حتى في الموت.. كيف يرسخ نظام السيسي الطبقية السوداء بين المصريين بالحانوتي المودرن ؟

بين ثنايا المسلسلات اعتاد المصريون في شهر رمضان المبارك على مشاهدة عشرات الإعلانات عن الموائد المليئة بمختلف أنواع الطعام والشراب والمجمعات السكنية الفارهة التي ترسخ مفهوم الطبقية في المجتمع، الذي يعيش أغلب سكانه تحت خط الفقر.

لكن أكثر المصريين تسمروا هذا العام أمام الشاشات عندما شاهدوا إعلانا فريدا من نوعه لشركة استثمارية تنشط في قطاع تنظيم الجنازات وإجراءات الدفن بأسعار لا تناسب سوى طبقة الأغنياء المنتفعين من نظام عبد الفتاح السيسي.

والرابط الأساسي بين الإعلانات التي اعتاد المصريون عليها كل عام، وإعلان شركة سكنة لدفن الموتى، هي معالم الطبقية الواضحة بسبب الأسعار، ما دفع كثيرين للاستياء من أن هذه الظاهرة السوداء ستواصل مطاردتهم وذويهم في مماتهم كما كانت في حياتهم.

ظاهرة سوداء

ويساهم في الشركة عديد من رجال الأعمال، ووظيفتها تتمثل في استخراج تصاريح الدفن والغسل وفتح المقابر وتجهيزها وحجز قاعات العزاء وتوزيع مشروبات وهدايا تذكارية.

وبرغم أن الفكرة منتشرة في كثير من دول الغرب، إلا أن المصريين تناولوها بسخرية وقارنوها بأفكار أفلام مصرية قديمة للفنانين إسماعيل ياسين وعبد الفتاح القصري في دور حانوتية يدفنون الموتى مصطحبين فرقة للغناء، وإن أبدوا استيائهم من وصول الإعلانات للوفيات.

وكتب ناشطون يفسرون الاستثمار في المدافن والجنازات من زاوية انهيار الأوضاع الاقتصادية، وعدم إيجاد رجال الأعمال مشاريع للاستثمار المربح في الوقت الحالي سوى في الجنازات والوفيات.

فيما رأى آخرون أن هناك مخاطر من وراء هذا الاستثمار في الموت تتعلق بإهدار الموارد في دولة تعاني من مشكلات مالية واقتصادية، وينتشر فيها الفقر والبطالة، فضلا عن مخاوف أخرى من الامتناع في المستقبل عن دفن من لا يمتلك مالا.

وتبين أن من أبرز المساهمين في الشركة “أنسي” نجل رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس، إضافة إلى آخرين.

ولا توجد نسب معلنة لنصيب ساويرس أو بقية رجال الأعمال المساهمين، لكن أحد العاملين بالشركة أبلغ “الاستقلال” أنه يتردد داخليا أن استثمار نجل ساويرس في الشركة هو الأعلى.

وأوضح، مفضلا عدم ذكر اسمه ووظيفته، أنه علم أيضا أن الفكرة الأصيلة مشتركة بين رجل الأعمال الشاب أحمد جاب الله رئيس الشركة، ونجيب ساويرس لكن تم الاستثمار باسم الابن.

وكان من اللافت وجود إعلان مثير للجدل في نفس الموسم الرمضاني لاستثمار آخر لنجيب ساويرس وهو مشروع “زد” للعقارات الفارهة بمدينة الشيخ زايد، الذي يقدر قيمة المتر الواحد بالوحدات السكنية بعشرات آلاف الجنيهات، يختلف وفق الوحدة.

وشارك في الإعلان من داخل المشروع كوكبة من نجوم الفن والرياضة العرب، في مقدمتهم يسرا، وتامر حسني، وإليسا، وعماد متعب، لإبراز نوعية الطبقة المقيمة بالمشروع.

وذلك في بلد يعيش أغلب سكانه البالغ عددهم نحو 110 ملايين في عشوائيات تحت خط الفقر، ولا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 2700 جنيه (145 دولارا).

وذكر إعلان “زد”، بإعلان مشابه في رمضان 2020 لمشروع “مدينتي” السكني لرجل الأعمال المقرب من النظام طلعت مصطفى، الذي أثار حينها كثيرا من السخرية وبعضا من الغضب في نفوس المصريين.

وظهر في الإعلان سكان “مدينتي” وهو مجمع سكني ضخم، وهم يتحدثون عن الحياة الفارهة بداخله، والرقي المجتمعي، وجودة خدماته المتعددة، التي تغنيهم عن الخروج منه وتحد من تواصلهم مع باقي المناطق.

وجاء في الإعلان بعض الجمل المسيئة لعوام المصريين مثل “الناس هنا شبه بعضها، ومش مضطرين كتير إن إحنا نطلع من مدينتي، وممكن أقعد سنة كاملة ما أخرجش منها”، ما عده كثيرون نظرة استعلائية لتلك الطبقة على غيرهم من بقية سكان مصر.

باقات للدفن!

وعلى طريقة باقات شركات خدمات الاتصالات، طرحت شركة “سكنة” لدفن الموتى عبر موقعها الإلكتروني، باقات مختلفة للدفن عادية وفاخرة!

بينها “باقة أساسية” تشمل تجهيز الجثمان والتكفين والنقل للمقابر سعرها المبدئي 4500 جنيه (250 دولارا) و”باقة متكاملة” تشمل ما سبق ويضاف لها استخراج تصاريح الدفن وحجز قاعة العزاء سعرها المبدئي سبعة آلاف جنيه (380 دولارا).

و”باقة متميزة” تتضمن إضافة لما سبق، توفير سيارات فخمة وتوفير مقاعد في المدافن ومظلات للوقاية من الحر والمطر، ومشروبات وسعرها المبدئي تسعة آلاف جنيه (490 دولارا)، وتزداد هذه الأسعار وفق العدد والخدمات المقدمة.

أيضا عرضت خدمات إضافية مثل توفير شيخ أو قس للصلاة والصدقة الجارية وهدايا تذكارية وتصوير الجنازة، وكل خدمة بسعر مختلف.

ولا يقتصر نشاط الشركة على الدفن والتجهيز وقت الوفاة بل تلعب أيضا دورا في “التجهيزات للموت” بحسب موقعها.

حيث أطلقت الشركة برنامج “التخطيط المسبق”، حيث يمكن للأشخاص اتخاذ قرارات لوجستية في وقت مبكر لضمان المزيد من راحة البال لأنفسهم أو لأحبائهم عندما يحين الأجل.

ويقول مديرها أحمد جاب الله لموقع “ومضا” المحلي في 8 فبراير/شباط 2022: “فوجئنا بوجود طلب متزايد بالفعل على العائلات والأفراد لإجراء ترتيبات جنازة مسبقة معنا، وهو نقاش كان يعد سابقا من المحرمات”.

حانوتي مودرن

وأسست الشركة عام 2019 من قبل أحمد جاب الله، الذي عمل سابقا في غوغل وفيسبوك، وجمعت سكنة مليون دولار في جولة استثمارية، حيث شهدت إقبالا من رجال أعمال، بحسب موقع “فوربس” في 8 فبراير 2022.

وبحسب “فوربس”، كان أبرز المستثمرين في هذه الشركة أنسي نجيب ساويرس سليل أغنى عائلة مصرية عربية من المصنفين ضمن أثرياء “فوربس”.

إضافة إلى السعودي خالد المطبقاني، وأحمد صادق السويدي وفاروق قادوس من شركة السويدي، وهشام حلبوني من عائلة منصور الثرية، وآخرين.

وتقول الشركة أنها نمت بمعدل ثلاثة أضعاف خلال عام واحد، وأنها تمتلك شراكات تشغيلية مع 20 مستشفى وشركة في القاهرة الكبرى، كما لديها شراكات مع أكثر من 70 متعهد خدمة، ونظمت 2500 جنازة، ولديها حاليا 50 موظفا.

وبحسب مدير سكنة أحمد جاب الله، لموقع “فوربس” سيسهم التمويل الجديد في تمويل التوسعات “من خلال هذا التمويل الجديد، نحن على استعداد للتوسع في جميع أنحاء مصر.

وتحصل شركة سكنة على نحو 90 بالمئة من عملائها من خلال تعاقدات لها مع مستشفيات كبيرة، وفي الجنازات يتولى موظفون بالزي الرسمي لشركة سكنة ترتيب الكراسي والمظلات والمناديل لأهل المتوفى والمعزين.

وتتيح سكنة خدمات بعيدة كل البعد عن تلك التي يقدمها الحانوتيون التقليديون في مصر منذ زمن، مثل محمد محمود الذي يعمل حانوتيا في القاهرة منذ ما يقرب من نصف قرن، حسبما ذكرت وكالة رويترز في 9 يونيو/ حزيران 2021.

فمحمود يقدم التوابيت والسيارة والسائق لكن مع قليل من العرض الحديث الأنيق الذي تتيحه سكنة.

ويمتلئ محل الحانوتي الخاص بمحمود (65 عاما) بالأكفان البيضاء والتوابيت المطلية بالورنيش والمياه العطرة، ويقع المحل في حي شبرا بالقاهرة حيث ولد وترعرع الرجل.

ويرى محمود أن تعاقدات شركة سكنة مع المستشفيات مصدر إحباط له موضحا أنه طرد من المستشفيات التي كان يبحث فيها عن عمل.

استهلاك “ريائي”

وفي قراءته للمشهد، قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن مثل هذه المشروعات تأتي تحت تصنيف إهدار الموارد، وبخاصة إذا كانت دولة مثل مصر تعاني من مشكلات مالية واقتصادية، وينتشر فيها الفقر والبطالة”.

وأضاف الصاوي لموقع “الاستقلال”، أن مثل هذه المشروعات تشجع ما يعرف بـ”الاستهلاك الريائي”

وأوضح: “قد تكون الأسرة لديها مدفن ولا تحتاج لمدفن جديد، ولكن لمحاولة إظهار أن تنتمي لمستوى اجتماعي أغنى، فإنها تسعى لشراء مدفن، أو الحصول على خدمات شركات الجنازات”

وأكد الخبير الاقتصادي المصري، أن هذه الشركات تكرس لظاهرة اجتماعية سلبية، وهي ما يعرف بـ “الاستبعاد الاجتماعي الطوعي”

فسلوك شركات الجنائز يأتي في إطار إكمال حلقة وجود أندية ومساكن ومطاعم ومدارس خاصة بالأغنياء، بعيدة عن الطبقة المتوسطة والفقيرة، وهذا السلوك يعمل على تكريس الطبقية، بكل ما تحمله من دلالات سلبية، يشرح الصاوي.

وأردف: هم يحاولون نقل ثقافة الغرب بكل ما تحمله من معان، فيكون كل شيء خاضعا لسلوك السوق، بحيث بعد ذلك تجد من ليس لديه مال، يكون معرضا لعدم الدفن وتركه في ثلاجات الموتى، أو حرق جثته”

وحذر الصاوي من أن” هذا البيزنس وتوسعه معناه أن نجد لاحقا درجات في تقديم الخدمة، حتى تتلاشى فكرة الحانوتية والجمعيات الخيرية لتجهيز الموتى والقيام بإجراءات الدفن، ويصبح الأمر حكرا على شركات بيزنس الجنازات”

وشدد على أن الأولى أن تشجع الدولة بشكل عام، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، على وجود المقابر العامة، ويكون الدفن فيها مجانا، أو تعتمد على التبرعات والصدقات.

وأشار إلى أنه في دول إسلامية مثل تركيا تقوم البلديات “المحليات” بكافة إجراءات الجنازة والدفن وكل ذلك بالمجان.

بينما يدافع السيسي في أكثر من مناسبة أن كل شيء في عهده يجب أن لا يكون بالمجان، مرددا بوتيرة دورية “مفيش ببلاش خلاص” (لا شيء بالمجان بعد اليوم).

Comments

comments

شاهد أيضاً

شركات صناعة السيارات العالمية توقف صادراتها لمصر بسبب الدولار

أوقفت بعض شركات صناعة السيارات الأجنبية صادراتها إلى مصر بسبب الضوابط على الواردات التي أعلنتها …