خالد داود نموذجا .. لماذا لا يقبل ليبراليو مصر خسائرهم الانتخابية؟

أسفرت انتخابات حزب “الدستور” الليبرالي المصري، في 22 يوليو/ تموز 2022، عن فوز السياسية والإعلامية المصرية جميلة إسماعيل، وخسارة منافسها السياسي والصحفي خالد داود المعتقل السابق الذي أصبح مقربا من النظام حاليا.

وبحسب اللجنة المشرفة على الانتخابات، حصلت قائمة إسماعيل التي حملت اسم “التئام– بناء– تجديد” على 322 صوتا من إجمالي 466 عضوا بالحزب شاركوا في الانتخابات، فيما حصلت قائمة داود “بنبني لبكرة” على 183 صوتا فقط.

خسارة داود بهذا الفارق الكبير أثارت تساؤلا عن هل كان تحوله لدعم رئيس النظام عبد الفتاح السيسي وما يسمى “الحوار الوطني” واصطفافه مع أطروحات السلطة، بعد خروجه من المعتقل، سببا في هذا التصويت “العقابي” ضده كما ذكر موقع “الاستقلال”؟

كما أثار إعلان داود استقالته من الحزب احتجاجا على نتيجة الانتخابات تساؤلا آخر مفاده، لماذا يرفض ليبراليون مصريون، مُفترض أنهم دعاة للديمقراطية، نتيجة الانتخابات التي لا يفوزون بها؟

وسبق أن تكرر هذا الموقف من ليبراليين ويساريين مصريين حين فازت أحزاب إسلامية بأغلبية مقاعد برلمان 2012 ونجاح الرئيس الراحل محمد مرسي في أن يصبح أول رئيس مدني منتخب، فأيدوا انقلاب السيسي ضده.

مبادئ مزيفة

وقالت إسماعيل عقب إعلان فوزها في بث مباشر نقله موقع “القاهرة 24” المحلي: “نبدأ مرحلة جديدة من عمر هذا الحزب، لكننا ليس لدينا مقرات ولا موارد مالية، ولا حساب في البنك، ولا أوراق ولا تراخيص”

واستدركت: “لكن لدينا أهم شيء وهو الموارد البشرية، المتمثلة في الأعضاء الذين يريدون النهوض بالحزب، على الرغم مما حدث عبر السنين الأخيرة”

والدستور حزب سياسي ليبرالي تأسس في أبريل 2012 على يد المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، من أجل “استعادة أهداف ثورة 25 يناير 2011 التي انحرفت عن أهدافها بسبب إدارة المجلس العسكري للبلاد”.

وكانت إسماعيل من أبرز الأسماء المشاركة في تأسيس الحزب الذي شهد إقبالا ملحوظا من الشباب، لكنه واجه انقسامات داخلية في أعقاب استقالة البرادعي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية المؤقت من منصبه إثر فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة عقب انقلاب 2013.

ويتوقع مراقبون أن يكون فوز إسماعيل برئاسة الحزب على حساب داود خطوة من شأنها عرقلة مشاركة الحزب في جلسات الحوار الوطني الذي دعا له السيسي، نهاية نيسان/ أبريل 2022، للتغطية على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بالبلاد.

ويرون أن تجربة انتخابات الدستور مؤشر كاشف لتراجع الحياة السياسية والحزبية في مصر، فالحزب الذي بدأ بعشرات الآلاف عام 2012، لم يعد به سوى 600 عضو، والأغرب أنه بلا مقر واضطر لإجراء انتخاباته في مقر حزب الكرامة الناصري.

ونقل قريبون من خالد داود قولهم إن “اختيار جميلة إسماعيل سيؤدي لاصطدام مع النظام”، مؤكدين لـ “الاستقلال” أنه استقال لهذا السبب خشية خسارته تقاربه مع السيسي والسلطة.

ومعروف بحزب الدستور أن لدى جميلة إسماعيل على عكس داود تحفظات واشتراطات ينبغي تحقيقها قبل المشاركة بالحوار الوطني.

وهو ما أكدته في أول تصريح لها بعد فوزها، إذ قالت في مداخلة تلفزيونية على قناة “أون” الموالية للنظام عن الحوار: “لا نريد أن نبقى زينة”، مشيرة إلى أن الحزب سوف يجتمع ويقرر إمكانية المشاركة به ومن يشارك.

ويمتد نشاط إسماعيل السياسي لأكثر من عشرين عاما، حيث كانت زوجة السياسي المصري المقيم بالخارج أيمن نور، وعملت مذيعة في التلفزيون المصري، وخاضت انتخابات مجلس الشورى في 2001، وخاضت انتخابات مجلس الشعب في عام 2010.

لماذا الآن؟

كانت انتخابات حزب الدستور الأخيرة هي الرابعة التي تعقد منذ تأسيسه عام 2012، حيث جرت انتخابات أعوام 2014 و2018 و2019 ثم 2022.

قبل هذا كان الحزب مجمد النشاط عقب ترك البرادعي لرئاسته، ثم عام 2019 عقب القبض على رئيسه خالد داود، واعتقال قرابة 40 من أعضاء الحزب، لم يبق منهم سوى واحد حاليا، فيما توفي أحدهم في المعتقل (أحمد ياسين).

وذلك، حسبما قال علاء خيام، رئيس الحزب السابق لموقع “المنصة” في 21 يوليو 2022.

وجاء إجراء الانتخابات الآن بعد سنوات عصيبة تعرض فيها بعض أعضاء الحزب لضغوط أمنية واحتجاز وتوجيه اتهامات وحبس احتياطي بسبب مواقفهم، بفعل توافق رئيسه السابق داود مع السلطة وقبوله الحوار الوطني الذي دعا له السيسي.

واعترف داود بهذا ضمنا حيث أكد لموقع “القاهرة 24″، القريب من الأجهزة الأمنية، في 22 يوليو، أن الحزب استعاد نشاطه وعافيته بعدما تفاعل مع دعوة عبد الفتاح السيسي بشأن الحوار الوطني.

ورأى داود أن الهاجس الأمني جزء كبير وأساسي من انصراف الأعضاء عن الحزب حيث قال لموقع “المنصة”: “لفيت حوالي 9 محافظات وكان الهم الرئيس عند الناس وسؤالهم الأساسي هو: أمان يا أستاذ خالد نرجع تاني نعمل بحزب الدستور؟”

ويرجع خيام، الانقسامات داخل الحزب إلى غياب التجانس الأيديولوجي، بعد استقالة البرادعي منه.

وأوضح أن الانقسامات بدأت 2014 بعد أشهر قليلة من استقالة البرادعي من منصب نائب رئيس الجمهورية عقب مذبحة رابعة العدوية، ومغادرته مصر وابتعاده عن المشهد السياسي.

ولفت إلى “الضغط الأمني العنيف” الذي تعرض له الحزب في 2018 على خلفية موقفه الرافض للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ورفضه التعديلات الدستورية عام 2019، حيث اعتقل العديد من أعضاء الدستور وتم سجنهم.

لا يتقبلون الهزيمة

الليبرالية فلسفة سياسية غربية تقوم على قيمتي الحرية والمساواة، وقد تختلف تفسيرات الليبراليين لهذين المفهومين وينعكس ذلك على توجهاتهم.

لكن عموم الليبراليين يدعون في المجمل إلى دستورية الدولة، والديمقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد والسوق الحر والملكية الخاصة، فهل التزم بهذا كل الليبراليين المصريين؟

بعد انقلاب السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013 وحظر جماعة الإخوان المسلمين، عم التفاؤل بعض القوى اليسارية والليبرالية في مصر، لأن الباب أصبح مفتوحا على مصراعيه أمامهم.

لكن ظلت هذه القوى تعاني من خلافات داخلية وصراع وشهدت الكثير من الأحزاب الليبرالية واليسارية استقالات جماعية.

لكن الضربة الأكبر لهذه القوى جاءت من العسكر الذين ساندوا انقلابهم على الشرعية الديمقراطية التي أسستها ثورة يناير 2011.

وتشير دراسة لمعهد كارنيجي في 31 مارس/ آذار 2017 لمسؤولية الأحزاب العلمانية الليبرالية عن ضعف الحياة السياسية والأحزاب، مشيرة إلى أنه في الفترة بين 2011 و2013، كانت الأحزاب العلمانية فَزِعَة من انتصارات الإسلاميين الانتخابية.

أوضحت أن “انتصارات الإسلاميين دفعت هؤلاء الليبراليين لطلب تدخل الجيش في الشأن السياسي، فقصمت بذلك ظهر فترة الانفتاح الديمقراطي القصيرة”.

أكدت أن “هذه الموافقة العلمانية، ومعها التعبئة الشعبية في 30 يونيو/حزيران 2013، مكّنت الجنرالات من الزعم بأنهم يركبون موجة من الدعم الشعبي، وساعدتهم جبهة الإنقاذ دوليا على إضفاء شرعية على الانقلاب.

لكن اليوم، تتعرض الأحزاب العلمانية التي دعمت الانقلاب وعبد الفتاح السيسي، لحملات قمع وليس لها أي قدر من الاستقلالية، أو المشاركة، وفق الدراسة.

تناقض ليبراليين

وأشارت دراسة نشرتها مجلة “فورين بوليسي” الأميركية مطلع أكتوبر/تشرين أول 2019 إلى تناقض ليبراليين مصريين مع مبادئ الليبرالية الحقيقية.

انتقد فيها الباحث في جامعة روتجرز لدراسة حقوق الإنسان “دانيش فاروقي” الروائي المصري علاء الأسواني، وعده “مثالا لتناقضات الليبرالية المصرية المعاصرة”.

ألقي “فاروقي” الضوء على تناقضات الأسواني السياسية، ومفارقات من أسماهم “الليبراليين العلمانيين المصريين”.

وقال إنهم ناضلوا بشجاعة من أجل الديمقراطية وسيادة القانون الليبرالي في مصر، لكنهم تخلوا عن التزاماتهم بدعم انقلاب 3 يولي 2013 عندما أطاح الانقلاب بالرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي.

وأضاف “أبدى معظم هؤلاء حماسا للانقلاب العسكري الذي أجهض التجربة الديمقراطية القصيرة في مصر، بينما دعم كثيرون مجزرتي رابعة والنهضة التي قتل فيها نحو ألف محتج أثناء اعتصامهم السلمي”

وانتقد الباحث تناقض الأسواني، الذي كان متصالحا مع مشاركة الإخوان المسلمين في العملية الديمقراطية عام 2011، ومتعاطفا معهم في حقبة مبارك رغم اختلافه الأيديولوجي مع أجندتهم، ثم أصبحت مواقفه لاحقا تزداد خصومة تجاه الإخوان ويرفض مشاركتهم في الديمقراطية.

قال فاروقي إن الأسواني فقد الثقة في العملية الديمقراطية، فقد قدم بحماسة دعمه لإزاحة الرئيس مرسي بالقوة عبر الانقلاب العسكري، ورأى مذبحة رابعة “خطوة تصحيحية لا مفر منها”!

كما انتقد رد فعل الأسواني على وفاة مرسي، فبينما اعترف بمسؤولية النظام عن الإهمال الطبي تجاه مرسي في محبسه، استمر في ترديد نفس النغمة عن الإخوان كجماعة إرهابية خائنة، كأنه يحملها المسؤولية عن مقتل الرئيس الراحل.

ورصد فاروقي، إلى جانب نخبة من الخبراء في دراسات الشرق الأوسط والعلوم السياسية والفلسفة والدراسات الإسلامية والقانون، ما رأوه “فشل الليبرالية المصرية بطريقة كلية” في كتاب “مصر وتناقضات الليبرالية”.

وناقشوا فيه سلوك تيار عريض من الليبراليين المصريين الذين تبنوا مواقف “غير ليبرالية”، وما أسموه “الذكاء غير الليبرالي ومستقبل الديمقراطية المصرية”.

Comments

comments

شاهد أيضاً

إسرائيل تهاجم عباس بعدما اتهمها بارتكاب “50 محرقة” بحق الفلسطينيين

اتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس إسرائيل خلال زيارته للعاصمة الألمانية برلين بارتكاب “محرقة هولوكوست” بحق …