حاتم أبو زيد يكتب: استبعاد واستعباد الشعب

القوى الخارجية بعضها بحاجة لعمالة رخيصة، والسير على نظام الكفيل، واستئجار عساكر إن لزم الأمر, وآخرى بحاجة للموقع والمحافظة على أولوية المرور البحري واستباحة المجال الجوي واستلاب الثروات، وتأمين تواجدها المستقبلي، والسطو على المواهب التي تظهر نادرا بين التسعين مليون مصري. فطبيعي ومفهوم إذًا أن تكون رغبتهم في إدارة شئون المحروسة عبر استبعاد واستعباد الشعب.
وتتوافق معهم رغبة العسكر؛ كونهم صاروا فئة وظيفية تقوم بتنفيذ المهام الموكلة إليها، مقابل الحصول على وضع متميز عن بقية الشعب، ومن ثم انفصلوا عنه. واندرجت معهم في السلك جماعات وظيفية أخرى شكلت الشرطة القضاء والإعلام، ويتم عبرها التحكم في قطاعات الجماهير أو الشعب وفق نمط معسكرات الاعتقال.

أيضا بعض النخب العلمانية لا تختلف كثيرا عن العسكر، فقد انفصلوا فكريا عن بقية الشعب، وخصومتهم للعسكر تأتي في إطار التنافسية، والرغبة في القيام بالدور الوظيفي كبديل، وربما بدرجات عنف أقل .

وهدف الثورة القضاء على تلك المنظومة باستدعاء صاحب الحق الأصيل (الشعب) للتحرر من منظومة الاستعباد.

الغريب أن يشترط البعض داخل المعسكر الثوري المناوئ للانقلاب استبعاد قطاع عريض من الشعب المصري لأسباب أيديولوجية ويعتبره أمرًا ضروريا لنجاح الثورة، مع إغفالهم الحديث عن القضايا المفصلية ومطالب الجماهير!

فتسمع حديثا عن الاصطفاف، والتفكير خارج الصندوق، والتوافق، … الخ. 
وتدور كلها في فلك واحد؛ التنازل عن الشرعية، التراجع خطوة للوراء, الانسحاب لعشر سنوات، …الخ.

فماذا بعد؟.
لم الإصرار على استبعاد الإرادة الشعبية، وترك الأمر لمن سيتم اعتبارهم نخب؟

خيرا خيرا، سنبتعد لتنطلق مسيرة النضال وتقترب ساعة الحسم الثوري؛ ولكن أخبرونا ما هي أجندتكم في قضايا كبرى بالنسبة لنا، ولا أدرى مكانها لديكم.

ما الموقف من اتفاقية كامب ديفيد؟ ما حجم القوات التي ستتواجد بسيناء؟ وما طبيعة مهمتها؟ وكيف سنضمد جراح أهل سيناء؟ أم أن الأمر سيبقى على ما هو عليه؟

كيف سنتعامل مع الاحتلال القائم بفلسطين، وما الموقف من المقاومة، هل سيتغير الأمر، أم يظل على ما هو عليه مع استمرار الحديث المستهلك عن الدور التاريخي ولا أحد يزايد على مصر؟

برنامج المعونة الأمريكية؛ هل سيتم الإبقاء عليه أم الاستغناء عنه؟ وهل سيظل التمويل لمنظمات المجتمع المدني عبر المعونة الأمريكية والإدارة الأمريكية، أم سيتم استبداله بنظم تمويل وطني؟

دعنا من ذلك، فهذا ليس من الذكاء لأن مثل تلك الأحاديث ستثير علينا المتاعب، وسيغضب الصهاينة ومن ثم المجتمع الدولي؛ ألم نقل لكم إنه استعباد؛ حسنا لنترك هذا.

ما الموقف من جميع الإجراءات التي اتخذها الانقلاب منذ الثالث من يوليو، يعنى اتفاقية ترسيم الحدود والتنازل عن حقول الغاز، القروض التي استولى عليها الانقلاب، الصفقات التي عقدها والتي أتت بمزيد من الأعباء على الشعب؟

هل سيتم سحب امتياز منجم السكري ليصبح ذهبه ملكا للشعب المصري؟

والموقف من الديون التي حملنا إياها النظام العسكري، والتي تصل أقساطها إلى 1.4 مليار دولار سنويا.

فهمت، فهمت؛ هذا أيضا ليس وقته، فهذه صفقات عقدت مع أطراف دولية، وهؤلاء سيغضبون على تلك الثورة لو حرمتهم من تلك الغنيمة، وحرمان الصهاينة من كعكة الغاز سيقلب علينا الدنيا. 
أليس هذا استعبادًا؟ لا مانع سنرجئ هذا مؤقتا حتى نكون أذكياء.

رجال الأعمال الذين دعموا الانقلاب ومن قبل كانوا مع المخلوع، واستولوا على أموال الشعب؟ 
لا، لا، هذا سيخيف رؤوس الأموال.. المستثمرون سيهربون، ليس وقته أيضا؟

ما الحل في الأموال التي نُهبت بغير حق من قبل رجال السلطة؛ القضاء والجيش والشرطة الإعلام ومن يدور في فلكهم؟

لنترك تلك الأمور جانبا، لكن :

ما هي الخطط المطروحة من أجل المشردين ومن لا مأوى لهم، سكان المقابر، أهل العشوائيات، الشباب الراغب في الزواج، ستتركهم حتى تبنى لهم مساكن؟ وإلى متى؟ هل سيطول الانتظار؟ ومن أين ستأتي بالأموال؟

العمال الذين أُغلقت مصانعهم أو الذين لا يحصلون على قوتهم إلا بالكاد، والمهنيون كيف تحسن دخلهم؟ نعم، نعم، هذه مطالب فئوية ليس هذا وقتها وعلينا أن نصبر.

ما الإجراءات العاجلة لرفع المعاناة عن قطاعات أخرى من الشعب؟ ستبحث عن فضول أموال حتى تعطيهم صدقات لتخفف من حدة الاحتقان، ولكن لا يوجد طرح لحلول جذرية، فأي فائدة لهم من تلك الثورة؟

دعنا من كل ذلك لنتكلم عن الدولة العميقة، وكيفية التعامل معها؛ القضاء مثالا :

قال تعالي: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وفي موضع آخر (الظالمون)، وفي موضع ثالث (الفاسقون)، يعنى أمرهم يدور بين الكفر والظلم والفسق، فما السبيل معها؟ وحالهم خير شاهد على هذا.
وهي مؤسسة ابنة الاحتلال وكانت أداة في يد السلطة وسيفا مصلتا على أبناء الوطن بدءًا من محكمة دنشواي مرورا بمحكمة الفدائيين لصالح الاحتلال الانجليزي.

أم يبقى الأمر كما هو، ولا مجال للخطاب الديني حتى لا يخاف الناس، والقضاء يطهر نفسه ولا يصح اختصار منظومة القضاء في عدد محدود مكنته السلطة الفاسدة.

***

هذه عينة من الملفات؛ حديث الواقع يخبر باستعباد الشعب من خلالها، بينما علاجها ضرورة حتى نقول إن هناك ثورة وقعت وقامت بتحرير الأمة.

وأظن أن التوافق حول تلك القضايا أهم من الاصطفاف حول التنازل والمطالبة باستبعاد أغلبية شعبية تحت دعاوى التوافق واسترداد الثورة.

فالنفع العام وتحقيق آمال وأحلام الفقراء والمطحونين والمشردين والبسطاء هو ما يحقق الالتحام الشعبي، ودون ذلك هو استبعاد له، ومن ثم استمرار لسياسات الاستعباد.

…………..

المتحدث باسم حزب الأصالة – مصرأعلى النموذج

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب :قطر تفوز في معركة القيم

لقد اطلعت شعوب العالم عن قرب على مجتمع مسلم، ودود مع الضيوف، متحضر يستخدم التقنية …