خليل العناني

خليل العناني يكتب : دار الإفتاء المصرية بين الدين والسياسة


وكما هي الحال مع الأزهر، شهدت العلاقة بين الدولة ودار الإفتاء شدّاً وجذباً. وحاول بعض المفتين الاستقلال عن الدولة، وخصوصاً خلال النصف الأول من القرن العشرين. لكن على الرغم من ذلك، نجحت الدولة في فرض السيطرة على مؤسسة دار الإفتاء، والتحكّم في شؤونها، وهو ما أضعف استقلالها خلال النصف قرن الأخير. وفي أحيانٍ كثيرة، كانت الدولة تحاول استخدام دار الإفتاء في صراعها مع الأزهر، وخصوصاً خلال مرحلة ما بعد انقلاب يوليو/ تموز 2013. فعلى سبيل المثال، حاول نظام عبد الفتاح السيسي طرح مشروع قانون لتنظيم دار الإفتاء المصرية الذي يهدف إلى إنشاء كيانٍ موازٍ للأزهر، وتهميش دوره لمصلحة دار الإفتاء. وهو ما رفضه شيخ الأزهر، أحمد الطيب، واعتبره محاولة لتقليص صلاحيات مؤسسة الأزهر، الأمر الذي يعتبر غير دستوري.

الدولة المصرية تتحكم في كلّ المؤسسات الدينية، بما فيها الأزهر، لجهة الموارد المالية وإدارة شؤونها

وحقيقة الأمر، منذ تولى السيسي السلطة في مصر، تحولت دار الإفتاء إلى بوق للسلطة، واستُخدِمَت أداةً سياسية لشرعنة سياسات النظام. كذلك قدّم شيوخ وأئمة في “دار الإفتاء” أصواتهم لدعم النظام الحالي بطريقةٍ غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة، لعل أبرزهم المفتي العام السابق لمصر، الشيخ علي جمعة، وكذلك المفتي الحالي، الشيخ شوقي علام، وهما يُعَدّان من أهم المؤيدين الصرحاء للرئيس السيسي، ولا سيما في حملته القمعية ضد جماعة الإخوان المسلمين. ولكليهما تصريحات معروفة في هذا الصدد.

وعلى الرغم من أنّ النظام يدّعي أنّه جاء إلى السلطة من أجل وقف استخدام الحركات الإسلامية الدين وتوظيفها له في المجال السياسي، إلّا أنّه يُعَدّ من أكثر الأنظمة في مصر التي تستخدم الديني لتحقيق غايات سياسية. على سبيل المثال، أصدرت دار الإفتاء عشرات الآراء والفتاوى الدينية التي تسعى إلى شرعنة سياسات النظام الحالي، سياسياً وداخلياً. فمثلاً أُصدِرَت فتاوى لدعم موقف السيسي من الأوضاع في ليبيا، وكذلك الهجوم على الإسلاميين، وتوجيه انتقادات لاذعة إلى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، فضلاً عن تبرير سياسات الحكومة المصرية في مكافحة فيروس كورونا. فمن أول يناير/ كانون الثاني 2020 وحتى يونيو/ حزيران 2020، يتناول ما يقرب من ثلث البيانات التي أصدرها المركز الإعلامي لدار الإفتاء قضايا ومسائل سياسية، وهو أمر عجيب وغريب، فالوظيفة الأساسية لدار الإفتاء أن تفتي الناس في شؤون دينهم ودنياهم، وليس إصدار مواقف وبيانات سياسية، وخصوصاً إذا كانت تقع في مغبة الانقسام والاستقطاب السياسي، كما هو الحال في مصر والمنطقة العربية.

منذ تولى السيسي السلطة في مصر، تحولت دار الإفتاء إلى بوق للسلطة

ومعروف أنّ الدولة المصرية تتحكم في كلّ المؤسسات الدينية، بما فيها الأزهر، لجهة الموارد المالية وإدارة شؤونها. على سبيل المثال، تعيّن الحكومة الأئمة والشيوخ، وتراقب عملهم، بما فيها إقامة الصلوات في المساجد المرخصة، وتدفع رواتبهم. ووفقاً للقانون، تشمل العقوبات المنصوص عليها للوعظ أو إعطاء دروس دينية من دون ترخيص من وزارة الأوقاف أو الأزهر السجن لمدة تصل إلى سنة أو دفع غرامة تصل إلى 50 ألف جنيه (3100 دولار). وتُضاعف العقوبة لمن تتكرر مخالفاتهم. ولدى مفتشي وزارة الأوقاف أيضاً السلطة القضائية لاعتقال الأئمة الذين يخالفون هذا القانون.

وعلى الرغم من ذلك، ليس كلّ المؤسسات الدينية تقدّم الدعم السياسي للنظام الحالي، فهناك أربعة كيانات مصرّح لها حالياً بإصدار فتاوى (أحكام دينية ملزمة للمسلمين): هيئة كبار علماء الأزهر، والمركز الأزهري للدراسات الإسلامية، ودار الإفتاء، وإدارة الإفتاء العام في وزارة الأوقاف. وكما أوضح مقال سابق للكاتب، يخالف الأزهر بعض سياسات النظام، وهو ما أدّى إلى توترات بين السيسي وشيخ الأزهر. كذلك، إنّ الدعم الذي تقدمه بعض هذه المؤسسات للنظام الحالي لا ينطلق من اتفاقها معه في سياساته، ولكن أحياناً بسبب خوفها من وصول الإسلاميين إلى السلطة، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين. وثمّة عداء تاريخي بين هذه المؤسسات وجماعة الإخوان والسلفيين، وهو ما بدا بوضوح في أثناء الفترة التي حكم فيها الإخوان مصر بين عامي 2012 و2013، حين حاولت الجماعة السيطرة على هذه المؤسسات، لكنّها فشلت، ولعلّ هذا سبب عداء مؤسساتٍ، كدار الإفتاء ووزارة الأوقاف، الشديد للإخوان المسلمين.


Comments

comments

شاهد أيضاً

قطب العربي يكتب : أين موضعنا من التحولات الإقليمية والدولية؟

تطورات متلاحقة في المشهد الإقليمي والدولي من حولنا، نبدو فيها في “مفعولا به” وليس “فاعلا” …