حازم عياد يكتب: مصر ما بعد التدخل الروسي

خمسة مليارات دولار ونصف المليار قيمة المبادلات التجارية بين روسيا ومصر، حصة مصر من الصادرات 500 مليون فقط؛ والباقي يسجل عجزا لصالح موسكو. وزير الصناعة الروسي الذي التقى مسئولين سياسيين وقادة عسكريين مصريين في القاهرة عبر عن اهتمام كبير بالاستثمار في الصناعات الحربية المصرية، والأهم من ذلك في المنطقة الصناعية في السويس، فهل ستُخرج هذه الاستثمارات وتلك الوعود مصرَ من أزمتها السياسية والاقتصادية؟

مشاريع لم تجد طريقها للتنفيذ بعد إلا أنها تعكس طبيعة الاهتمام الروسي بالسويس كنقطة إستراتيجية مهمة في حركة التجارة العالمية، إلى جانب كونها محاولة لإيجاد موطئ قدم عبر الوعود على الأقل بما يسمح بالإبقاء على الموقف المصري أكثر حيادية تجاه الملفات الإقليمية الساخنة، وعلى رأسها سوريا والعراق خصوصا بعد التدخل العسكري الروسي في المنطقة، ما يطرح تساؤلا حول إمكانية أن تستفيد مصر من السياسة الروسية الحالية لتحقيق نهضة اقتصادية تسمح بإخراجها من أزمتها المركبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟.

الاهتمام الروسي بمنطقة السويس لا يختلف عن نظيره الصيني الذي أعلن عن رفع مقدار الاستثمارات في القناة ما يقارب 2.5 مليار دولار، فالقناة نقطة عبور مهمة للبضائع الصينية نحو أوروبا وشمال أفريقيا، غير أن الاستثمارات الصينية والروسية تحتوي العديد من الوعود والقليل من التنفيذ على أرض الواقع.

الاستثمارات الصينية والروسية في الواقع لا تتفوق على حجم المساعدات المقدمة من الدول العربية الخليجية التي قاربت 50 مليار دولار، وكان آخرها إعلان المملكة العربية السعودية عن استثمارات بقيمة 7 مليارات دولار، ما يجعل من المشاريع الروسية والصينية تأخذ أبعادا سياسية أكثر منها اقتصادية وتنموية.

فاهتمام روسيا بمصر يمثل محاولة للاستثمار في الأزمة المصرية الداخلية خدمةً لأغراض جيوسياسية أكثر منها اهتمامات اقتصادية فعلية؛ ينصب التركيز فيها على سوريا والتصارع المكشوف مع تركيا والسعودية، خصوصا وأن روسيا باتت تعاني من أزمة اقتصادية كبيرة ومن الصعب أن توفي بالتزاماتها، فقدرتها التنافسية في تراجع مستمر في المجال الاقتصادي، في المقابل فإن الصين تبحث عن آفاق للتعاون تسمح بضمان تدفق بضائعها عبر قناة السويس، دون أن تتحمل أي تبعات سياسية على الأرجح.

المشاريع المعلن عنها والعلاقات الخارجية المصرية التي تأخذ طابع الاحتفاء بكل من روسيا والصين خلال العامين الماضيين, والأشهر الأخيرة تحديدا لم تنجح في وقف حالة التدهور المستمر في الاقتصاد المصري ولم تقدم حلولا لأزمتها الداخلية، أمر يعود بنا إلى السؤال ذاته: ما هي الآلية المناسبة لإخراج مصر من أزمتها؟ ومن هي الأطراف الإقليمية والدولية الأكثر تأثيرا في علاج أزمات مصر؟

الانقسام الداخلي وحالة الاحتقان ما زالت تطغى على المشهد الداخلي, وكان آخرها تحدي التراس «مشجعي نادي الأهلي» السلطة الحاكمة في مقابل التصريحات الجدلية لـ” أحمد الزند؛ وزير العدل, الرئيس السابق لنادي قضاة مصر هدد فيها باستهداف عشرة آلاف من مؤيدي الإخوان مقابل كل شرطي يتعرض لاعتداء، فالمناخ السائد في مصر محتقن لأقصى الحدود وهو ما نجد انعكاسا واضحا له في الآلة الإعلامية المصرية. الساحة المصرية تغيب عنها المبادرات السياسية الداخلية من أطراف الأزمة كما هو واضح للعيان، إذ تسود لغة التهديد والوعيد بدلا من ذلك.

الجهود التي بذلت خلال العامين الفائتين لم تفضِ إلى نتائج ايجابية، فالاقتصاد في تراجع مستمر والعديد من الشركات الخاصة لم تدفع أجور موظفيها منذ أشهر على سبيل المثال، يضاف لهذا؛ تدهور الواقع الاجتماعي وحالة الاحتقان المتزايدة الناجمة عن وجود أكثر من 40 ألف معتقل و10 آلاف ما بين قتيل وجريح إلى جانب أكثر من 2000 معتقل ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام، وزاد من منسوب التشاؤم تراجع الإقبال على الانتخابات البرلمانية لمستويات غير مسبوقة تشير إلى حالة الإحباط وتراجع الثقة بالعملية السياسية ممثلة بخارطة الطريق، فالمشروع السياسي المقترح لإخراج البلاد من أزمتها السياسية لم يكن فاعلا أو مؤثرا بل يراه البعض عنصر توتر ومفتاحا لأزمات جديدة واجهتها مصر.

الأزمة في مصر تتطور بوتيرة بطيئة لكنها في خط بياني صاعد على مدى العامين الماضيين، فتراجع التظاهرات السلمية لا يعني البتة تراجع الأزمة السياسية؛ التي ظهرت في تراجع نسب الإقبال على الانتخابات البرلمانية، وترسخ مكانة سيناء كواحدة من أبرز البؤر الساخنة والملتهبة في مصر بل المنطقة، ومؤشرات جديدة تدل على ظهور المزيد من البؤر الساخنة مع مطلع العام 2016، فحوادث العنف والتفجير والاغتيالات والاشتباكات المسلحة لم تنقطع في هذه البؤرة على مدار الشهريين الماضيين، مقدمة بذلك مؤشرا خطيرا على تصاعد العنف وتراجع الاستقرار كسمة عامة في المشهد المصري للعام 2016.

وللتعرف على حجم تطور المشكلة في مصر نجد أن شهر يناير من العام 2016 شهد مقدارا من العنف والمواجهات يقارب الأشهر الست الأولى من العام 2015، وعلى الرغم من أن النصف الثاني من العام 2015 تميز بتطور نوعي في العنف والفوضى كان أبرزها حادثة تفجير الطائرة الروسية، إلا أن الميزة الأساسية للعام 2016 كانت تدهور الوضع الأمني في منطقة الجيزة القريبة من القاهرة مضيفا بؤرة ساخنة جديدة.

مصر تعاني من أزمة عميقة بدأت تعبر عن نفسها بطرق عديدة وهي تسير بخطى ثابتة نحو مزيد من تراجع الاستقرار سيكون له تداعيات خطيرة على المنطقة، وأثبتت الحلول الترقيعية والمساعدات الطارئة للأعوام 2013 و2014 و2015 أنها غير ذات جدوى، كما أن السلوك الانتهازي لبعض القوى الدولية يزيد من تعقيد المشهد المصري، فالسياسة المصرية تتفاعل مع بيئتها الدولية والإقليمية بتأثير من أزمتها الداخلية وليس بتأثير من طموحاتها الإستراتيجية أو التحديات والفرص الداخلية والخارجية التي تواجهها.

في مقابل النزعة الانتهازية سواء للقوى الدولية أو للكيان الإسرائيلي لاستثمار الأزمة المصرية الداخلية لتحقيق مكاسب إقليمية، فإن الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والى جانبها تركيا تعتبران أطرافا فاعلة ومؤثرة في المشهد الداخلي المصري بحكم الروابط التي تنسجها الدولتان مع أطراف الأزمة المصرية.

أنقرة والرياض تملكان فرصة ثمينة لدفع الأطراف المتصارعة للبحث عن صيغ للمصالح توقف حالة التدهور المستمرة في الساحة المصرية، فتقارب السعودية وتركيا يفترض أن يكون له تداعيات غير مباشرة على الساحة المصرية.

التداعيات ذاتها تحمل قابلية لأن تتحول إلى تأثير مباشر في حال تفاعل أطراف الأزمة داخل مصر بشكل ايجابي مع أي مبادرات قد تطرح من قبل تركيا والسعودية، ولعل إسقاط حكم الإعدام عن 149 مصريا من المؤيدين لمرسي مؤشر غير مباشر على وجود مثل هذه الإمكانية مستقبلا، فمصر لن تخرج من أزمتها دون حوار موسع وتنازلات واسعة من أطراف الأزمة وهو البديل الأمثل لتكاثر بؤر العنف وتراجع الاستقرار الداخلي، كما أنها البديل الموضوعي للانتهازية الدولية والحلول الترقيعية.

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : هل الحل نصب تذكاري آخر في إسرائيل لشهدائنا؟!

التقيت مرة مع ضابط جيش متقاعد على عشاء بمنزل صديق مشترك في واشنطن، ودار الحديث …