيس على إسرائيل كبوابة لضمان استقرار علاقتها بالأميركان والمجتمع الدولي والمؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين”

ويشير “سيف الدولة” إلى حاجة القاهرة اليوم بشدة إلى هذه الوساطة الإسرائيلية لدى أميركا، بعد انتقادات واشنطن الأخيرة للحريات وحقوق الإنسان في مصر.

كما يلفت إلى أن أميركا وضعت دولا مثل روسيا والصين ومصر في كفة واحدة في مسألة الحريات والمعتقلين، وإسرائيل اليوم هي المدافع الرئيس عن مصر قبل السعودية والإمارات في أروقة صناعة القرار الأميركي”

وينبه لأهمية مصر أميركيا لاستبدال الغاز الإسرائيلي بالروسي، ضمن المباحثات الأوروبية الإسرائيلية المصرية لتصدير الغاز الإسرائيلي لأوروبا بعد تسييله في مصر كأحد بدائل الغاز الروسي.

وفي هذا السياق، يشير الخبير المصري إلى دور صفقة الغاز الإسرائيلية للقاهرة بقيمة 15 مليار دولار التي تم توقيعها في 19 فبراير/ شباط 2018، لمدة 10 سنوات في هذا التطبيع الاقتصادي المتسارع.

وبشأن احتمالات أن يخرق هذا “التطبيع الاقتصادي الرسمي”، التطبيع الشعبي الرافض ذلك، يؤكد “سيف الدولة” أن التطبيع “لا يزال مرفوضا من كل أو غالبية الأحزاب والشخصيات والنقابات والرأي العام المصري”

أهداف واضحة

ويدعم هذا الطرح، تأكيد الخبير في معهد كارنيغي للشرق الأوسط ماجد مندور، أن “الهدف الأساسي للسياسة الخارجية المصرية أصبح الحصول على حلفاء يمكنهم المساعدة على التخلص من الاضطرابات الداخلية المحتملة، وتدعيم النظام”.

ويقول في تقرير نشره المعهد (مقره بيروت) في 20 مارس/ آذار 2018، إن “قلقُ النظام المصري المسكون بهاجس البقاء هو الذي يُملي في شكل أساسي السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن”

ويوضح مندور، أن ذلك يتم عن طريق المساعدات المالية والاستثمارات، كما أن التعاون الأمني مع إسرائيل يُمكنها من الضغط على واشنطن، لمساعدة السيسي على تعزيز مكانته”

لكنه يشير إلى أن “التعاون المطرد بين مصر وإسرائيل ستكون له تداعيات مباشرة على قدرة القاهرة على أداء دورها التقليدي كوسيط في عملية السلام الفلسطينية”

ويرى أن التعاون الأمني المتنامي بين البلدين، ومساهمة اتفاق الغاز في توسيع الروابط الاقتصادية بينهما، سوف يتسبب في تقويض دور الوساطة الذي اضطلعت به مصر تقليديا.

من جانبه، ذكر موقع “المونيتور” الأميركي في 27 مايو 2022، أن “هدف توسيع التجارة والدفء في العلاقات بين مصر وإسرائيل، هو سعي مصر لتحسين أحوالها الاقتصادية”

و”رغبة مصر في أن يكون هذا الدفء الاقتصادي مع تل أبيب حافزا لقيام اسرائيل بدعم مطالب مصر لدى إدارة بايدن خاصة الإفراج عن المساعدات المجمدة أو التي تأخرت في الكونغرس”، يضيف الموقع الأمريكي.

ومنذ توقيعها توقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل عام 1978، تتلقى مصر معونة من أميركا بواقع 2.1 مليار دولار، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية، تمثل 57 بالمئة من إجمالي ما تحصل عليه القاهرة من معونات ومنح دولية.

واحتجزت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، عدة حزم من المعونة على خلفية عدم استجابة القاهرة لطلباتها بشأن حقوق الإنسان وإطلاق سراح معتقلين.

وكان ملفتا تأكيد وسائل إعلام إسرائيلية، أن هذا التوسيع للعلاقات الاقتصادية جاء بناء على طلبات مصرية.

ففي أعقاب لقاء السيسي ورئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت في 13 سبتمبر/ أيلول 2021 في شرم الشيخ، بشهر، أكدت قناة “كان 11” العبرية في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، أن القاهرة طلبت من تل أبيب زيادة معدل التجارة بينهما.

وأوضحت أن السلطات المصرية معنية بتعزيز العلاقات التجارية مع إسرائيل وزيادة حجم التبادل التجاري عبر معبر “نيتسانا”، الحدودي البري التجاري الرئيس بين إسرائيل ومصر.

وأشارت القناة الرسمية لمناقشة ذلك بعمق في اللقاء الذي جرى في ذلك اليوم بين رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ووزيرة الاقتصاد الإسرائيلية أورنا باربيفاي، بعدما زارا معا معبر “نيتسانا”، برفقة ممثلين أمنيين ودبلوماسيين وتجاريين.

وأشارت القناة إلى أن مصر مهتمة بزيادة الصادرات والواردات بسلع إضافية مثل الإسمنت والحديد والكيماويات وغيرها علما أن معبر “نيتسانا” يشهد يوميا عبور شحنات من البضائع المختلفة.

وحوالي 78 بالمئة من الصادرات الإسرائيلية إلى مصر هي من منتجات النسيج، ويتوزع الباقي بين المواد الكيميائية (11 بالمئة) والمطاط والبلاستيك (8 بالمئة) وغيرها.

في المقابل، تستورد إسرائيل من مصر منتجات زراعية وغذائية (27 بالمئة)، وكيماويات (32 بالمئة)، وماكينات وآلات كهربائية (17 بالمئة)، ومطاط وبلاستيك (5 بالمئة) ومعادن ووقود (2 بالمئة).

وضع ملتهب

وهناك غموض في طبيعة التعاون الاقتصادي ومن الذي يقوم بالتصدير من مصر لإسرائيل بخلاف منتجات “الكويز”، ولا يُعرف هل يمكن لأي شركة مصرية الاستثمار والاستيراد والتصدير مع إسرائيل أم هناك ضوابط معينة؟

وترغب مصر في عدم الاكتفاء باتفاقيات “الكويز” التي فتحت الباب للتطبيع الاقتصادي عام 1996 ودخلت حيز التنفيذ عام 2005، وبلغت الصادرات بموجبها 1.2 مليار دولار في عام 2021، تمثل المنسوجات والملابس 94 بالمائة منها.

وجري توقيع اتفاقية الكويز بين مصر وكل من إسرائيل والولايات المتحدة بالقاهرة في 14 ديسمبر/ كانون أول 2004 بهدف فرض التطبيع الاقتصادي عبر تصدير إسرائيل مواد خام لمصر تستخدمها في إنتاج ملابس تُصدر إلى أميركا.

وتضم مناطق الكويز الصناعية حوالي 700 شركة مصرية، وتصدر بضائع بقيمة مليار دولار إلى الولايات المتحدة، ويعمل بها حوالي 300 ألف شخص، وفق موقع الخارجية الأميركية.

خدمات لإسرائيل

وعمد عبد الفتاح السيسي منذ انقلاب 2013 على تقديم فروض الولاء لإسرائيل بصورة أثارت الشبهات، وسلم مقومات مصر لدولة الاحتلال بعدما دمر الاقتصاد وأدخله في أزمة كبيرة، وجعله في خدمة مصالح إسرائيل.

وكانت أولي خدمات السيسي لإسرائيل هي تقديمه مقومات مصر الاقتصادية، ممثلة في الغاز الطبيعي لإسرائيل، متبعا نفس خطط نظام حسني مبارك السابق.

إذ يعد الغاز الإسرائيلي المكتشف في البحر المتوسط غازا مصريا ولبنانيا مسروقا مما يسمي “الحدود الاقتصادية البحرية ” لكلا البلدين، حيث تمتد حقول الغاز المنسوبة لإسرائيل تحت حدود البلدين الاقتصادية.

وسبق أن نشر علماء وخبراء في الجيولوجيا أبرزهم الخبير المصري الدكتور نائل شافعي، تقارير ودراسات فنية مصرية تؤكد أن إسرائيل نهبت حقول غاز مصرية في (المياه الاقتصادية) لمصر في البحر المتوسط يقدر إنتاجها بـ200 مليار دولار.

حيث يمتد حقل “لفياثان” الإسرائيلي المكتشف 2010 و”أفروديت” القبرصي عام 2011 لمياه مصر الاقتصادية، والأول على بُعد 190 كيلومترا شمال دمياط، و235 كيلومترا من حيفا والثاني يبعد 180 كيلومترا عن ميناء ليماسول القبرصي.

وكشف الصحفي البريطاني “ديفيد هيرست” في 12 فبراير/شباط 2015 وتقرير استقصائي لقناة الجزيرة الإنجليزية أعده “كليتون سويشر” في 9 يونيو/حزيران 2014، أن أحد أسباب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي عام 2013 هو وقوفه عقبة أمام إبرام صفقة غاز ضخمة مع إسرائيل.

وبعدما كانت مصر تصدر الغاز لإسرائيل بـ 1.5 دولار، أصبحت تستورده منها بسعر 18 دولارا لكل وحدة حرارية في المتر المكعب.

وجاء الاتفاق الثلاثي الإسرائيلي المصري الأوروبي الأخير لتصدير الغاز الإسرائيلي لأوروبا عبر مصر، ليجعل تل أبيب تستفيد من معامل التكرير المصرية.

فبعدما كانت تل أبيب غير قادرة على تصدير متر مكعب غاز من حقوقها بسبب تكلفة نقله الباهظة لأوروبا عبر أنابيب في البحر المتوسط، وفر لها السيسي البديل عبر استقبال الغاز وتسييله في معامل تكرير مصر وتصديره لصالح إسرائيل مقابل عمولة.

كما فتح السيسي الباب على مصراعيه لدخول السياح الإسرائيليين لسيناء منذ عام 2021، بدعوى تعويض السياحة الأوكرانية.

وأجري تعديلا قانونيا في مارس/آذار 2022 يسمح للإسرائيليين بتملك أراضي سيناء، حيث استثني خليج العقبة ودهب وشرم الشيخ من حظر تملك الأجانب أراضي سيناء، ما عده نشطاء “كارثيا وخيانة مكتملة الأركان

Comments

comments

شاهد أيضاً

إدارة الحوار الوطني في مصر تعلن تشكيلها ونشطاء “حوار مين يا حمار”!

أعلنت إدارة الحوار الوطني الأحد 26 يونيو 2022، الذي دعا له عبد الفتاح السيسي التشكيل …