تقادم الخطيب يكتب :هل تبيع إثيوبيا المياه لمصر؟

لم تعد لدى مصر خيارات كثيرة لمواجهة إثيوبيا، فيما يتعلق بأزمة سد النهضة، فقد فعلت إثيوبيا ما تريد فعله من دون وجود ردة فعل تُذكر من النظام المصري، وهو ما شجّعها أكثر أن تسير في طريقها في عملية إنهاء بناء سد النهضة، والبدء في الملء الثالث، على أن “النهضة” لن يكون السد الأخير الذي ستبنيه إثيوبيا على النيل، ولن يكون الملء الثالث أيضا هو الملء الأخير، فاتفاقية المبادئ أتاحت لإثيوبيا ذلك. كما أن هناك ثلاثة سدود تزمع إثيوبيا تشييدها، وبدأ التخطيط لها قبل 2011، سعتها التخزينية إلى جانب سد النهضة مئتا مليار متر مكعب، ما يعني أن إثيوبيا قادرة على تجفيف النيل في مصر، وعدم وصول أي نقطة ماء إليها في أربع سنوات كاملة، ما يترتب عليه مجاعات وخراب ودمار، وعدم وجود كهرباء، لأن السد العالي حينها لن تكون لديه القدرة على توليد الكهرباء، لعدم وجود مياه في بحيرته الخلفية التي تتسع لـ160 مليار متر مكعب. لقد أدركت إثيوبيا أن النظام المصري غير قادر على مواجهتها، سواء على المستوى الداخلي أو التنسيقي مع دول الجوار الأفريقية أو على مستوى الصعيد الدولي.

وقبل البدء في تفنيد ضعف الموقف المصري والهدف الإثيوبي النهائي، والخيارات المتاحة أمام مصر، لا بد من توجيه المسؤولية إلى من يتحملها، وهو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تسبب في وصول الأمر إلى هذا المستوى، والتفريط في حقوق مصر التاريخية في مياه النيل؛ ففي وقتٍ كانت فيه الدبلوماسية الإثيوبية وسفاراتها في الخارج تعمل بنشاط وتخوض حملة لإقناع المجتمع الدولي بعدالة قضيتها، وبعدم نيتها الإضرار بدولتي الجوار، مصر والسودان، في ما يتعلق بمياه النيل، وأنها تحتاج هذا السد من أجل التنمية، كان رجال الدبلوماسية والسفارات المصرية مشغولين بمطاردة النشطاء والسياسيين المصريين في الخارج وملاحقتهم، وكتابة التقارير الأمنية عنهم وتهديدهم وتهديد أسرهم.

خسر النظام المصري التأييد الروسي، حينما تقدم بطلب لمجلس الأمن العام الماضي لوقف التصرفات الإثيوبية أحادية الجانب

تبدأ القصة منذ توقيع السيسي على اتفاقية المبادئ 2015، من دون الرجوع إلى هيئة أو مؤسسة في مصر لاستشارتها بشأنها، وهو ما يطرح سؤالا مهما، لماذا فعل السيسي ذلك، وما دوافعه؟ وقد جرى التوقيع على تلك الاتفاقية من دون الانتباه إلى حصص مصر التاريخية، إذ لم يتضمّن هذا الإعلان ذكر أي حصص لمصر في مياه النيل، كما أنه لم ينصّ على أي شيء يتعلق بآليات الملء وفتراته والسعة التخزينية. وهذا ما أتاح للجانب الإثيوبي الشروع في عملية الملء الثاني من قبل والثالث حاليا من دون أن يكترث لمصر، لانتفاء ما يلزمه بذلك. وهو أيضا ما جعل مصر والسودان يطالبان بضرورة وجود اتفاقية ملزمة لملء السد وتشغيله، وهو ما لم ولن تقوم به إثيوبيا. في المقابل، كانت الدبلوماسية المصرية ضعيفة في مواجهة الدبلوماسية الإثيوبية النشطة في الأروقة الدولية. كما أن النظام لم يستطع استخدام الفرص الحقيقية لاستخدام القوة تجاه سد النهضة، فأفضل توقيتٍ كان توقيت الرئيس الأميركي السابق ترامب، والذي لوّح بأن لمصر الحق في ذلك، لكن النظام المصري لم يقم بهذا، لأنه يخشى على أمنه أولاً، ويدرك أن القيام بضربة عسكرية لسد النهضة ستعرّض أمن النظام واستقراره لتهديد حقيقي قد يطيحه، إلى جانب تعقيدات إقليمية أخرى لم يعد النظام ذا تأثير قوي فيها.

في المقابل، خسر النظام المصري التأييد الروسي، حينما تقدم بطلب لمجلس الأمن العام الماضي لوقف التصرفات الإثيوبية أحادية الجانب، فقد كان الجانب المصري يعوّل كثيرا على الدعم الروسي، لكن خيبة الأمل كانت قوية، فقد جاء الموقف الروسي بعد عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الإثيوبيين، وهو ما جرت ترجمته في هذا الموقف الروسي في مجلس الأمن، ولعلها كانت رسالة إلى النظام المصري أن يدرك أنه لا بد أن يكون أكثر تقاربا مع روسيا، والذي تُرجم في ما بعد بالموقف المصري من الحرب الروسية الأوكرانية، فلم يدنها النظام، وأخذ سبيل الحياد، وحينما صوّت لإدانة الغزو في الأمم المتحدة، شرح موقفه للجانب الروسي بأن ضغوطا مورست عليه من الدول السبع الكبرى. لم يخسر النظام المصري الموقف الروسي فحسب، بل شجّع ذلك قوى أوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، على إدخال تعديلات جوهرية على موقفها بشأن الأزمة، وتبني موقفٍ أقرب إلى المحايد الذي يتبنّى دوراً تحفيزياً للجلوس واستكمال المفاوضات، بعدما كان يميل أكثر إلى تبنّي نهج الضغط على أديس أبابا للتراجع عن بعض الخطوات المتعلقة بالسد.

النظام المصري، خصوصاً الرئيس ومجموعته التي تمسك بزمام الأمور، يمنعون مناقشة موضوع سد النهضة أو طرحه للنقاش

على الرغم من هذا التدهور في الملف الأهم والأخطر للدولة المصرية، فإن النظام المصري، خصوصا الرئيس ومجموعته التي تمسك بزمام الأمور يمنعون مناقشة هذا الأمر أو طرحه للنقاش، سواء في الدوائر الإعلامية أو في جلسات الحوار الوطني التي دعا إليها الرئيس منذ شهرين، وعلى أساسها تشكّلت لجنة الحوار الوطني، وهذا يعكس إصرار السلطة على عدم طرح هذه الأمور المهمة للنقاش، وانفرادها باتخاذ القرار بعيدا عن المعارضة، أو مجرّد مشاركتها في المسألة، كما أنه يؤكد عدم جدية هذا الحوار الوطني. وفي ظل انفراد السلطة بمثل هذه القرارات المصيرية، تبقى الحلول حبيسة أسوار هذه السلطة، وقد تكون أكثر إضرارا بمستقبل الدولة المصرية. ومن بين هذه الحلول المطروحة، والتي نوقشت في أروقة السلطة، عملية شراء المياه من إثيوبيا، ضمن الحلول المقترحة على المدى الطويل، وإعداد تصوّرات واضحة بحجم التكلفة الخاصة بهذه الخطوة، مقارنة بعملية تحلية المياه من أجل أغراض الشرب، بخلاف التكلفة الخاصة بعمليات إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي للاستخدامات الخاصة بالري. وعند طرح هذا السيناريو للنقاش، نجد أن عملية تحلية مياه البحر وكذلك عملية إعادة تدوير المياه الأخرى لن يكون في استطاعتهما تعويض الكمية التي ستفقدها مصر جرّاء سد النهضة والسدود الأخرى التي ستقام على النيل، ناهيك عن حجم التكلفة الرهيبة، والتي يعجز الاقتصاد المصري عن تحمّلها في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف به. كلما فكرتُ في هذا السيناريو المرعب وهذا المصير المجهول الذي ينتظر مصر، تذكّرت العراق حينما كان مفروضا عليه الحصار، تحت رحمة برنامج النفط مقابل الغذاء، ففي ظل أزمة الغاز التي تضرب أوروبا نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية، وفي ظل اكتشاف بعض حقوق الغاز في مصر، هل سيجري طرح برنامج الغاز مقابل الماء؟

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. محمد الصغير يكتب : السفير رفاعة الطهطاوي في غزة

أصبحت الحرب على غزة من الثوابت الموسمية لدى العصابة الصهيونية، ويحرص كل من يصل إلى …