حقوقيون: “مكافحة جرائم تقنية المعلومات” بابا خلفيا للتضييق على الصحفيين بمصر


الاتهامات التي وجهتها النيابة العامة لرئيسة تحرير المنصة نورا يونس الأسبوع الماضي، أعادت إلى الأذهان، قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر منذ سنتين، والذي يرى حقوقيون أنه سيشكل “بابًا خلفيًا” لممارسة المزيد من التضييق على الصحفيين في مصر، رغم ما فيه من “مشاكل قانونية” نظرًا لحداثة عهد السلطتين التشريعية والقضائية في التعامل مع قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وتواجه رئيسة تحرير المنصة في القضية 9455/2020 جنح المعادي اتهامات تمثلت في “إنشاء حساب على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب وتسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا، وحيازة برنامج مصممة ومطورة بدون تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات”، دون توضيح من النيابة سواء للجرائم التي أشارت إليها في لائحة الاتهام أو للبرامج التي حازتها بدون تصريح.

وتضمنت اللائحة كذلك تهمتي “الاعتداء على حق أدبي ومالي لصاحب الحق من المصنف، والانتفاع دون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتي أو إحدى وسائل تقنية المعلومات وخدمة الاتصالات وخدمة من الخدمات المسموعة والمرئية”، وأيضًا لم يتضمن القرار أي إشارة لصاحب الحق المعني.

وأطلقت النيابة سراح نورا يونس يوم الخميس الماضي بكفالة 10 آلاف جنيه، بعد 26 ساعة من القبض عليها إثر مداهمة مقر المنصة وتفتيشه دون إبراز إذن من الجهات القضائية المختصة.

اتهامات نورا مبهمة ومجهلة

قال المحامي الحقوقي أحمد راغب في تصريحات لـ”المنصة”، “بالنسبة لي هي اتهامات (نورا) مُجهّلة، ﻷن أساس الأمر وفقًا لشهادة نورا يونس هو أنها ارتكبت جريمة، لكن ما هي؟ غير موضّح. في حين أن قانون الجريمة الإلكترونية يتحدث عن ارتكاب جريمة وفقًا للمنصوص عليه بداخله؛ وبالتالي ما حدث مع المنصّة هو انعكاس بشكل غير مباشر لكون القانون مطاط وفضفاض، خاصة وأنه حتى الآن لم يصدر له لائحة تنفيذية”.

وأضاف راغب “الاتهامات تعكس أيضًا وجود مشكلة قانونية وتشريعية وربما قضائية، تتعلق بقطاع حديث نسبيًا هو الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (الإنترنت)، وتدخّل المشرّع فيه حديث نسبيًا، وبالتالي لا يوجد استقرار تشريعي في التعامل معه سواء بتنظيمه أو أي أمور أخرى، وهو ما يرتبط بالتطور الرهيب في الوسائل التكنولوجية”.

كان القانون رقم 10 لسنة 2003، هو أول التشريعات التي صدرت تتناول ملف الاتصالات المسموعة والمرئية وما يتعلّق بها من شؤون تنظيمية، وتم تعديله في وقت لاحق، ثم صدر القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

يعلّق المحامي الحقوقي على ما حدث بعد هذا القانون بقوله “هناك حداثة في التعامل مع هذا القطاع، وما يزيد اللبس هو تعامل السلطات معه بقوانين مخصوصة، بينما يكفي التعامل معه بقانوني الاتصالات ومعه العقوبات، ﻷنه شامل وفيه ما يعاقب على السب والقذف ونشر اﻷخبار الكاذبة والشائعات، لكن على ما يبدو أن إصدار قانون الجرائم الإلكترونية كان بهدف التحكم بصورة أكبر في هذا القطاع”.

وتابع راغب “وأتوقع أن يتطور اﻷمر بعد قليل ونفاجأ بتحريك قضايا بموجب هذا القانون تتعلق بحيازة أو استخدام أو أي برامج حتى لو مفتوحة المصدر مثل أوبنتو، باعتباره استخدام بدون ترخيص من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الذي سيلعب دور أكبر لاسيما وقد صار لموظفيه سلطة الضبطية القضائية”.

ولفت راغب إلى نقطة أخرى في القانون بقوله “اﻷخطر بالنسبة لي أيضًا هو ما ورد به فيما يتعلق بالاحتفاظ بالبيانات وإتاحتها، والذي يفرض على مزود الخدمة التعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بأن يكشف له إذا طلب عن بيانات تحت يده تتعلق بعملائه من مستخدمي الإنترنت، ليصبح الجهاز استثناءً من شروط حماية أسرار العملاء”… و”أبواب خلفية”

الأبواب الخلفية للتضيق على الصحافة

بجانب القانون الجديد الذي تحركت بموجبه “اتهامات مُبهمة”، يشير مصطفى شوقي، مسؤول ملف حُرّية الصحافة في مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى أمر آخر وصفه بـ”الأبواب الخلفية للتضييق على المؤسسات الصحفية”، كان لها يدّ في ظهور مثل هذه الاتهامات وتوجيهها ضد رئيس تحرير المنصّة، وقال إن “مباحث المصنفات واحدة من أبرز هذه اﻷبواب”.

وقال شوقي عن هذه الإدارة “هي وإن كانت قديمة فيما يتعلق بطبيعة عملها الأصلي والمنطقي المتمثل في التأكد من سلامة تراخيص الشركات وأنظمة تشغيل أجهزة الكمبيوتر والتصاريح بخصوص المطبوعات، إلاّ أنها فيما يتعلق بوسائل الإعلام تحديدًا، لم يعد لها دور مفهوم، خاصة بعد وجود جهة صارت المسؤول الفعلي عن المواقع الإلكترونية، هي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئات التابعة له”.

تأسس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بموجب دستور 2014، الذي عرّفه في مادته 68 بأنه “هيئة مستقلة فنيًّا وإداريًّا وماليًّا، تعمل على تنظيم شؤون الإعلام المرئي والمسموع والرقمي، وكذلك الصحافة المطبوعة والرقمية”، وتم تشكيله لأول مرّة في أبريل/ نيسان 2017، استنادًا إلى نص قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام 92 لسنة 2016، وهو القانون الذي تعرّض لانتقادات حقوقية باعتباره “لم يأت معبِّرًا عن نصوص الدستور، حيث غابت ضمانات الاستقلالية عن المجلس”.

ما تعرّض له موقع المنصّة، يؤكد أنه ما زال هناك أبواب خلفية مفتوحة للتضييق على المشهد الإعلامي.

ويضيف شوقي: “للأسف، ما تعرّض له موقع المنصّة يؤكد أنه ما زال هناك أبواب خلفية مفتوحة للتضييق على المشهد الإعلامي، ومن بينها المصنفات التي يجب ألاّ تتدخل في المشهد الإعلامي إلاّ بإشراف من المجلس الأعلى للإعلام، والذي صار مطالبًا بأن يضطلع بمسؤولياته، فلا يظهر في الواجهة كمسؤول، وحين اللجوء إليه لإصدار تصاريح أو للشكوى يتهرّب”.

ويضرب الباحث مثالاً على “اﻷبواب الخلفية” بقضية حجب المواقع الإلكترونية، بقوله “الحجب بدأ قبل تأسيس المجلس، لكنه ما زال مستمرًا حتى اليوم بعد أن تغيّرت المؤسسات والتشريعات الحاكمة للإعلام، وصار هناك مشهد مؤسسي، فلماذا ما تزال هناك تدخلات من جهات معلومة ومجهولة؟ ولماذا لم يتم البت في طلبات التراخيص المقدمة من المواقع الإلكترونية للمجلس، رغم صدور لائحة التصاريح في مايو 2020؟”.

ويتابع: “عدم البت هذا يشير إلى وجود رغبة في عدم منح المواقع الصحفية الشكل القانوني الكامل ليكون هناك ثغرة ضدها يمكن استهدافها من خلالها”.

يشير الباحث إلى ما اعتبره مشكلة أخرى، قائلاً “تعدد القوانين المتعلقة بالمشهد سمح بظهور هذه الاتهامات ضد نورا يونس، فهي موجهة إليها بموجب قانوني الجرائم الإلكترونية والملكية الفكرية، بينما ما يحكم الصحافة هو القانون 180 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية وكذلك لائحة الجزاءات والتدابير التي أصدرها المجلس اﻷعلى للإعلام، وبالتالي استخدام تشريعات غير تلك المتعلقة بالصحافة هو بمثابة باب خلفي آخر يسمح بالتضييق على الإعلام”.

صدر القانون 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات منتصف أغسطس/ آب 2018، ولاقى انتقادات حقوقية باعتباره “يُشكل خطرًا حقيقيًا وتقويضًا لأهم الحريات الأساسية بإهداره العديد من النصوص الدستورية، في اتجاه واضح إلى الإجهاز على حرية تداول المعلومات والحريات الرقمية بحيث لا ينفذ منها إلا صوت الدولة، وباحتوائه على عيوب تشريعية ومخالفات دستورية تفصح عن تجاهل أو عدم دراية بالتقنيات المعلوماتية وطبيعة مستخدميها”.

كان المحامي أحمد راغب واحدًا ممن انتقدوا القانون آنذاك، وتوقّع أن يستخدم “بشكل كبير فى الفترة المقبلة في الملاحقات الجنائية ، واعتبره قانونًا “يسعى في جانب كبير من فلسفته للسيطرة ومواجهة مقدمي الخدمة وهم وفقًا لتعريف القانون أي شخص طبيعي أو اعتباري يزود المستخدمين بخدمات تقنيات المعلومات والاتصالات”، ودلّل على ذلك بوجود فصل بالقانون عنوانه “المسؤولية الجنائية لمقدمي الخدمة”.

في ذلك العام، لفت راغب إلى أن السيطرة ستكون بآليات من بينها “الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وموظفيه ممن له حق الضبطية القضائية وفقًا للقانون، والاحتفاظ بالبيانات لمدة 180 يوم واتاحتها وفقًا لضوابط محددة وظروف منصوص عليها في القانون”، منتقدًا نصوصًا في القانون من بينها “ما تناول حجب المواقع الإلكترونية باعتباره إجراءً احترازيًا”.

منع التضارب

يقول المحامي أحمد راغب “المتاح الآن هو الطعن أمام القضاء الإداري على أي قرارات قد تصدر ضد المواقع بقوة هذا القانون”.

ونوه المحامي إلى أن التعامل سيكون تبعًا لكل حالة فردية، وإثبات البراءة من الاتهامات، بينما لا يمكن الطعن مباشرةً على قانون الجرائم الإلكترونية أمام المحكمة الدستورية العُليا إلا في حال “إقامة دعوى قضائية أمام محكمة عادية، وبدورها لا بد وأن توافق على إحالتها للدستورية العليا. وحتى في هذه الحالة سيستمر العمل بالقانون لحين صدور حكم نهائي بشأنه”.

اقترح الباحث مصطفى شوقي حلاً آخر يتمثل في “تنقيح القوانين من المواد التي تتضارب مع ما ورد في القانون 180 لسنة 2018، واﻹعلان بشكل واضح وصريح عن جهة وحيدة- هي المجلس اﻷعلى للإعلام- تكون مسؤولة عن تنظيم المشهد، ومن خلالها يتم منح التراخيص أو تلقي الشكاوى ضد المؤسسات”.

وعن الخطوات العاجلة قال شوقي “الخطوة الأساسية الآن هي حفظ التحقيق مع نورا يونس، وإجراء تحقيق مع مَن اقتحم المقر وروّع المتواجدين فيه، وأن يتم بأقصى سرعة البت في تراخيص المواقع الإلكترونية، وأن نلتزم بتطبيق القانون الذي نص على أن الموقع يصبح مرخصّا خلال شهر من تقديمه طلب الترخيص، طالما لم يرد إليه ردّ بأية مشكلات تتعلق بطلبه. هذا لو كانت هناك إرادة لحماية المؤسسات الصحفية والعاملين بها”.


Comments

comments

شاهد أيضاً

موقع أمريكي: شبكة تضم صحفيين وهميين تحرض على قطر وتركيا وإيران

قال موقع ديلي بيست الإخباري الأمريكي، إن شبكة تضم أكثر من 19 شخصية وهمية نشرت …