خالد عكاشة يكتب: هل تتفكك إثيوبيا قبل الملء الثاني للسد؟


تطورات داخلية خطيرة هذه المرة تجرى فى منطقة عرقية رئيس الوزراء آبى أحمد، حيث تتقدم قوات «جبهة تحرير أورومو» بتسارع كبير تجاه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، للحد الذى أكّد فيه كثير من سكانها أنهم يشاهدون تلك القوات بكثافة فى منطقة تبعد 70 كم عن العاصمة. هناك تمركز ووقفة تعبوية قامت بها هذه القوات التى وجدت الطريق مفتوحاً أمامها، للسيطرة على نحو 13 منطقة غرب «شوا»، حيث تتنازع مع عرقية «الأمهرة» على ملكية تلك الأراضى منذ عقود، وتجددت الرغبة فى الاستحواذ عليها تحت ضغط ما يرونه من انحياز آبى أحمد الكامل للأمهرة، بعد أن قاموا بتنفيذ طموحاته بتحطيم وكسر قدرات «التجراى» فى الحرب المستعرة منذ نوفمبر الماضى.

تسببت الفوضى المسلحة وانشغال القوات الفيدرالية فى جبهة تجراى الشمالية بتحفيز إضافى لجبهة الأورومو التى تريد استباق أى متغير جديد قد يأتى فى صالح حلف آبى أحمد والأمهرة، فهذه العرقية المتحالفة مع رئيس الوزراء تقوم اليوم بسحب إثيوبيا فى عدد من الاتجاهات، وفق أجندتها الخاصة التى ترى أنها تحقق مصالحها الاستراتيجية بالوصول إلى حكم إثيوبيا بالكامل، وتقوم فى سبيل ذلك بممارسة ما يشبه الإذلال للحكومة الفيدرالية، للحد الذى جعل التدخل الشاحب للحكومة الفيدرالية يبدو مجرد ردة فعل لحفظ ماء الوجه، ومحاولة لإثبات أنها تمثل الدولة وأنها ما زالت الحاكم الفعلى. تمكّن الأمهرة من خلال المشاركة فى الحرب بجميع أفراد القوات الخاصة للإقليم، فضلاً عن شرطة الإقليم والميليشيات الأخرى جنباً إلى جنب مع قوات أديس أبابا النظامية، حيث فقدت الأخيرة فى حربها ضد إقليم التجراى ما يقرب من 80% من معداتها العسكرية الثقيلة، ونسبة 100% من قوتها الصاروخية التى جرى الاستيلاء عليها من قاعدة الشمال بمعرفة قوات «جبهة تحرير تجراى»، حيث يؤرخ لهذا الصراع الذى لن ينتهى قريباً باعتبار هذه الواقعة هى ما تسبب فى اندلاعه، على الأقل فى الرواية الرسمية لأديس أبابا.

عمليات القتل والثأر الانتقامى التى حدثت للأمهرة تم تسويقها بما يوازى الإبادات الجماعية، ليتم وضع آبى أحمد فى زاوية لا يملك خلالها إلا المضىّ فى تنفيذ أجندة الأمهرة، فما كان منه سوى جلب أعداد كبيرة من القوات الفيدرالية إلى إقليم «بنى شنقول» والسماح بالتحرك غير المعلن لقوات إقليم الأمهرة الخاصة فى داخل «بنى شنقول» تحقيقاً للمرحلة الأولى من خطة الأمهرة الرامية للاستيلاء الكامل على الإقليم، حيث تعتبره الأمهرة الساحة القادمة لحروب المياه مع جارتها السودان، ولذلك جاء إشعال الحدود السودانية كجبهة متقدمة تفتحها إثيوبيا مع الخرطوم من أجل توسيع رقعة الجبهة الكبرى التى ستفتح فى إقليم بنى شنقول، وربما يحدث ذلك قبل بداية موسم الأمطار، وأيضاً قبل تنفيذ خطط الملء الثانى لسد النهضة فى أغسطس من العام الحالى، ووفق عقيدة الامتلاك التى يؤمن بها الأمهرة فهم يرون فى أنفسهم العرقية الأحق بنيل شرف افتتاح توربينات السد رسمياً، إيذاناً بتشغيلها والبدء فى جنى ثمارها. وترى فى الوقت ذاته أن «الأورومو» هم الوحيدون الذين سينافسونهم فى نيل هذا المكسب الكبير، لذلك صار هدف الأمهرة الأول مواجهة كل قوى التمرد الأورومية باعتبارها القادرة على الوقوف عقبة أمام التغيير المخطط والهادف إلى استئصال النظام الفيدرالى وتمكين الدولة الأمهرية المركزية من جديد.

الأحداث تدفع تجاه سؤال المستقبل والمصير للدولة الفيدرالية الإثيوبية، فالمشهد أعمق فى تفاصيله من مجرد خوض المركز صراعاً مع عرقية التجراى داخل إقليمهم، رغم أنه يمثل ذروة الأزمة حتى اللحظة ومرشح للتمدد، فى ظل بداية استعادة «جبهة تحرير تجراى» لمساحات واسعة من المناطق مؤخراً.. فالمشروع الذى يتبناه آبى أحمد هو التفكيك الكامل لنظام فيدرالية الحكم، والعودة إلى سطوة المركز وفرض هيمنته على كافة مقدّرات الأقاليم والعرقيات المتنافرة، وقد حصل صاحب نوبل على دعم النخبة الأمهرية من أجل تحقيق هذه العقيدة السياسية، فالعرقية التى تتخذ إثيوبيا من لغتها ولغة رسمية لها رمزية تاريخية مليئة بالتعقيدات والموروثات شعرت بأنه قد آن أوان إحيائها، وتعتبر «التجراى» و«الأورومو» والفيدرالية متعددة الأعراق مناهضة للأمهرة، لذلك يظل الصراع بين آبى أحمد و«التجراى» صراعاً على قلب إثيوبيا، قبل أن يكون صراعاً على النفوذ أو المكاسب، فمن منظور تاريخى يخوض رئيس الوزراء نفس الحرب التى خاضها العديد من أسلافه، والفشل فيها مرشح بقوة ويلوح أمام عينيه كل ليلة.

نشأت «جبهة تحرير أورومو» التى تتقدم اليوم تجاه العاصمة أديس أبابا عام 1973 باعتبارها حركة قومية للشعب الأورومى الذى يستوطن جنوب ووسط إثيوبيا، والأورومو يمثلون أكبر عرقية فى البلاد فى الوقت الذى يُعد هدف الجبهة المعلن هو تحرير أورومو من الاحتلال الإثيوبى. على ضوء ذلك أعلنت الجبهة النضال المسلح من أجل تحرير الشعب الأورومى عام 1976، وتحتفظ بمجموعة قواعد عسكرية فى جنوب إثيوبيا على طول الحدود مع كينيا، حيث تشن من خلالها هجمات مستمرة على الحكومة الإثيوبية لنيل تقرير المصير. وقد تحالفت الجبهة طوال عمرها الطويل الممتد مع كافة الجبهات المعارضة للنظام الإثيوبى، بداخل الدولة وخارجها ومع جميع حركات الانفصال التى كان منها الأريترى والصومالى، بغرض استنزاف المركز والسعى لتكبيده فاتورة باهظة طوال الوقت. واليوم يبدو أنهم يدخلون مع المركز فى أديس أبابا فصلاً جديداً، يتزامن مع هوس الاستحواذ الذى يعترى عرقية «الأمهرة» الأكثر ارتباطاً بالنظام الحالى، فأى مصير ينتظر إثيوبيا اليوم بعد كل هذا الاضطراب، هل نحن أمام مشهد تحلل المركز على وقع ضربات الانفصال والاستنزاف وأطماع السطوة والنفوذ؟ السيناريوهات كافة تلاحق النظام الذى لا يدرى كيف ينقشع هذا الكابوس الذى تعقدت أطرافه وخيوطه وخُضِّب بدماء كثيرة يصعب استيعابها.


Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : مصر والردة المستحيلة لما قبل الميلاد

ان الذين يتصيدون اى حدث أو مناسبة ولو كان استعراضا ناجحا نظمته الدولة للترويج عالميا …