توفيق بن رمضان يكتب: التّقاعد والبطالة .. سيّبوا الشّيّاب وخدّموا الشّباب

هذه الأيّام لا حديث في تونس إلاّ عن التّرفيع في سنّ التّقاعد، لا و ليس هذا فحسب، بل فتح وزير الشّؤون الإجتماعيّة جبهة أخرى، ألا وهي اقتراح التّخفيض في جرايات المتقاعدين، ومنذ السّنوات الأولى لتأسيس الجمهوريّة نرى أن السّلطة التّنفيذية في هذا الوطن العجيب والغريب وفي كلّ الحكومات المتتالية، كلّما فكّرت في سنّ قوانين جديدة من أجل التّصدّي لبعض المشاكل والأزمات تكون النّية مبيّتة عندهم في المزيد من الضّغط على المواطنين، فلا يفكّرون إلّا كيف سيوقعون بالمواطنين! إنّها قوانين لمزيد من ذبح ونهب المواطنين، إنّهم دأبوا على إعداد قوانين ليست في خدمة المواطنين وحلّ الإشكاليات والأزمات التي يتعرّضون لها، بل قوانين من أجل المزيد من عصر المواطنين والإثقال عليهم خدمة للأسياد من السّياسيين والنّافذين من الفاسدين والمفسدين، وكلّ الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال كانت دائما تذهب للحلول السّهلة، ولا تفكّر إلاّ في كيف يمكنها أن تنهب المزيد من الأموال من الذّين يدفعون والذّين يقومون بواجبهم الجبائي وتعهّداتهم المالية تجاه الدّولة والصّناديق الاجتماعية، أمّا في ما يخصّ المتهرّبين والبارونات من الفاسدين والمهرّبين المنفلتين، فلا يمكنهم المساس بهم، ولا يمكنهم إجبارهم على دفع ما يتوجّب عليهم من ضرائب وآداءات للدّولة وللصّناديق وغيرها من المؤسّسات الوطنيّة.

إنّ القيام بالواجب الجبائي هو أساس من أساسيّات المواطنة، فمن لا يؤدّون ما عليهم تجاه الوطن فلا يحق لهم الاستفادة من البنية التّحتية وكلّ الخدمات التّي تسديها المؤسّسات الوطنيّة من مؤسّسات التّربية والتّكوين والصحّة وغيرها، ولا يحقّ لهم التّرشّح لأي منصب من المناصب في الدّولة، ولكن ما نراه هو العكس؛ فالكثير من الرّموز والسّياسيّين ورجال المال والأعمال، رغم ما تشوبهم من تجاوزات واتّهامات, ورغم أنّهم لا يقومون بواجبهم الجبائي، بل منهم من يتحيّلون على الدّولة بطرق مختلفة ومتشعّبة، وتجدهم من أوّل المترشّحين للمناصب إن كانت برلمانيّة أو سياسيّة، ومن أوّل المستفيدين من الخدمات والحوافز والدّعم والامتيازات.

ونذكّر الجميع أنّه عندما تحرّك الشّباب تحت حكم بن علي كانت المطالب الأساسيّة هي التّشغيل، ويمكن القول إنّه من بين حلول أزمة البطالة تسريح بعض موظّفين على التّقاعد المبكّر لا العكس، كما أنّ هذا الإجراء سيشكّل في نفس الوقت حلاّ لمشكلتين، الأولى تتمثّل في إيجاد مواطن شغل للشّباب العاطل, والثّانية إزاحة عدد مهم من الموظّفين من الجنسين يشتغلون في الإدارات العموميّة والمؤسّسات التّربويّة, وقد تجاوزتهم الوسائل التّقنيّة والتّكنولوجيّة ولم يعد بإمكانهم التأقلم وتقديم الإضافة، وقد أنهكوا ولم يعد لهم لا الكفاءة المطلوبة ولا الإلمام بالوسائل الحديثة للعمل، وبالتّالي لهم مردوديّة ضعيفة تلحق الضّرر بالبلاد والعباد، وفي نفس الوقت لهم رواتب مرتفعة بحكم الأقدميّة، ومن الأحرى تسريحهم وإحالتهم على التّقاعد، فهم لا يستجيبون لمتطلّبات المرحلة، ولم يعد بإمكانهم التّأقلم ولا حسن التّعامل مع الأجيال الجديدة من الشّباب بحكم الفارق في السّن والعقليّة، وهناك الكثير من الكوادر الأخرى في الدّولة لهم رواتب مرتفعة وامتيازات متعدّدة ترهق ميزانية الدّولة وفي المقابل مردوديّتهم ضعيفة، وإحالتهم على التّقاعد المبكّر تخفّف الضّغط على ميزانية الدّولة، وبراتب واحد من رواتبهم وامتيازاتهم ربّما يمكننا تشغيل اثنين أو ثلاثة شبّان من العاطلين الذّين سيعوّضونهم في الوظائف.

وفي النّهاية أقدّم إقتراحات من أجل مزيد دعم الصّناديق الإجتماعية وأقول يمكن لمن سيسرّحون على التّقاعد المبكّر التّنازل على عشرة في المائة من جراياتهم حتى بلوغ سن الستّين، ويمكن الاشتراط على من سيعوّضونهم من المنتدبين الجدد اقتطاع نسبة ضعيفة من رواتبهم لصالح الصّناديق الاجتماعية لتتمكّن من تجاوز العجز وتغطية الضّغط الذّي ستتحمّله في السّنوات المقبلة بعد تسريح عدة آلاف على التّقاعد المبكّر، ويمكن أيضا التّخفيض من نسبة الجباية على المنتدبين الجدد وتحويل نسبة من أموال الأداء على أجورهم لفترة محدّدة للصّناديق الإجتماعية، وهكذا يمكنها تجاوز العجز والضغط الذّي سينجم بسبب تسريح مجموعة هامة من الموظّفين بالإدارة والمؤسسات الحكوميّة على التّقاعد المبكّر.

…………

نائب سابق وناشط سياسي تونسي

شاهد أيضاً

عز الدين الكومي يكتب : “علقم في حلق كل صهيوني”

رحم الله الشهيد خيري علقم الذي هزم الصهاينة عسكرياً ونفسياً وأخلاقياً ، وأذاقهم العلقم وأظهر …